والذين يقرؤون كتاب الرسالة المحمديّة: (القرآن العظيم) (١) الذي هو أول مصدر من مصادر السيرة النبويّة، قراءة فهم وتدبّر، وبحث متعمّق في معانيه وحقائقه الكونيّة، وعقائده وتشريعاته، ونظمه الاجتماعيّة وأخلاقيّاته،
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٢٩ بتصرف: محمد الصادق عرجون، دار القلم، دمشق ط أولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
[ ١ / ٢١ ]
ويقرؤون السيرة النبويّة في مصادرها الوثيقة -كما سيأتي- قراءة إمعان وإنصاف، يعلمون أن هذا الكتاب الحكيم، وهذه السيرة الكريمة عُنيا أكثر ما عُنيا في نصوصهما بالنبوّة والرسالات الإلهية، فأشادا بهما، وأعظما شأنهما، وجعلا معرفتهما والإيمان بهما شطر الإيمان الصحيح، فلا تكمل حقيقة إيمان مؤمن - في شرعة هذا الكتاب الكريم، وفي هدي سنة نبيّه الأمين - ﷺ - إلا بصدق الرسالات الإلهية والإيمان بها، إيمانًا لا يفرق بين أحد من رسل الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]!
وإيمان الرسول - ﷺ - هو إيمان التلقّي المباشر (٢) .. تلقّي القلب النقي للوحي العلي، واتصاله المباشر بالحقيقة المباشرة .. الحقيقة التي تتمثل في كيانه بذاتها من غير كدّ ولا محاولة، وبلا أداة أو واسطة، وهي درجة من الإيمان لا مجال لوصفها، فلا يصفها إلا من ذاقها، ولا يدركها من الوصف -على حقيقتها- إلا من ذاقها كذلك!
فهذا الإيمان -إيمان الرسول - ﷺ - هو الذي يكرم الله عباده المؤمنين فيجمعهم في الوصف مع الرسول الكريم، على فارق ما بين مذاقه في كيان الرسول - ﷺ - بطبيعة الحال وكيان أي سواه، ممن لم يتلقّ الحقيقة من مولاه!
ترى، ما حقيقة هذا الإيمان وحدوده؟
﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ٣٤٠ بتصرف.
[ ١ / ٢٢ ]
إنه الإيمان الشامل الكامل الذي جاء به (الدّين القيّم) .. الإيمان الذي يليق بهذه الأمّة الوارثة لدين الله، القائمة على دعوته في الأرض إلى يوم القيامة، الضاربة الجذور في أعماق الزمان، السائرة في موكب الدعوة في حياة الرسول - ﷺ -، وموكب الإيمان الممتد في شعاب التاريخ البشري!
وهذا الإيمان قاعدة التصوّر، وقاعدة المنهج الذي يحكم الحياة، وقاعدة الخُلق، وقاعدة الاقتصاد، وقاعدة كل حركة يتحركها المؤمن هنا أو هناك!
والإيمان بالملائكة شأنه شأن الإيمان بالحقائق الغيبيّة المستيقنة التي جاءت من عند الله .. وهو يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود، فلا تنكمش صورة الكون في تصوّر المؤمن حتى تقتصر على ما تدركه حواسه، وهو ضئيل، كما أنه يؤنس قلبه بهذه الأرواح المؤمنة من حوله، تشاركه إيمانه بربّه، وتستغفر له، وتكون في عونه على الخير بإذن الله، وهو شعور لطيف ندي مؤنس ولا شك .. ثم هناك المعرفة بهذه الحقيقة، وهي في ذاتها فضل يمنحه الله للمؤمنين به وبملائكته!
والإيمان بكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذي ينبثق من الإيمان بالله في الصورة التي يرسمها، فالإيمان يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله، وصدق كل الرسل الذين بعثهم الله، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم، وتتضمّنه الكتب التي نزلت عليهم!
ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير المسلم؛ فكلهم جاء من عند الله بالإِسلام، في صورة من الصور المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم، وكلهم مسلمون!
[ ١ / ٢٣ ]
والمسلمون أولى الناس بهم إيمانًا وتصديقًا، وجاء خاتم النبيّين - ﷺ - بالصورة الأخيرة لـ (الدّين القيّم) لدعوة البشريّة كلها إلى يوم القيامة!
وهكذا تتلفى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله، وتقوم على دين الله في الحياة، ويشعر المسلمون -من ثم- بضخامة دورهم في هذه الأرض إلى أن تقوم الساعة، ويتوجهون إلى ربهم بالطاعة والتسليم، ويعرفون أنهم صائرون إليه، فيطلبون مغفرته من التقصير!
إنها الوحدة الكبرى التي هي طابع العقيدة الإسلامية:
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، بلا تفريق بين الرسل .. والسمع والطاعة، والإنابة إلى الله .. واليقين بيوم الحساب!
وإنها العقيدة التي تصوّر موكب الإيمان الواحد، من مبتدأ الخليقة إلى منتهاها، وخط الهداية المتّصل الموصول بأيدي رسل الله جميعًا، المتدرجّ بالبشريّة في مراقي الصعود، الكاشف لها عن الناموس الواحد، بقدر ما تطيق، حتى كانت الرسالة الخاتمة التي أعلنت وحدة الناموس كاملة!
ونظرة إلى قصص الأنبياء والرسل في القرآن الكريم (١)، وفي أحاديث الرسول - ﷺ -، وما أنزل الله -﷿- من الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبوديّة لله تعالى وحده، وعرض ما جرى لهم من أممهم وأقوامهم، وبيان ما كان في أقوامهم من رذائل الشرك والوثنيّة، ومنكرات الأخلاق، وسفساف الاجتماع، وتحذير الأنبياء والرسل لهم من عواقب هذه الخبائث، وإنذارهم بطش الحق وبأسه، وما رمى الله به تلك الأمم من عذاب استأصل به الظالمين،
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٢٩ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٢٤ ]
وقطع دابر المعاندين، كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]!
تبيّن مقدار العناية التي أضفاها القرآن الكريم، والسنة الصحيحة المطهرة، على النبوّة ومكانتها، وعلى حياة الأنبياء، ومقام الرسالات والرسل، من تعظيم وتقدير!
وقلما يجد الباحث سورة من سور القرآن الكريم في طِوَلَه، لا يجد فيها ذكرًا للنبوّة والأنبياء، والرسل والرسالات .. وقد يطول الحديث عن بعضهم في إسهاب تقتضيه المناسبة، يكشف كثيرًا من أحداث التاريخ، كما في قصص نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى - ﵈ .. وقد يختصر الحديث عن بعضهم في إيجاز معبّر أصدق تعبير .. وفي القرآن سورة تسمّى سورة الأنبياء!
والقرآن الكريم يقصد إلى استكمال الحجة والموعظة، عندما يتطلّب الحديث تنويع البرهان والموعظة، فيذكر شيئًا في موضع آخر من القصة، يجعله كالتمهيد، ليضيف إليه ما لم يذكر هناك، حتى تكتمل القصة في جوّها ومناسبتها، بما يقتضيه مقام الحديث عنها، ومن هنا قال علماء البلاغة:
(لكل مقام مقال)!
بيد أن الذين يقفون في سفح البحث ممن لا يستطيعون القدرة على السبح في محيطه، لا يرتفع نظرهم إلى حقيقة الأسلوب البياني في هذا الكتاب المبين، ولكنهم يرون لأول نظرة عابرة أنهم أمام قصص مكرّرة، وسير معادة،
[ ١ / ٢٥ ]
وآيات مردّدة .. وهذا عند التأمّل في سياق كل قصة، يبدو خيالًا واهمًا، لا يركن إليه ويعتقده إلا من لم يكن له صبر على البحث لمعرفة الحقائق التاريخيّة في سير الأنبياء والمرسلين، وإلا من لم يعرف وسيق الوشائج التي تربط بين رسالة محمد - ﷺ - بكافة نبوّات الأنبياء، وسائر رسالات الرسل -﵈-!
ألا ترى إلى هذا الكتاب الحكيم في صنيعه بقصة يوسف -﵇- وقد نزلت -كما تقول روايات أسباب النزول- إجابة لطلب قصد القصة كاملة؛ فإنه لما استوفى أحداث القصة متكاملة في سورتها، تحقيقًا للمطلوب، وإعجازًا للمعاندين، وتصديقًا للرسول - ﷺ -، لم يعد إليها في سورة أخرى إلا إشارة ورمزًا!
والقرآن الكريم، وهو كتاب هداية وعبرة، في وزنه للحياة، وتقديره لحقائقها، يقصد في قصص الأنبياء والرسل فيما يقصد إليه من معان وحقائق إلى تنبيه العقول والأفكار إلى ما وقع في التاريخ البشري من غمط ظالم لأعظم حقائق الحياة، وتقصير متعمّد فيما كان يجب أن يكون في موضوع الصدارة من صحائفه!