وإذا كانت هذه المدرسة الجديدة في كتابة السيرة قد استبدلت بقواعد التحديث رواية ودراية منهجًا يتفق وما استهدف من الإعراض عن كل ما يدخل في نطاق الغيبيّات، فإن هذا يتعارض مع السمة الأولى من سمات المتقين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ
_________________
(١) انظر: التفسير الإعلامي للسيرة النبويّة: ٤٤٠ دار الجيل، بيروت، ط. أولى ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.
(٢) انظر كتابه: ما يقال عن الإسلام: ١ وما بعدها.
[ ١ / ١٧٩ ]
يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة]!
وهذه السمة هي الوحدة الشعوريّة الإيجابيّة الفعالة .. الوحدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب (١)، والقيام بالفرائض، والإيمان بالرسل كافة، واليقين بعد ذلك بالآخرة .. هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلاميّة، وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة .. والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعًا، ولتهيمن على البشريّة جميعًا، وليعيش الناس في ظلالها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة متكاملة، شاملة للشعور والعمل، والإيمان والنظام!
ومن ثم لا تقوم حواجز الحسّ دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى التي صدرت عنها، وصدر عنها الوجود .. ولا تقوم تلك الحواجز بين أرواحهم وسائر ما وراء الحسّ من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات!
والإيمان بالغيب هو العقبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيّز الصغير المحدود الذي تدركه الحواسّ -أو الأجهزة التي هي امتداد للحواسّ- وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود، في إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيّز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته، ويتلقّى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان
_________________
(١) في ظلال القرآن: ١: ٣٩ بتصرف.
[ ١ / ١٨٠ ]
من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود .. وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها - وجوده .. تلك التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول!
وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدّد والتمزّق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئًا أن تنفق فيه!
إن الطاقة التي وهبها الإنسان، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة، تنظر فيها، وتتعمّقها وتتقصّاها، وتعمل وتنتج، وتنمّي هذه الحياة وتجمّلها، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحيّة التي تتصل مباشرة بالوجود كله، وخالق الوجود، وعلى أن تدع لما لا يدرك حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول!
فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدّد الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها دون سند من الروح الملهم والبصيرة الفتوحة، وترك حصة للغيب لا تدركها العقول!
فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولًا، ومحاولة عابثة أخيرًا!
فاشلة؛ لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال!
وعابثة؛ لأنها تبدّد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال!
ومتى سلم العقل البشري بالبديهة العقليّة الأولى، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق، لزمه -احترامًا لمنطقه ذاته- أن يسلّم بأن إدراكه للمطلق مستحيل، وأن عدم إدراكه لما لا يدرك لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون، وأن عليه أن
[ ١ / ١٨١ ]
يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل، وأن يتلقى العلم في شأنه من العلم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، والغيب والشهادة!
وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلّى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين!