وفي حديث آخر عن أبي هريرة وغيره: "إِنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق" وفي رواية: "صالح الأخلاق" (١)!
وفي هذا الحديث يبيّن الرسول - ﷺ - ما قدّمه إخوانه أنبياء الله ورسله للحياة من إصلاح وتقدّم، يقوم على القيم الروحيّة، والفضائل الخلقيّة، ومبيّنًا
_________________
(١) أحمد: ٢: ٣٨١ عن أبي هريرة، صحيح، وإسناده قوي، رجاله رجال الصحيح، غير محمد ابن عجلان، فقد روى له مسلم متابعة، وهو قوي الحديث، وابن سعد: ١: ١٩٢، والبزار: كشف الأستار (٢٧٤٠)، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (٤٤٣٢)، والخرائطي: مكارم الأخلاق: ٢، والبيهقي: ١٠: ١٩١ - ١٩٢، والشعب (٧٩٧٨) من طرق عن سعيد بن منصور بهذا الإسناد، وفي رواية البزار "مكارم الأخلاق"، والبخاري: الأدب المفرد (٢٧٣)، والتاريخ الكبير: ٧: ١٨٨، وابن أبي الدنيا: مكارم الأخلاق (١٣)، والحاكم: ٢: ٦١٣ بلفظ "صالح الأخلاق" وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والقضاعي: مسند الشهاب (١١٦٥)، وابن عبد البر: التمهيد: ٢٤: ٣٣٣ - ٣٣٤ من طرف، ومالك بلاغا: ٢: ٩٠٤، وانظر: ابن أبي الدنيا عن معاذ (١٤)، والبزار (١٩٧٣)، والطبراني: الكبير: ٢٠: ١٢٠، وعن جابر: الطبراني (٦٨٩١)، والبيهقي: الشعب (٧٩٧٩)، وابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم مرسلًا: ١١: ٥٠٠ - ٥٠١. وانظر: التمهيد: ٢٤: ٣٣٢، وفضل الله الصمد: ١: ٣٧١.
[ ١ / ٢٨ ]
مكانته منهم في رسالته الخاتمة، مكمّلًا ما أسّسوا، وما أقاموا من حضارات إنسانيّة رفيعة الشأن!
ويبيّن -أيضًا- أن بناء الحضارة الذي أقامته النبوّة بكلمات الله ووحيه ليس بناءً ماديًّا كأبنية الناس في حضاراتهم الماديّة، ولكنه بناء روحاني يقوم على دعائم الأخلاق والفضائل، ومحاسن الشيم والشمائل التي شيّدوا بها بناء الحضارة الفكريّة والاجتماعيّة!
وقد أبان الحديث عن عمل النبوة باعتبارها الحقيقة العظمى المسيطرة على التفكير في إقامة صرح البناء الحضاري، بإسهام كل نبيّ وكل رسول في إرساء هذا البناء حتى جاء خاتم النبيّين - ﷺ -، وكمّله برسالته الخاتمة الخالدة!
وهذا المعنى الذي أبان عنه الحديث هو إجمال لمعنى الحديث الأول، وفيه بيان المعاني والحقائق التي أقيم بناء الحضارة الإنسانيّة من لبناتها!
والنبوّة في عمومها حرية أن تكون بمنزلة من التاريخ البشريّ ترفعها فوق كل منزلة من منازل حقائق الحياة وفضائلها .. ورسالاتُ الله تعالى إلى الناس لإخراجهم من ظلمات الضلالات إلى نور الهداية جديرة أن تكون بموضع من مسيرة الإنسانية، يسمو بها إلى أرفع مكان في ذروة تاريخ الحياة!
بيد أن التاريخ البشري لم ينصف النبوّة -وهي أعظم مراتب الحضارة الفكرية- ولم يعط الرسالات الإلهيّة حقها من التقدير، وهي أجل صور الحياة في العلم والمعرفة، بل هي أبلغ وأقوى وأثبت وأعظم دوافع التطوّر الاجتماعي في حياة الإنسانيّة!
[ ١ / ٢٩ ]