ولا نحسب أحدًا من البشر كائنًا من كان، نال من الحبّ والإعجاب ما ناله خاتم النبيّين محمد - ﷺ -!
ولا نحسب أتباع نبيّ من الأنبياء تربطهم بأنبيائهم تلك الرابطة التي تربط المسلمين برسولهم وحبيبهم، حيث لا يمنعهم من تقديسه شيء إلا أن الله -جل شأنه- نهاهم أن يتوجهوا بالعبادة والتقديس لأحد سواه!
ومع ذلك فإن درجة الحبّ التي يتوجهون بها إلى الرسول - ﷺ - تكاد تفلت أحيانًا في قلوب البعض؛ فلا يُمسكها هذا النهي إلا بجهد جهيد!
وإن الكثيرين لتصيبهم حالات من الوجد في حب الرسول - ﷺ -، حتى تختلج المشاعر والخواطر، وتتجمع عبرات وعبرات تتكوّن خضوعًا، وتتلاقى خشوعًا، لتتساقط دموعًا!
وإن الحديث عن حب الرسول - ﷺ - ذو شجون وشؤون!
وحسبنا أن مقياس الإيمان بالله هو امتلاء القلب بمحبة رسول الله، بحيث تغدو تلك المحبة متغلبة على حب الولد والوالد والناس والنفس!
يروي الشيخان وغيرهما عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من والده وولده والناس أجمعين" (١)!
_________________
(١) البخاري: ٢ - الإيمان (١٥)، ومسلم (٤٤)، وأحمد: ٣: ١٧٧، ٢٧٥، والدارمي (٢٧٤١)، وعبد بن حميد (١١٧٥)، وأبو عوانة: ١: ٣٣، وأبو يعلى (٣٠٤٩، ٣٢٥٨)، وابن منده (٢٨٤)، والنسائي: ٨: ١١٤ - ١١٥، وابن ماجه (٦٧)، والبيهقي: الشعب (١٣٧٤)، والبغوي (٢٢)، وابن حبان (١٧٩).
[ ١ / ٢٢١ ]
ويروي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي - ﷺ -، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحبّ إِليّ من كل شيء إِلا من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبّ إِليك من نفسك". فقال له عمر: فإِنه الآن والله! لأنت أحب إِليّ من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: "الآن يا عمر" (١)!
ويصور لنا مدى الحب في صورة عمليّة ما رواه مسلم وغيره عن أنس قال: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابُه، فما يريدون أن تقع شعرة إِلا في يد رجل (٢)!
وفي رواية له قال: دخل علينا النبي - ﷺ -، فقال عندنا - فَعَرِق، وجاءت أمّي بقارورة -فَجَعلتُ تَسْلِتُ العرق فيها- فاستيقظ النبي - ﷺ -، فقال: "يا أم سُلَيم! ما هذا الذي تصنعين"؟
قالت: هذا عرقُك نجعله في طيبِنا، وهو مِنْ أطيب الطيب!
وفي رواية قال: كان النبي - ﷺ - يدخل بيت أم سُلَيمْ، فينام على فراشها -وليست فيه- قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها - فأُتيتْ فقيل لها: هذا النبي - ﷺ - نام في بيتك، على فراشك، قال فجاءت وقد عَرِقَ، واستَنقَعَ عَرقُه على قطعة أديم، على الفراش، ففتَحت عَتيدتَهَا، فجعلت تُنَشِّفُ ذلك العرق فتعصِرهُ في قواريرها، ففزع النبي - ﷺ - فقال:
_________________
(١) البخاري: ٨٣ - الأيمان (٦٦٣٢).
(٢) مسلم: ٤٣ - الفضائل (٢٣٢٥، ٢٣٣١، ٢٣٣٢) وأحمد: ٣: ١٣٦، وعبد بن حميد (١٢٦٨)، والبغوي (٣٦٦١)، والطبراني: الكبير: ٢٥ (٢٨٩)، وأبو نعيم: الحلية: ٢: ٦١، والبيهقي: الشعب (١٤٢٩).
[ ١ / ٢٢٢ ]
"ما تصنعين يا أم سُليم؟ " فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا، قال: "أصبت"!
وفي رواية عن أنس عن أم سُليم: أن النبي - ﷺ - كان يأتيها فيَقيل عندها، فتبسُط له نطْعًا فيقيل عليه، وكان كثير العرق -فكانت تجمع عرقه فتجعلُه في الطّيبَ والقوارير- فقال النبي - ﷺ -: "يا أم سليم! ما هذا؟ " قالت: عرقك أدُوفُ به طيبي!
قال القرطبي في تصوير حال من آمن إِيمانًا صحيحًا ومدى الصلة بهذا الحب للرسول - ﷺ -:
(كل من آمن بالنبي - ﷺ - إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشهوات، محجوبًا في الغفلات في أكثر الأوقات، ولكن الكثير منهم إذا ذُكر النبي - ﷺ - اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه) (١)!
وحب الرسول - ﷺ - مستمر، وليس محصورًا في الوجود؛ لأنه يأتي في نصرة السنة النبويّة، والتأسّي بالرسول، والذّب عن رسالته، وهذا هو الطريق للبقاء الأبدي في النعيم السرمدي!
يروي مسلم وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ - قال: "من أشد أمتي لي حبًّا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني، بأهله وماله" (٢)!
_________________
(١) فتح الباري: ١: ٦٠.
(٢) مسلم: ٥١ - الجنة (٢٨٣٢)، والبغوي (٣٨٤٣)، وابن حبان (٧٢٣١).
[ ١ / ٢٢٣ ]
وفي الصورة المقابلة نبصر عطاء الرسول - ﷺ - فيما يرويه مسلم وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإِنا إِن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إِخواننا"! قالوا: أولسنا إِخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإِخواننا الذين لم يأتوا بعد .. " الحديث (١)!
في هذا المقام الذي ينسى الإنسان فيه كل شيء .. ينسى الدنيا بما فيها، ويتذكر الآخرة!
يود الرسول - ﷺ - أن قد رآنا، ويرفعنا إلى درجة الأخوة!
يا لجلال التعبير النبوي الكريم!
"وددت أنا قد رأينا إِخواننا"!
يا لعظمة هذا النبي - ﷺ - .. وهو يرسل هذا الودّ، ويقرّر تلك الأخوة!
وهو خير الخلق وخاتم النبيّين - ﷺ -، وهذا يحرّك فينا ضرورة التأسي به، والتمسك بسنته!
لقد أعطانا الرسول - ﷺ - الحب المثالي اللائق به، والذي لا نقدر عليه بحال!
وحسبنا -كذلك- أن نذكر ما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر وابن العاص: أن النبي - ﷺ - تلا قول الله -﷿- في إِبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم]!
وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة]! فرفع يديه، وقال: "اللهم!
_________________
(١) مسلم: ٢ - الطهارة (٢٤٩)، وابن حبان (٧٢٤٠).
[ ١ / ٢٢٤ ]
أمتي أمتي"! وبكى، فقال الله -﷿-: يا جبريل! اذهب إِلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊ فسأله - فأخبره رسول الله - ﷺ - بما قال: وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إِلى محمد فقل: إِنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك (١)!
أرأيت كيف بكى الرسول - ﷺ - شفقة علينا، ورحمة بنا؟!
أرأيت هذه العبرات التي تعجز الكلمات عن تصويرها إلا بعبرات وعبرات، ولكن أنى لنا بعبرات تقترب مجرد اقتراب من بكاء الرسول - ﷺ - وهو يدعو لنا!
هنا يحق لنا أن ندرس سيرته للتأسي به - ﷺ - .. ولكن ما كان لنا أن نقف عند هذا الحدّ مع عظمته .. فلنتقدّم إلى الأمام، إلى الناحية الإيجابيّة، إلى التأسي بالرسول - ﷺ - .. فهناك الكثيرون ممن يتشدّقون بالحبّ، وقد تتساقط دموعهم، حتى وهم ينحرفون بهذا الحب إلى لون من التقديس!
ذلك أنه حب عاطفي سلبي وكفى، لا صدى له في واقع الحياة والسلوك!
إن صورة الحبّ في قلوب هؤلاء لتعاني عزلة وجدانيّة عميقة، كما تعاني بُعدًا في السلوك والفهم والإدراك؛ لأنها صورة منعزلة في الوجدان .. وليست صورة حيّة متحرّكة في واقع الحياة، شاخصة في سلوك أصحابها وأفكارهم ومشاعرهم وخواطرهم وماديّاتهم وروحانيّاتهم على سواء!
ولا شك أن لهذه العزلة أسبابًا ترجع في جملتها إلى واقعنا كأمة تعيش كما نرى ونشاهد ونعايش! لا كما عاش السلف الصالح، حكمًا وتشريعًا، ودستورًا ونظامًا، حيث كانت الأسوة بالرسول - ﷺ - طابع الأمة، وحيث كانت الأمة تحسّ
_________________
(١) مسلم: ١ - الإيمان (٢٠٢)، والطبري: التفسير: ١٣: ٢٢٩، وابن منده: الإيمان (٩٢٤)، والبيهقي: الأسماء والصفات: ٢: ٣٤١ - ٣٤٢، والبغوي (٤٣٣٧) وابن حبان (٧٢٣٥).
[ ١ / ٢٢٥ ]
إحساسًا عميقًا بأنها على الدرب تسير وفق سنة رسول الله، وأن تعاليم الرسول - ﷺ - قائمة، وإن غابت ذاته الرفيعة في الحسّ!
وما عالم الحسّ من واقع النفس؟!
إن الأمور لا تقاس بوجودها أو عدم وجودها في عالم الحس وحده؛ وإنما تقاس بمقدار ما توجد في عالم النفس، وبالمكانة التي تملؤها من المشاعر والخواطر والأفكار والسلوك على سواء!
فهل تحسّ -يا أخي- بالحبّ للرسول - ﷺ -؟!
هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الممتلئ بالحيويّة؟!
هل تحسّ بالحبّ الإيجابي الذي يدفعك دفعًا إلى السير قدمًا في الطريق لا تتردّد ولا تتلفّت، ولا تتحيّز لنفسك، ولكن تبلغ دعوة الله، حتى يرى بعضنا بعضًا، في دائرة الحبّ الإيجابي الخالص لله ولرسوله ولمن آمن بالله ورسوله؟!
وسيظل الحبّ هو الروح الساري اللطيف، وستظل الدنيا خاشعة خاضعة أمام عطاء هذا الحب وعظمة الرسالة والرسول - ﷺ -!
ستظل خاشعة خاضعة أمام هذه العلاقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!
ستظل خاشعة خاضعة أمام تلك العظمة التي تعجز الكلمات عن تصويرها!
وسيظل التاريخ يذكر أن تلك المعالم حين وجدت اهتزّ إيوان كسرى، وترنّح قصر قيصر، وتمرّغ الباطل في الرغام!
وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل ..
[ ١ / ٢٢٦ ]
وورثوا عرش هذا وتاج ذاك .. واندفعوا بهذا (الدّين القيّم)، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي .. وأقاموا دولة إسلاميّة في إسبانيا، ووصلوا إلى فيينا!
وكان ذلك ما شهدته الدنيا، وسجّله التاريخ!
وهنا تحضرني قصة عجيبة حدثت منذ أكثر من ألف عام في أرض فارس، على يد ابن سينا، حين قال غلامُه: لستُ أدري بأي شيء يفضلك محمد - ﷺ -: كلمة غليظة كبيرة، بيد أن ابن سينا قال:
(يا بنيّ، سأخبرك غدًا عن هذا الأمر، وكان الوقت شتاء، والجو في شدة من البرودة لا يكاد يتحمّلها الإنسان، وفي منتصف الليل طلب ابن سينا من كلامه أن يحضر له الماء الدافئ للوضوء، فإذا بالغلام يقول له: دعني بعض الوقت فإنني متعب، ولو انتظرت قليلًا لقمتُ، وغلب النوم على ذلك الغلام، ومضت نصف ساعة ثم ساعة، وابن سينا يكرّر القول على الغلام، حتى نبّهه مؤذّن الفجر، وإذا بهم يستمعون من فوق المئذنة إلى كلمات المؤذن: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، واستمر إلى آخر الأذان، وهنا قال ابن سينا:
يا بنيّ، هذا وقت تعليمك، قم الآن واستمع إلي ما أقول: إننا الآن في أرض فارس، وبيننا وبين العرب حيث قام الإسلام وظهر النبي ﵊ مسافة ضخمة، وبيننا وبينهم قرون متطاولة، وهو نبي عربي، والذي فوق المئذنة رجل من فارس، بينه وبين النبي ﵊ من الناحية الزمانيّة قرون، ومن الناحيّة المكانية أميال، وبينهما عجمة في لسان هذا،
[ ١ / ٢٢٧ ]
وفصاحة في لسان النبي ﵊، ولكنه جاء في الليل الشديد البرد، على رغم هذا كله، وصعد فوق أعلى مكان في المدينة، وفي أبرد الأوقات في جوف الليل ليقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، وأنا معلمّك أعلمك وأربّيك، وأطلب منك وأنت في الدار أن تعدّ لي شيئًا من الماء لوضوئي فتؤخرني نصف ساعة، ثم ساعة بعدها! هذا هو الفرق بين مقام الأنبياء ومقام العلماء) (١)!
وهنا نبصر جانبًا كبيرًا عمليًا من عمق التأثير في الأجيال المتعاقبة من المسلمين، إحساسًا عميقًا بمكانة الرسول - ﷺ -، وجلال مقامه!
وحسبنا أن نبصر معالم هذا الحبّ في أعمق الأعماق، وفي مشاعر المسلمين، وفي الإحساس العميق الذي يدفع الصادقين دفعًا إلى أن تختلج المشاعر، وتتحرك الخواطر، ونبصر روحًا نورانيّة، مما يضفي على الحياة بهجتها وسعادتها!
بيد أنا نبصر عند الكثيرين صورًا غير متحرّكة، وغير مجلوّة، وغير فاعلة .. نبصر حبًّا سلبيًّا لا صدى له في واقع الحياة والسلوك!
ونبصر فصامًا نكدًا!
ولا شك أن هذا الواقع قد حال بيننا كمجتمع إسلامي وبين أن نسعد بمثل ما سعد به سلفنا الصالح الذي لم تكن علاقته بالرسول - ﷺ - منعزلة في وجدانه عن واقع حياته! وكيف لا!
وصورة العلاقة الإيجابيّة المتحرّكة الحيّة، في القول والعمل، والعبادة والسلوك، شاخصة في وجدان المسلمين، حيّة في نفوسهم، فقد
_________________
(١) مكتبة الإمام: ٢: ٣٣ الأوقاف - مصر.
[ ١ / ٢٢٨ ]
أحسّوا إحساسًا عميقًا بأنها ملء قلوبهم، وإن غابت عنهم ذات الرسول - ﷺ - في عالم الحسّ والمشاهدة، فإن رسالته حيّة نابضة في معالم حياتهم وواقع سلوكهم!
ولم تنحسر تلك العلاقة شيئًا فشيئًا إلا حين أحكمت الحلقات، وانفرجت الشقّة، ولم تتكامل تلك العزلة الموحشة إلا حين تتم الفصل نصًّا ومفهومًا، وفقهًا وروحًا، وحياة وسلوكًا، بين واقع المسلمين وتلك العلاقة الإيجابيّة:
يا حسرة على العباد!
كيف جاز لهم أن يصنعوا ذلك؟!
وكيف جاز لهؤلاء أن يعيشوا في دائرة العزلة؟!
كيف، وأبرز خصائص الإسلام أنه دين القول والعمل، والظاهر والباطن، والحياة والسلوك؟!
إن صورة العلاقة الإيجابيّة يجب أن تتضح في عالم الضمير وعالم الروح حيّة شاخصة، ممتلئة بالحيويّة والعاطفة، والواقعيّة والسلوك، حتى نرى النور الصافي يشرق من جديد، وينفذ إلى الأعماق .. ومن ثم تطمئن النفس، وترفرف الروح، وينشرح الصدر، وينسكب هذا في الحنايا والجوانح، ويظهر في السلوك والجوارح!
-أي سكينة ينشئها هذا الإدراك؟!
- وأي طمأنينة يفيضها على القلب؟!
- وأي سعادة يضفيها على الروح؟!
- وأي قوة يسكبها في الضمير؟!
[ ١ / ٢٢٩ ]
إننا نسمع كلمات الأذان، ونردّد ما يقول المؤذن، وهنا تسيطر علينا روحانيّة عالية، وتهون الدنيا كلها، ونحسّ أنها تحت أقدامنا، ونستعلي على المادة، ولا نكاد نقف في الصلاة حتى تزول الحجب، وتنقشع الغيوم، وتأخذنا الصلاة بكل أنوارها التي يضيق المقام عن ذكرها، ونجد ركنًا من أركانها، وهو التشهد، ونقرأ من بين كلماته:
(السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ..)!
لك أن تتصور هذه الصلة الدائمة المستمرّة المستقرّة، وما عليك إلا أن تفتح قلبك لما تقول، فماذا أنت واجد؟!
لا شك أن الكلمات تعجز عن تصوّر ما تجد، ولا شك أن هذا الإحساس يدفعنا إلى أن نسير في طريق الحق لا نخاف ولا نخشى باطلًا ولا ظالمًا؛ لأن هذه العلاقة الإيجابيّة تضع يدنا على معالم السلوك الإيجابي العملي الذي ربّى جيلًا مثاليًّا فذًّا في التاريخ البشري!
إن هذه العلاقة ليست هُيامًا ولا خيالًا ولا كلامًا .. ولكنها أسوة ومحبّة، وعقيدة وسلوك .. وإن أمتنا التي تقف اليوم على عتبة انطلاقة جديدة، يجدر بها أن تتحسّس مواقعها، وتمتحن طاقاتها، وتقوّم مقدار إحساسها بهذه العلاقة العمليّة، ومقدار علاقتها برسالة الرسول الذي أضاء ليل الظلام الداجي يوم كان العالم يتخبّط في متاهات الحيرة والضلال، ويئنّ من وطأة الظلم والظالمين .. يوم كان نهبًا لأولئك الذين استطاعوا ببغيهم وعدوانهم، وجحود هم وكنودهم، وفسوقهم وعقوقهم، أن يستعبدوا مَن دونهم من البشر، بلا هوادة ولا رحمة!
[ ١ / ٢٣٠ ]
وإننا حين يظلّنا هذا الجو الطهور في تلك العلاقة الإيجابية، نبصر مواقع خطونا، ولا نرى من حولنا شيئًا من معاني السمو والجلال، والرفعة والكمال، يتحرّك إلا بين يدي الرسالة والرسول!
إن هذه العلاقة الإيجابيّة تجعلنا ننهل من معين الوحي، وندرك أفق التجليات المباركات، ونبصر شفافية الروح، ولا نلبث أن نتقدّم إلى حيث نقبس من النور الوضاء، الذي ينير حوالك الدجى، وييسّر مسالك الهدى!
وهنا نذكر ما رواه مسلم وغيره عن أنس قال: قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله - ﷺ - لعمر: انطلق بنا إِلى أم أيمن نزورها، ميتًا كان رسول الله - ﷺ - يزورها، فلما انتهينا إِليها بكت، فقالا لها: ما يُبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله - ﷺ -، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله - ﷺ - ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (١)!
أرأيت منشأ هذا البكاء؟!
أرأيت بكاء الصديق والفاروق مع أم أيمن؟!
أرأيت هذه القطرات التي تكونت وتجمعت وتساقطت؟!
فهل تحس -أخي في الله- بمثل ذلك؟!
إنها الصلة الوثيقة .. وهنا نرى الفجر يرمقنا من بعيد، ويشرق في الكون فجر جديد، وطوبى لنا في عالم الخلود!
إن الحبّ هو الجناح الذي يطير به الإنسان إلى حيث السمو والعلو .. وإذا لم
_________________
(١) مسلم: ٤٤ - فضائل الصحابة (٢٤٥٤)، وابن ماجه (١٦٣٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
تستطع أن تكون محبوبًا ففي مقدورك أن تكون مُحبًّا .. وإننا نعيش في عصر مادي .. ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى هذا اليقين الذي يجري من صاحبه مجرى الدم، إن وُضع في محله، وصادف أهله!
وهنا تأنس الروح في رحلة الحياة الشاقة في هذه الأرض، ونبصر نورًا يضيء حجوانب الحياة، وهذا يثير في النفس عالمًا من المشاعر والخواطر، تسبح الروح في جنباته، ويجول الفكر في جولاته، وتعب النفس من فيضه بقدر ما ترتوي أو تُطيق، وترفرف الروح!
ومن ثم نصبح في محراب أشواق وأنس!
وتتبدى للروح آفاق تسبيح وقدس!
وسيظل الأمل في تكوين الشخصيّة الإسلاميّة كامنًا في دراسة سيرة الرسول - ﷺ -، وفق هذا المنهج الأمثل الذي ذكرنا معالمه!
وسيظل التأسي كامنًا في ذلك حتى نبصر خلفًا صالحًا لسلف صالح من أتباع خاتم النبيّين - ﷺ -، ونحيا حياة مباركة طيبة، وتعود إلينا سيرتنا الأولى، وتهبّ نفحات الجنة، ويولد للإسلام عالم جديد، يكون قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين!
[ ١ / ٢٣٢ ]
الجامع الصحيح للسيرة النبوية [٢]