والحياة التي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في حياتهم، تتوافر فيها أربع خصال (١):
الأولى: أن تكون (تاريخيّة)، أي أن التاريخ الممحّص الصحيح يصدّقها ويشهد لها!
_________________
(١) الرسالة المحمديّة: ٦٨ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٨٧ ]
الثانية: أن تكون (جامعة)، أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شمائلها!
الثالثة: أن تكون (كاملة)، أي متسلسلة لا تنقص شيئًا من حلقات الحياة!
الرابعة: أن تكون (عمليّة)، أي أن تكون الدعوة إلى المبادئ والفضائل والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حقّقه بسيرته، وعمل به في حياته الشخصية والعائليّة والاجتماعيّة، فأصبحت أعماله مُثلًا عليا للناس، ومن ثم تكون الأسوة!
وكل هذه الأمور موجودة في سيرة محمد الرسول - ﷺ -، وليس معنى هذا أن سير الأنبياء قد صفرت من تلك الخصال مدة وجودهم في الحياة الدنيا، بل إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس قد أصابها التحريف، ودخلها التخريف، ومن ثم فهي لا تنصّ على هذه الأمور!
ولعل الحكمة في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثوا لأزمانهم وشعوبهم، فكان الموفّقون للخير من شعوبهم في أزمانهم يرون سيرتهم، ومن ثم تكون الأسوة .. ولم تكن هناك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأن النبوات ستختم برسالة خاتم النبيين - ﷺ - الكاملة إلى الناس كافة، في كل زمان ومكان، وجيل وقبيل، وعصر ومصر .. فكانت الحاجة ماسة إلى أن تكون سيرته - ﷺ - معلومة على حقيقتها إلى يوم القيامة؛ ليتيسّر التأسّي بها لجميع أمم الأرض، وهذا من أصدق البراهين العملية والسلوكيّة على كون خاتم النبيّين محمد - ﷺ - لا نبيّ بعده!
ولقد شهدت الدنيا أصدق شهادة، ثم ازداد ذلك ثبوتًا على الأيّام بأن الدّين القيّم لم يقتصر على مجرد حفظ سيرة خاتم النبيّين - ﷺ -، بل توسّع في
[ ١ / ٨٨ ]
ذلك إلى ما يتعلق بها من كل النواحي، وصان هذه الأمانة القدسيّة، فلم تقترب منها يد الضياع، ولم تعبث بها عوامل الدهر، إلى درجة أن العالم كله يقف من ذلك موقف العجب!
والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقوال النبي - ﷺ -، ورواية أحاديثه، وكل ما يتعلق بحياته أدّوها إلى من ضبطوها بعدهم، وكتبوها، وهم طبقات معروفة من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم بإحسان .. فلما تمّت هذه الذخيرة التاريخية جمعًا وكتابة وتدوينًا، وفق أصول التحديث رواية ودراية، جعل العلماء يكتبون سير هؤلاء الرواة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة الذين رووا شيئًا مما يتعلق بحياة الرسول - ﷺ -، فكتبوا أسماءهم وكناهم، وأنسابهم، ومنشأهم، وأخلاقهم، وعاداتهم .. وبالجملة شؤون حياتهم، حتى أصبح ما كتبوا في هذا الباب علمًا مستقلًا!
وقد ادّعى الألماني المعروف الدكتور (سبرنكو) أنه أول أوروبّي كتب في سيرة محمد - ﷺ -، معتمدًا على المصادر العربيّة الأولى، ولم يعتمد في تأليفه إلا عليها، مع أنه في الحقيقة لم يكتب دفاعًا عن صاحب الرسالة - ﷺ -، بل كان متحاملًا، إلا أنه قال في مقدمته على كتاب (الإصابة) المطبوع في (كلكتا) ١٨٥٣ - ١٨٦٤ م: (لم تكن فيما مضى أمّة من الأمم السالفة، كما أنه لا توجد الآن أمّة من الأمم المعاصرة أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطر)!
وقد توفّي النبي - ﷺ - ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان (١)، من رجل وامرأة!
_________________
(١) انظر: الإصابة: ١: ٢ - ٣.
[ ١ / ٨٩ ]
ومن هؤلاء عشرة آلاف صحابي، مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في الكتب التي أفردت للتدوين؛ لأن كل واحد منهم حفظ شيئًا من أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وهديه وسيرته!
وبعد وفاة الرسول - ﷺ - بقي فريق من كبار الصحابة إلى سنة (٤٠ هـ)، وبقي بعد ذلك من الصحابة الذين كانوا أحداثًا في حياة النبي - ﷺ - عدد غير قليل .. فلما انقرض ذلك الجيل لم يبق من الصحابة أحد، وانطفأ سراج أُوقد بنور النبوّة!
وجاء دور التابعين الذين هم تلاميذ الصحابة، والذين ينزلون المنزلة الثانية بعدهم في تبليغ الدعوة، وحمل الرسالة المحمديّة إلى الأنحاء النائية، والبلاد المترامية الأطراف، ولم يكن لهم همّ في الدنيا إلا حفظ الدين، ونشر أحكامه، وتعميم سننه وآدابه، والتعريف بسيرة الرسول - ﷺ - وهديه!
فقد ذكر ابن سعد في الطبقات (١٣٩) من التابعين أهل الطبقة الأولى الذين كانوا في المدينة!
وذكر (١٢٩) من الطبقة الثانية الذين أدركوا عامة الصحابة ورووا عنهم!
أما الطبقة الثالثة من التابعين فهم الذين حظي الواحد منهم برؤية صحابي واحد، أو عدة من الصحابة، وعدد هؤلاء (٨٧)، فمجموع التابعين (٣٥٥) في مدينة واحدة، وهي مدينة الرسول - ﷺ -!
فقيسوا على ذلك عدد الذين أخذوا عن الصحابة في المدن الإسلاميّة، التي انتشر الصحابة فيها من مكة إلى الطائف، والبصرة، والكوفة، ودمشق، واليمن، ومصر، وغيرها .. وهؤلاء لم يكن لهم همّ إلا نشر رسالة الإسلام، وتبليغ أقوال النبي - ﷺ - وهديه وسيرته!
[ ١ / ٩٠ ]
وهنا نبصر اهتمام المؤّرخين باستيعابهم، واستقصاء أحوالهم في إحصاء الأحاديث المرويّة عن الصحابة .. وتلك الروايات الكثيرة التي حفظت لنا سيرة الرسول - ﷺ -، مع مراعاة التبليغ إلى الجيل الذي بعدهم كل ما رأوه بأعينهم، وسمعوه بآذانهم، من أحوال النبي - ﷺ - وأقواله .. ومن ثم كانوا يعلّمون أولادهم وإخوانهم وأصحابهم وأقرباء هم من الدّين والعلم كل ما كانوا يعلمونه، بحيث كان ذلك هو الشغل الشاغل آناء الليل وأطراف النهار، وفي الغدوّ والآصال!
ونبصر -أيضًا- تعلم النشء الإسلامي الأول حقائق رسالة الإسلام، وتفاصيل حياة الرسول - ﷺ -، منذ ترعرعوا في بيئاتهم التي كانت ساحة للعلم والعمل، ومدارس يتقلّبون في فصولها، وما لبثوا أن قاموا مقام الصحابة - ﵃- وسدّوا مستدّهم في حفظ هذه الأحاديث، ووعي هذه المرويات التي كانوا يحفظونها كلمة كلمة، ويعيدون رواياتها بألفاظها، دون أن يبدّلوا منها كلمة!
وكما كان رسول الله - ﷺ - يحرّض أصحابه على أن يبلّغوا عنه، ويفقهوا رسالته، وينصروا دعوته، ويعرّفوا سنته، كان ينهى عن أن يتقوّلوا عليه ما لم يقل، أو ينسبوا إليه ما لم يفعل، وكان ينذر من يتعمّد الكذب عليه بأنه سيتبوأ مقعده من النار!
ومن المعلوم أن ذاكرة العرب كانت قويّة -كما عرفنا- وأنهم يحفظون آلافًا من الشعر وينشدونها عن ظهر قلب بلا زيادة ولا نقص، ومن طبيعة البشر أنهم إذا أكثروا استعمال قوة من قواهم تزداد هذه القوّة قوّة وحيويّة، وقد مُرِّن الصحابة والتابعون على حفظ الأحاديث، حتى بلغوا في ذلك شأوًا بعيدًا،
[ ١ / ٩١ ]
والمحدّثون كانوا يحفظون ألوفًا من أحاديث الرسول - ﷺ -، ويكتبون بعد ذلك ما كانوا يسمعون ويحفظون!
وصدق شبلي نعماني، حيث قال:
(إلى يوم الدين لن يستطيع أحد أن ينافس المسلمين في فخرهم بحفظ أدق تفاصيل كل حادث في حياة الرسول - ﷺ - بطريقة دقيقة وواعية، لا يصل إلى مستواها تسجيل حياة أي إنسان آخر من قبل، ولا يمكن أن ينتظر من بعد، فمن أجل تسجيل هذه الحياة بأدق تفاصيلها قام علماؤنا بتسجيل أسماء وخصائص نحو ثلاثة عشر ألفًا من الصحابة، وتمّ هذا في وقت كان فجر نظام التأليف!
ولنرجع إلى كتب الطبقات وعلم الرجال، لنرى فيها هذه الصورة الفريدة في التراث الإنساني .. إنه جهد لا نظير له في تاريخ الإنسانيّة من أجل حياة فرد واحد) (١)!