من أصل فارسي، كان جده يسار من سبي (عين التمر) سباه خالد ابن الوليد وكان ولاؤه لقيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، فلذلك قيل
_________________
(١) المرجع السابق: ٣٠.
(٢) سير أعلام النبلاء: ٦: ١١٦.
(٣) انظر: البخاري: ٦٤ - المغازي ٢٩ - باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب، قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع، وتهذيب الكمال: ٢٩: ١١٥ - ١٢٢، وتهذيب التهذيب: ١٠: ٣٦٠ - ٣٦٢.
[ ١ / ١١٤ ]
له: المطلبي، ولد نحو سنة خمس وثمانين، لقي كثيرًا من علماء المدينة وأخذ عنهم!
قال عليّ بن المديني: مدار حديث رسول الله - ﷺ - على ستة (١)، فذكرهم، ثم قال: فصار علم الستة عند اثني عشر، أحدهم محمد بن إسحاق!
وقال أيضًا: سمعت سفيان يقول: قال ابن شهاب: وسئل عن مغازيه، فقال: هذا أعلم الناس بها، يعني ابن إسحاق!
وقال حرملة بن يحيى عن الشافعي: من أراد أن يتبحّر في المغازي فهو عيالٌ على محمد بن إسحاق!
وقال أبو أحمد بن عدي: ولمحمد بن إسحاق حديث كثير، وقد روى عنه أئمة الناس: شعبة، والثوري، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وغيرهم!
وقد روى المغازي عنه إبراهيم بن سعد، وسلمة بن الفضل، ومحمد ابن سلمة، ويحيى بن سعيد الأموي، وسعيد بن بزيع، وجرير بن حازم، وزياد البكائي، وغيرهم!
وقد روى عنه (المبتدأ والمبعث)، ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء إلا الاشتغال بمغازي رسول الله - ﷺ - ومبعثه ومبدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة سبق إليها ابن إسحاق!
ثم من بعده صنفها قوم آخرون، فلم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق منها!
_________________
(١) تهذيب الكمال: ٢٤ - ٤٠٥ - ٤٢٨، وانظر: الطبقات الكبرى: ٧: ٣٢١ - ٣٢٢، وتاريخ البخاري الكبير: ١: ٤٠، والصغير: ٢: ١١، وسير أعلام النبلاء: ٧: ٣٣، وتهذيب التهذيب: ٩: ٣٨ - ٤٦.
[ ١ / ١١٥ ]
وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد في أحاديثه ما يتهيّأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ، أو يهم في الشيء بعد الشيء، كما يخطئ غيره، ولم يتخلف في الرواية عنه الثقات والأئمة، وهو لا بأس به!
قال الذهبي (١): وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء، لأشياء، منها: تشيّعه، ونسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه!
وقال البخاري: لو صح عن مالك تناوله من ابن إسحاق، فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد، ولا يتهمه في الأمور كلها، قال: وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في الموطأ، وهما ممن يحتج بهما، ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم، وتناول بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة، والكلام في هذا كثير!
وقال الذهبي: لسنا ندّعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به (٢)، ولا سيما إذا وثّق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف، وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثّر كلام محمد
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ٧: ٣٩ وما بعدها.
(٢) انظر: طبقات الشافعية: ١: ١٨٨، ١٩٠.
[ ١ / ١١٦ ]
فيه ولا ذرة، وارتفع نجم مالك وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة، إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذّ فيه، فإنه يعدّ منكرًا، هذا الذي عندي في حاله!
وقال (١): والذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما تفرد ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا، وقد احتج به الأئمة!
وقال (٢): كان أحد أوعية العلم، حَبْرًا في معرفة المغازي والسير، وليس بذلك المتقين، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه مرضي!
وقال العراقي (٣): المشهور قبول حديث ابن إسحاق، إلا أنه مدلّس، فإذا صرّح بالتحديث كان حديثه مقبولًا!
وقال ابن حجر (٤): ما يتفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتحديث .. وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه!
توفي ببغداد (١٥٠ هـ)، وقيل (١٥١ هـ)، وقيل (١٥٢ هـ)!