يدل عنوانه على موضوعه، يقول في مقدمته:
(فكّرت في وضع هذا الكتاب، بعد أن قرأت كثيرًا من المؤلفات العسكريّة الباحثة في تاريخ حروب القادة العظام، الذين لمعت أسماؤهم قديمًا وحديثًا!
لقد أبرزت تلك المؤلفات بكل وضوح أعمال أولئك القادة، ووصفت معاركهم بتسلسل منطقي سهل، ووضّحت تلك المعارك بالخرائط والمخطّطات
[ ١ / ١٦١ ]
والأشكال، وأظهرت الدروس المفيدة منها، فأضفت بذلك كله الخلود على حياة أولئك الرجال!
وعدت لأقارن بين هذا الأسلوب في البحث، وبين أسلوب المؤرخين عندنا في الحديث عن معارك قادة المسلمين، فعرفت كيف أضاء الأسلوب الأول معالم الطريق للباحثين، وحقق قيمة جديدة لأعمال بعض القادة، بينما طمس الأسلوب الثاني أعمالًا خالدة تستحق أعظم التقدير والإعجاب!
لقد قرأت أكثر كتب السيرة في تدبّر وإمعان، وحاولت أن أستشفّ منها كل نواحي العظمة التي تتّسم بها شخصيّة الرسول - ﷺ -، ولكني وجدت أن عبقريّته العسكريّة التي لا تتطاول إليها أيّة عبقريّة أخرى لأيّ قائد في القديم أو الحديث، تكاد تكون متوارية محجوبة لم يتح لها من يكشف أسرارها، ويجلي عظمتها، بأسلوب حديث يجنح إلى الكشف والتحليل، وإبراز المواهب النادرة، خاصة من عسكري يستطيع أن يلم بنواحي العظمة العسكريّة التي تكمن فيها، ويظهرها جليّة للعيان، ومن هنا بقي الجانب العسكري من حياة الرسول - ﷺ - يشوبه الغموض حتى اليوم!
إن المسلم حقًّا هو الذي يقدّر الرسول - ﷺ - حق قدره، فيعترف بأن كفاية الرسول - ﷺ - قائدًا متميزًا، وكفاية أصحابه جنودًا مميّزين، هي التي أمّنت لهم النصر العظيم!
أما أن نستند على الخوارق وحدها في الحرب، ونجعلها السبب المباشر لانتصار المسلمين، فذلك يجعل هذا النصر لا قيمة له من الناحية العسكرية، بالإضافة إلى مخالفة الأمر بالأسباب، وإعداد القوة ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا!
إن أعمال الرسول - ﷺ -، ومنها العسكرية، سنة متبعة، في كل زمان
[ ١ / ١٦٢ ]
ومكان، فهل يبقى أتباعه ينتظرون الخوارق لينتصروا على أعدائهم، أم يعدّون ما استطاعوا من قوة، كما قرر القرآن الكريم، لينالوا هذا النصر؟
إن سيرة الرسول - ﷺ - العسكريّة، تثبت بشكل جازم لا يتطرّق إليه الشك، أن انتصاره كان لشجاعته الشخصيّة، وسيطرته على أعصابه في أحلك المواقف، ولقراراته السريعة الحازمة في أخطر الظروف، ولعزمه الأكيد في التشبّث بأسباب النصر، ولتطبيقه كل مبادئ الحرب المعروفة في كل معاركه، تلك العوامل الشخصيّة التي جعلته يتفوّق على أعدائه في الميدان، ولو لم تكن تلك الصفات الشخصيّة المدعومة بقوة الإيمان بالله، لما كُتِب له النصر!
ويمتاز الرسول - ﷺ - عن غيره من القادة في كل زمان ومكان بميزتين مهمتين:
الأولى: أنه كان قائدًا عصاميًّا!
الثانية: أن معاركه كانت للدفاع عن الدعوة، ولحماية نشر الإسلام، ولتوطيد أركان السلام، لا للعدوان والاغتصاب والاستغلال!
وقال: على ذلك يمكن تقسيم حياة الرسول - ﷺ - من الناحية العسكرّية إلى أربعة أدوار:
الأول: دور الحشد!
الثاني: دور الدفاع عن العقيدة!
الثالث: دور الهجوم!
الرابع: دور التكامل!
[ ١ / ١٦٣ ]
أما دور الحشد: فمن بعثته إلى هجرته إلى المدينة المنورة، واستقراره هناك، وفي هذا الدور اقتصر الرسول - ﷺ - على الحرب الكلامية، يبشر وينذر، ويحاول جاهدًا نشر الإسلام، وبذلك كوّن النواة الأولى لقوات المسلمين، وحشدهم في المدينة المنورة بالهجرة إليها!
وأما دور الدفاع عن العقيدة: فمن بدء الرسول - ﷺ - بإرسال سراياه وقواته للقتال، إلى انسحاب الأحزاب عن المدينة بعد غزوة الخندق، وبهذا الدور ازداد عدد المسلمين، فاستطاعوا الدفاع عن عقيدتهم ضد أعدائهم الأقوياء!
وأما دور الهجوم: فمن بعد غزوة الخندق إلى ما بعد غزوة حنين، وبهذا الدور انتشر الإسلام في الجزيرة العربيّة كلها، وأصبح المسلمون قوة ذات اعتبار وأثر في بلاد العرب، فاستطاعوا سحق كل قوة تعرضت للإسلام!
وأما دور التكامل: وهو من بعد غزوة حنين إلى أن التحق الرسول - ﷺ - بالرفيق الأعلى، فقد تكاملت قوات المسلمين بهذا الدور، فشملت شبه الجزيرة العربية كلها، وأخذت تحاول أن تجد لها متنفّسًا خارج شبه الجزيرة العربية، فكانت غزوة تبوك إيذانًا بمولد الدولة الإسلاميّة الكبرى!
بهذا التطور المنطقي، تدرجّ الرسول القائد العصامي بقواته من الضعف إلى القوة، ومن الدفاع إلى الهجوم، ومن الهجوم إلى التعرّض، وبذلك بزّ كل قائد في كل أدوار التاريخ؛ لأنه أوجد قوة كبيرة ذات عقيدة واحدة وهدف واحد من لا شيء!
تلك هي الميزة الأولى للرسول القائد - ﷺ -!
[ ١ / ١٦٤ ]
والميزة الثانية لقيادته هي: (أن معاركه كانت حرب فروسيّة بكل معنى الكلمة، الغرض منها حماية نشر الإسلام، وتوطيد أركان السلام، فلم ينقض عهدًا، ولم يمثّل بعدو، ولم يقتل ضعيفًا، ولم يقاتل غير المحاريين)!
وقال: (إن مهمة القائد في العصور الغابرة كانت أصعب من مهمته في العصر الحديث؛ لأن سيطرة القائد ومزاياه الشخصية، كانت العامل الحاسم في الحروب القديمة، بينما يسيطر القائد في الحروب الحديثة على قواته الكبيرة بمعاونة عدد ضخم من ضباط الركن الذين يعاونونه في مهمته، ويراقبون تنفيذ أوامره في الوقت والمكان المطلوبين، كما يسيطر القائد على قواته بوسائط المواصلات الداخلية الدقيقة من أجهزة لاسلكية، ورادار طائرات وأقمار صناعية ووسائط آليّة)!
وقال: (إن حياة رسول التوحيد والجهاد عليه أفضل الصلاة والسلام هي أسوة حسنة للمسلمين في كل زمان ومكان .. وإن النبيّ العربيّ صلوات الله عليه وتسليمه يطالبكم اليوم جميعًا، أن تجاهدوا من أجل الوحدة، وتتوحّدوا من أجل الجهاد)!
وهو كتاب أرجو أن تخرّج الأحاديث الواردة فيه، وأن يجد سبيله إلى الكليّات الحربيّة في البلاد الإسلاميّة!