وحسب الباحث في باب الإيمان بصدق ذلك أن يتيح لعقله (١)، بل لخياله تصوّر ما كتب عن خصائص رسالة محمد - ﷺ - في هديها وإصلاحها، تصديقًا وتبيانًا، وبحثًا ومعرفة، وأخذًا ونشرًا، وحوارًا وتحليلًا، ودرسًا وتحقيقًا، ليؤمن
_________________
(١) محمد رسول الله - ﷺ -: ١: ٢٢٠ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٤١ ]
إيمان إيقان، ويعرف معرفة صدق أن رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - كانت ولا تزال فتحًا جديدًا أمام الفكر الإنساني، أتاح له الانطلاق إلى لون جديد من المعرفة لم يسبق بحال، فهو لا يقف عند غاية، ولا تعرف الحياة له نهاية، ولا يتوقّف أمام عقبات، ولا تحول دون انطلاقه حواجز، ولكنه يقتحم الآفاق، ويثب إلى ذروات الشموخ والتطلّع، ويغوص إلى أعماق الكون وأسرار الوجود، متطلّعًا إلى مزيد من العلم والمعرفة، وفي وقائع التاريخ ومشهود رواياته ما يؤكد صدق هذه الحقيقة!
وحادثة اندفاع جحافل التتار على عاصمة الخلافة الإسلامية (بغداد) - بموجاتها الساحقة المدمّرة واحدة من أحداث كثيرة حفل بها التاريخ - تصوّر مدى ضخامة ما كان من التراث الفكري الإسلامي في (بغداد) عاصمة الإسلام يومئذ، وهي واحدة من أخوات لها في أوطان المسلمين، في مجالات العلم والفكر والمعرفة!
وكان في مكتباتها من آثار أقلام علماء الإسلام ومفكّريه وباحثيه، من المفسّرين، والفقهاء، والمحدّثين، والأصوليّين، واللغويّين، والأدباء، والمؤرخين، والناظرين في علوم الأوائل في الفلسفة والفلك، وآثار الفرق والمذاهب، والملل والنحل، ما لا يمكن أن يحصره الحساب والتعداد!
وإذا ذكرت (بغداد) بما تحفل به مكتباتها العامة والخاصة من فنون المعرفة التي هي أثر من آثار الفكر في خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ -، فلا يمكن أن تغيب عن الذاكرة (القاهرة)، و(قرطبة)، و(دمشق)، و(فاس)، وغيرها من عواصم الفكر في سائر أقطار الإسلام وأوطانه!
وليس بأهون دلالة على صدق هذه الحقيقة التاريخيّة في تقدير ضخامة
[ ١ / ٤٢ ]
التراث الإسلامي الذي كُتب عن خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - كمًّا وكيفًا ما وقع على أيدي برابرة (الحضارة) الأوروبيّة الحاقدة في عواصم الأندلس، حينما تألّبت عصبيّات الحقد الأسود على (الدّين القيّم)، منتهزة فرصة تميّع الحكم الإسلامي، وتفاهة الحاكمين باسم الإسلام في هذا الجانب من العالم الإسلامي، فمزّقته شرّ ممزّق!
وفي غمرة هذا التمزّق .. وفي حومة هذا الضعف والهوان .. استولى أولئك الحاقدون، ومتعصبو الصليبيّة الحمقاء على ما كانت تعجّ به خزائن الفكر والعلم من آلاف الألوف من مؤلفات المفكّرين والباحثين في شتى مناحي الفكر وجوانب المعرفة، فنهبوا منها ما نقلوه إلى بلادهم وأوطانهم، وأحرقوا منها ما أحرقوا في جنون حاقد، وحقد مجنون، وذهبت هذه الثروة الفكريّة الضخمة مع مُلك الأندلس إلى متاهات الفناء والضياع!
والذي وقع من السلب والنهب والتحريق والتدمير في عواصم الإسلام الكبرى وقع مثله وأعظم منه في مكتبات العالم، وخزائن العلم التي كانت منتشرة في أنحاء العالم الإسلامي وغيره، عندما تعاوت ذئاب الفتن داخل الكيان الإسلامي على أيدي الزنادقة من القرامطة، والباطنيّة، والدول التي قامت على أنقاض دول غلبتها على أزمة الحكم؛ فدمّرت آثارها الفكريّة والعمرانيّة، ومحت من صفحة الوجود آثار علمائها ومفكّريها، وغيّرت أوضاعها ونظمها الاجتماعية!
وعلى الجملة فكل أثر فكري يتصل بالإِسلام من قريب أو بعيد هو حصيلة الأقلام والأفكار التي كانت خصائص الرسالة والرسول - ﷺ - معينها الذي تنهل منه وتعل!
[ ١ / ٤٣ ]
ومن هنا كان كل ما كتب ويكتب في مجال البحث الإسلامي بأيّة لغة من لغات الأمم والشعوب، على أيّة صورة من صور البحث، هو في لبابه جانب من جوانب خصائص محمد الرسول - ﷺ - في رسالته!
والذين كتبوا، والذين يكتبون في مستقبل الحياة عن محمد الرسول - ﷺ -، عاشوا ويعيشون في ظلال دائمة من نفحات الخلود في رسالة خاتم النبيّين التي لا يَنْضب معينها، ولا ينفد مدادها!
ولقد تضاعفت أضعافًا مضاعفة الكتابة عن الرسالة والرسول - ﷺ - في هذا القرن الذي نعيشه، ولا تزال في سموّ وازدياد .. وجرت أقلام الكاتبين والباحثين من المسلمين وغير المسلمين بألوان من البحوث، وضروب من الدراسات المختلفة نوعًا وكثرةً، تواردت بين كتابة علميّة صادقة، عميقة الإدراك والتهدّي، وكتابة تتّجر بالبحث، وتتملّق الجماهير!
وكتابة لا تجهل، ولكنها متعصّبة كافرة، تلحد في بحثها، حاقدة، سيئة القصد، متحيّزة الهوى، تروح وتجيء في أودية من الضلال، تنكر المعروف، وتعرف المنكر، وتثير الشكوك والشبه، وتعتصم بروايات الأباطيل الدخيلة تدعم به أكاذيبها!
وكتابة كافرة جاهلة، تتبع كل ناعق، تنعب بالبهتان، بليدة التقليد، تساق بعصا العصبيّة العمياء!
وفي هذه الكتابات بألوانها واتجاهاتها كتابات دارسة مبسوطة، فيها عمق وجديّة في بعض جوانبها، وفيها سذاجة ضحلة في بعض نواحيها!
وفيها كتابات تعنى بالصور والشكل وزخرفة الإطار، تنسق اللمع البرّاقة من الأحداث، مهتمّة ببريقها، تنسيق بائع الورود، لتبهر الناظرين!
[ ١ / ٤٤ ]
وهذا اللون من البحث النسّق المزخرف قد يرضي إحساس قارئه، ولكنه لا يرضي عقله؛ لأنها بحوث لا تبالي بالحقائق أن تجيء في إطارها أو لا تجيء!
وفيها كتابات تلفت نظر الذين يعرضون عن قراءة هذه البحوث في مظانها الأصيلة القديمة، لصعوبة المسلك الكتابي في تلك المظان، وعدم العناية بالتنظيم في أسلوب القدامى من العلماء والباحثين، فتجذبهم هذه الكتابات المنسّقة بتنظيمها النسقي إلى القراءة، وقد تدفع ببعض القرّاء إلى حبّ الاستزادة والتعمّق، وربما وقفت بكثير من القارئين على مهيع الإرشاد إلى مفاتيح الهداية في الرسالة الخالدة، رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ -!
وهذا اللون من الكتابة لا يشبع نهم المستشرق لمعرفة الحقائق، المتطلع للبحث الجاد؛ ولكنها تفيده وتوجهه، وكأنها لافتة إعلان مضيء، يثير شوق القارئ إلى التطلّع لمعرفة ما وراءها من حقائق فكريّة، وأفكار علميّة، وهذا ليس بالقليل من فوائد البحث ومنافعه!
وفيها كتابات أشبه ما تكون بسلعة غريبة تعرض في السوق تحت لافتة لامعة، فإذا حركتها بيد فكرك لتختبر ما فيها من حقائق لم تجد إلا كلمات ملتقطة من هنا وهناك!
ولا تزال أقلام الباحثين والكاتبين تتسابق في مضمار خصائص محمد - ﷺ - في رسالته وهدايتها، متخذة طرائق شتّى من البحث، في أسلوب يعتدل أحيانًا، ويتعرّج أحايين أخرى .. وتختلف موضوعات الكتابة في دائرة تلك الخصائص، وإن كانت كلها أشبه بالروافد التي تنبع من منبع واحد، وتسير في أودية مختلفة أشدّ الاختلاف، فبعضها وسيع مترامي الجوانب، وبعضها ضيّق
[ ١ / ٤٥ ]
متقارب الأطراف، وبعضها عميق غائص بعيد القرار، وبعضها ضحل قريب المستقر، ولكنها تنتهي كلها إلى مصب واحد، يرمي بزبدها وغثائها جفاء، ويمسك منها خصائل الحق، فيمزج بينها حتى يجعلها حقيقة واحدة، هي لباب الهداية، وروح الرسالة في قيادة الحياة!
وإذا كان التراث الإسلامي الذي اتخذ من خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - محوره الذي دار حوله بهذه المثابة من الضخامة والعظمة، فالذين يكتبون اليوم وغدًا عن هذه الرسالة، وخصائصها وسيرة صاحبها خاتم النبيّين - ﷺ - ماذا يكتبون؟
أتراهم يجترّون ما يجتنون من ثمار أولئك الكاتبين من القدامى والمحْدثين؟
أم أنهم سيجدون لأقلامهم مراتع جديدة لم تنسرب إلى مروجها أقلام من تقدمهم؟
وحينئذ يكتبون في خصائص رسالة محمد خاتم النبيّين - ﷺ - وحقائقها، وفنون هدايتها، ويكتبون في خصائص الرسالة التي أعدّه الله بها جبلة وكسبًا لحمل عبء هذه الرسالة الشاملة الخالدة .. ويكتبون في كشف الكثير مما توارى عن أعين الأقلام الباحثة في هذه الخصائص وراء سحب الإمكان الزمني، واقتدار العقول تحت تأثير البيئات والمجتمعات التي كان لها أثر في إبراز ما ظهر من تلك الخصائص!