وفي القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة متنوعة في كتابة التاريخ وتدوينه، إلى جانب الطريقة الموضوعيّة، أو ما يسمونه بالمذهب العلمي، وقد تلاقى معظم هذه المذاهب -كما يقول الدكتور البوطي (٢) - فيما أطلق عليه اسم (المذهب الذاتي)، ويعد (فرويد) من أكبر الدعاة إليه، والمتحمسين له!
ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير في أن يقحم المؤرخ نزعته الذاتيّة، أو اتجاهه الفكري أو المديني أو السياسي في تفسير الأحداث وتعليلها، والحكم على أبطالها!، بل إنهم يرون أن هذا هو واجب المؤرخ، لا مجرد وصف الأخبار، وتجميع الوقائع العارية!
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في المرجع السابق: ١٩ وما بعدها، وانظر دخل التفكير وسوء التقدير في: دائرة المعارف الإسلامية: ١٢: ٤٤ أو ما بعدها.
(٢) فقه السيرة: دكتور محمد سعيد رمضان البوطي: ٢٣ وما بعدها بتصرف، دار الفكر، ط. سابعة ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.
[ ١ / ١٧٢ ]
ونحن وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن المذاهب التاريخيّة ونقدها، فإن علينا ألا نخفي أسفنا أن يجد هذا المذهب -في عصر العلم والاعتزاز به وبمنهجيّته- دعاة إليه، ومؤمنين به، ذلك لأن هذا المذهب كفيل أن يمزق جميع الحقائق والأحداث التي يحتضنها الزمن في هيكله القدسي القديم الماثل أمام الأجيال، بفعل أخيلة التوسم، وشهوة الذات، وعصبيّة النفس والهوى، وكم من حقيقة مسخت، وأحداث نكّست، وأمجاد دثرت، وبرآء ظلموا، تحت سلطان هذه المحكمة الوهميّة الجائرة!
فهل كان لهذا المذهب الجديد تأثير على كتابة السيرة وطريقة تحليلها؟