أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ أوتر رَسُول الله ﷺ وَلَيْسَ عَلَيْك وَصلى الضُّحَى وبس عَلَيْك وَصلى قبل الظّهْر وبس عَلَيْك وضحى وَلَيْسَ عَلَيْك وَهَذَا قد يشْعر بِأَن الصَّلَاة الَّتِي كَانَ يُصليهَا عِنْد الزَّوَال من خَصَائِصه الْوَاجِبَة عَلَيْهِ
وَأخرج الديلمي فِي مُسْند الفردوس بِسَنَد فِيهِ نوح ابْن أبي مَرْيَم وَهُوَ وَضاع من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا الْوتر عَليّ فَرِيضَة وَهُوَ لكم تطوع والأضحى عَليّ فَرِيضَة وَهِي لكم تطوع وَالْغسْل يَوْم الْجُمُعَة عَليّ فَرِيضَة وَهُوَ لكم تطوع
بَاب اخْتِصَاصه ﷺ بِوُجُوب الْمُشَاورَة
قَالَ تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾
أخرج ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أما أَن الله وَرَسُوله لَغَنِيَّانِ عَنْهَا وَلَكِن جعلهَا الله تَعَالَى رَحْمَة لأمتي)
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله أَمرنِي بمداراة النَّاس كَمَا أَمرنِي بِإِقَامَة الْفَرَائِض)
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ مَا رَأَيْت من النَّاس أحدا أَكثر مشورة لأَصْحَابه من رَسُول الله ﷺ
وَأخرج الْحَاكِم عَن عَليّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَو كنت مستخلفا أحدا عَن غير مشورة لاستخلفت ابْن أم عبد)
وَأخرج أَحْمد عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأبي بكر وَعمر (لَو اجتمعتما فِي مشورة مَا خالفتكما)
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وَأخرج الْحَاكِم عَن الْحباب بن الْمُنْذر قَالَ أَشرت على رَسُول الله ﷺ بخصلتين فقبلهما مني خرجت مَعَه يَوْم بدر فَعَسْكَرَ خلف المَاء فَقلت يَا رَسُول الله أبوحي فعلت أم بِرَأْي قَالَ بِرَأْي يَا حباب قلت فَإِن الرَّأْي أَن تجْعَل المَاء خَلفك فَإِن لجأت لجأت إِلَيْهِ فَقبل ذَلِك مني
وَنزل جِبْرِيل فَقَالَ أَي الْأَمريْنِ أحب إِلَيْك أَن تكون فِي دنياك مَعَ أَصْحَابك أَو ترد إِلَى رَبك فِيمَا وَعدك من جنَّات النَّعيم فَاسْتَشَارَ النَّاس أَصْحَابه فَقَالُوا يَا رَسُول الله تكون مَعنا احب إِلَيْنَا وتخبرنا بعورات عدونا تَدْعُو لنيصرنا عَلَيْهِم وتخبرنا من خبر السَّمَاء فَقَالَ مَا لَك لَا تَتَكَلَّم يَا حباب قلت يَا رَسُول الله اختر حَيْثُ اخْتَار لَك رَبك فَقبل ذَلِك مني
وَأخرج ابْن سعد عَن يحيى بن سعيد ان النَّبِي ﷺ اسْتَشَارَ يَوْم بدر فَقَامَ الْحباب بن الْمُنْذر فَقَالَ نَحن أهل الْحَرْب أرى أَن تغور المياء إِلَّا مَاء وَاحِدًا نلقاهم عَلَيْهِ قَالَ واستشارهم يَوْم قُرَيْظَة وَالنضير فَقَامَ الْحباب بن الْمُنْذر فَقَالَ أرى أَن تنزل بَين الْقُصُور فتقطع خبر هَؤُلَاءِ عَن خبر هَؤُلَاءِ وَخبر هَؤُلَاءِ عَن خبر هَؤُلَاءِ فَأخذ رَسُول الله ﷺ بقوله
وَأخرج الْحَاكِم عَن عبد الحميد بن ابي عبس بن مُحَمَّد بن أبي عبس عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من لي بِابْن الْأَشْرَف فقد آذَى الله تَعَالَى وَرَسُوله فَقَالَ مُحَمَّد بن مسلمة أَتُحِبُّ أَن أَقتلهُ فَصمت ثمَّ قَالَ ائْتِ سعد بن معَاذ فاستشره فَجِئْته فَذَكرته فَذكرت لَهُ ذَلِك فَقَالَ امْضِ على بركَة الله)
قَالَ المارودي اخْتلف فِيمَا يشاور فِيهِ فَقَالَ قوم فِي الحروب ومكابدة الْعَدو خَاصَّة وَقَالَ آخَرُونَ فِي أُمُور الدُّنْيَا وَالدّين وَقَالَ آخَرُونَ فِي أُمُور الدّين تَنْبِيها لَهُم على علل الْأَحْكَام وَطَرِيق الإجتهاد
[ ٢ / ٣٩٩ ]
بَاب اخْتِصَاصه ﷺ بِوُجُوب مصابرة الْعَدو وَأَن كثر عَددهمْ وَوُجُوب تَغْيِير الْمُنكر وَلَا يسْقط للخوف بِخِلَاف غَيره من الامة فيهمَا
وَوجه الْأَمريْنِ أالله تَعَالَى وعده بِالْحِفْظِ والعصمة فَقَالَ ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ فَلم يَكُونُوا يصلونَ إِلَيْهِ بِسوء قلوا اَوْ كَثُرُوا
بَاب اخْتِصَاصه ﷺ بِوُجُوب قَضَاء دين من مَاتَ من الْمُسلمين مُعسرا
أخرج ابْن ماجة عَن جَابر بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من ترك مَالا فلأهله وَمن ترك دينا أَو ضيَاعًا فعلي وإلي)
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يؤتيى بِالرجلِ المتوفي عَلَيْهِ الدّين فَيسْأَل هَل ترك لدينِهِ من قَضَاء فَإِن حدث أَنه ترك وَفَاء صلى عَلَيْهِ وَإِلَّا قَالَ للْمُسلمين صلوا على صَاحبكُم فَلَمَّا فتح الله عَلَيْهِ الْفتُوح قَامَ فَقَالَ أَنا أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم فَمن توفّي من الْمُؤمنِينَ فَترك دينا فعلي قَضَاؤُهُ وَمن ترك مَالا فلورثته
بَاب اخْتِصَاصه ﷺ بِوُجُوب تَخْيِير نِسَائِهِ وإمساك مختارته وَتَحْرِيم طَلاقهَا
أخرج أَحْمد وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ عَن جَابر قَالَ دخل أَبُو بكر وَعمر على النَّبِي ﷺ وَحَوله نساؤه وَهُوَ سَاكِت فَقَالَ عمر لأُكلمَن النَّبِي ﷺ يضْحك فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله لَو رَأَيْت إبنة زيد إمرأة عمر سَأَلتنِي النَّفَقَة آنِفا فَوَجَأْت عُنُقهَا فَضَحِك النَّبِي ﷺ وَقَالَ (هن حَولي يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَة) فَقَامَ أَبُو بكر إِلَى
[ ٢ / ٤٠٠ ]
عَائِشَة ليضربها وَقَامَ عمر الى حَفْصَة كِلَاهُمَا يَقُولَانِ تَسْأَلَانِ النَّبِي ﷺ مَا لَيْسَ عِنْده وَأنزل الله تَعَالَى الْخِيَار فَبَدَأَ بعائشة فَقَالَ إِنِّي ذَاكر لَك أمرا فَأحب ان لَا تعجلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك قَالَت مَا هُوَ فَتلا عَلَيْهَا ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ الْآيَة قَالَت عَائِشَة أفيك استأمر أَبَوي بل اخْتَار الله وَرَسُوله)
واخرج ابْن سعد عَن أبي جَعْفَر قَالَ نسَاء النَّبِي ﷺ مَا نسَاء بعد النَّبِي أغْلى مهورا منا فغار الله لنَبيه فَأمره ان يعتزلهن فاعتزلهن تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ أمره ان يُخَيِّرهُنَّ فخيرهن
واخرج ابْن سعد عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ لما خير رَسُول الله ﷺ نِسَاءَهُ بَدَأَ بعائشة فاخترنه جَمِيعًا غير العامريه اخْتَارَتْ قَومهَا فَكَانَت بعد تَقول أَنا الشقية وَكَانَت تلقط البعر وتبيعه وتستأذن على أَزوَاج النَّبِي ﷺ وتسألهن وَتقول أَنا الشقية
واخرج ابْن سعد عَن ابْن مناح قَالَ اخترنه ﷺ جَمِيعًا غير العامرية اخْتَارَتْ قَومهَا فَكَانَت ذَاهِبَة الْعقل حَتَّى مَاتَت
واخرج ابْن سعد عَن عِكْرِمَة قَالَ لما خيرهن رَسُول الله ﷺ اخْترْنَ الله وَرَسُوله فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد﴾ قَالَ من بعد هَؤُلَاءِ التسع اللَّاتِي اخترنك فقد حرم عَلَيْك تزوج غَيْرهنَّ
واخرج ابْن سعد عَن ابي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام وَعَن الْحسن وَعَن مُجَاهِد وَعَن أبي امامة بن سهل قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد﴾ حبس رَسُول الله ﷺ على نِسَائِهِ فَلم يتَزَوَّج بعدهن
[ ٢ / ٤٠١ ]
واخرج ابْن سعد عَن عَائِشَة قَالَت لم يمت رَسُول الله ﷺ حَتَّى احل لَهُ ان يتَزَوَّج من النِّسَاء مَا شَاءَ إِلَّا ذَات محرم لقَوْله تَعَالَى ﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ﴾ الآيه
واخرج ابْن سعد مثله عَن أم سَلمَة وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء بن يسَار وَمُحَمّد بن عمر ابْن عَليّ بن أبي طَالب
وَأخرج ابْن سعد عَن عَائِشَة قَالَت لما نزل ﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ﴾ قلت آن الله يُسَارع لَك فِيمَا تُرِيدُ
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي نُكْتَة التَّخْيِير فَقَالَ الْغَزالِيّ لَان الْغيرَة توغر الصُّدُور وتنفر الْقلب وتوهن الِاعْتِقَاد
قَالَ الرَّافِعِيّ لما خَيره الله تَعَالَى بَين الْغنى والفقر فَاخْتَارَ الْفقر واثر لنَفسِهِ الصَّبْر عَلَيْهِ أمره بتخييرهن لِئَلَّا يكون مكْرها لَهُنَّ على الْفقر والضر قَالَ بَعضهم امتحنهن بالتخيير ليَكُون لرَسُوله خير النِّسَاء
قَالَ فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا لما خيرهن فاخترنه كافأهن الله على حسن صنيعهن بِالْجنَّةِ فَقَالَ (فان الله اعد للمحسنات مِنْكُن أجرا عَظِيما) بِأَن حرم على رَسُوله التَّزَوُّج عَلَيْهِنَّ والاستبدال بِهن فَقَالَ (لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد وَلَا ان تبدل بِهن من أَزوَاج) ثمَّ نسخ ذَلِك لتَكون الْمِنَّة لرَسُول الله ﷺ بترك التَّزَوُّج عَلَيْهِنَّ بقوله (يَا أَيهَا النَّبِي انا أَحللنَا لَك أَزوَاجك) الْآيَة
واخرج احْمَد والتزمذي وَابْن حبَان وَالْحَاكِم عَن عَائِشَة قَالَت مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى حل لَهُ النِّسَاء إِسْنَاده صَحِيح وَاخْتلف هَل احل لَهُ جَمِيع النِّسَاء
[ ٢ / ٤٠٢ ]
أَو الْمُهَاجِرَات فَقَط لظَاهِر الْآيَة على وَجْهَيْن حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ فعلى الثَّانِي يكون ذَلِك أَيْضا خصيصة انه يحرم عَلَيْهِ نِكَاح من لم تهَاجر وَيُؤَيِّدهُ مَا اخرجه التزمذي عَن أم هاني قَالَت لم أكن احل لَهُ لِأَنِّي لم اهاجر وَرجح الأول بِأَنَّهُ اوسع فِي النِّكَاح من أمته فَلم يجز ان ينقص عَنْهُم وَبِأَنَّهُ تزوج صَفِيَّة بعد وَلَيْسَت من الْمُهَاجِرَات
وَيُجَاب عَن الأول بِأَن ذَلِك لَا يُنَافِي كَونه أوسع تَشْرِيفًا لمنصبه بِدَلِيل انه لَا ينْكح الْكِتَابِيَّة وَهِي مُبَاحَة للامة
وَعَن الثَّانِي بِأَن الْمُرَجح أَن تَزْوِيج صَفِيَّة كَانَ قبل نزُول الْآيَة فانه تزَوجهَا فِي خَبِير سنة سبع وَالْآيَة نزلت سنة تسع
قَالَ أَصْحَابنَا وأبيح لَهُ التبدل بِهن لكنه لم يَفْعَله وَخَالف أَبُو حنيفَة فَقَالَ دَامَ التَّحْرِيم وَلم ينْسَخ
وَأحد الْوَجْهَيْنِ عندنَا وَهُوَ نَص الشَّافِعِي فِي الْأُم وَبِه قطع الْمَاوَرْدِيّ انه ﷺ كَانَ يحرم عَلَيْهِ طَلَاق من اختارته كَمَا كَانَ يحرم إِمْسَاكهَا لَو رغبت عَنهُ وَحكى أَصْحَابنَا وَجْهَيْن فِيمَن اخْتَارَتْ الْفِرَاق أَحدهمَا تحرم عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا لاختيارها الدُّنْيَا على الْآخِرَة فَلم تكن من أَزوَاجه فِي الْآخِرَة وعَلى هَذَا فَذَلِك من خَصَائِصه لَان الْوَاحِد من الْأمة إِذا خير زَوجته فَاخْتَارَتْ نَفسهَا وجعلناه طَلَاقا لم تحرم عَلَيْهِ على التَّأْبِيد
بَاب قَوْله ﷺ الْعَيْش عَيْش الاخرة
قيل من خَصَائِصه ان كَانَ يجب عَلَيْهِ إِذْ رأى مَا يُعجبهُ ان يَقُول لبيْك ان الْعَيْش عَيْش الاخرة حَكَاهُ الرَّافِعِيّ
وَمِنْهَا انه يجب عَلَيْهِ اداء فرض الصَّلَاة كَامِلَة لَا خلل فِيهَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وَمِنْهَا انه كَانَ يُؤْخَذ عَن الدُّنْيَا حَالَة الْوَحْي وَلَا تسْقط عَن الصَّلَاة وَالصَّوْم وَسَائِر الْأَحْكَام ذكره ابْن الْقَاص فِي التخليص والقفال وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ فِي زَوَائِد الرَّوْضَة وَجزم بِهِ ابْن سبع
وَمِنْهَا انه كَانَ يلْزمه اتمام كل تطوع شرع فِيهِ حَكَاهُ فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا
وَمِنْهَا انه كَانَ مطالبا بِرُؤْيَة مُشَاهدَة الْحق مَعَ معاشرة النَّاس بِالنَّفسِ وَالْكَلَام
وَمِنْهَا انه كلف من الْعلم وَحده مَا كلفه النَّاس بأجمعهم
وَمِنْهَا انه يدْفع بِالَّتِي هِيَ أحسن
وَمِنْهَا انه كَانَ يغان على قلبه فيستغفر الله كل يَوْم سبعين مرّة ذكر هَذِه كلهَا ابْن الْقَاص من أَصْحَابنَا فِي تلخيصه وَابْن سبع
وَحكى الْجِرْجَانِيّ فِي الشافي وَجها ان الامامة فِي مُحَمَّد ﷺ افضل من الْأَذَان بِخِلَاف غَيره لانه ﵊ لَا يقر على السَّهْو الْغَلَط بِخِلَاف غَيره
قلت وَهَذَا الْوَجْه يَنْبَغِي ان يقطع بِهِ وَيجْعَل مَحل الْخلاف فِي التَّفْضِيل بَين الاقامه وَالْأَذَان فِي غَيره