ذهب كَثِيرُونَ إِلَى أَن الاسراء وَقع مرَّتَيْنِ وَجمع بذلك بَين الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي الْأَحَادِيث وَمِمَّنْ اخْتَار هَذَا القَوْل ابو نصر الْقشيرِي وَابْن الْعَرَبِيّ والسهيلي وَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام وَقع الاسراء فِي النّوم وَفِي الْيَقَظَة وَوَقع بِمَكَّة
[ ١ / ٢٩٧ ]
وبالمدينة ونكتة وُقُوعه فِي النّوم توطين النَّفس وتمهيدها ليسهل ذَلِك عَلَيْهِ إِذا وَقع فِي الْيَقَظَة كَمَا كَانَ بدؤ نبوته الرُّؤْيَا الصادقة ليسهل عَلَيْهِ أَمر النُّبُوَّة وَذهب ابو شامة إِلَى وُقُوع الْمِعْرَاج مرَارًا واستند إِلَى حَدِيث أنس الَّذِي أخرجه الْبَزَّار السَّابِق
قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَلَا شكّ ان التَّعَدُّد فِيهِ لَا يستبعد وَإِنَّمَا المستبعد وُقُوع التَّعَدُّد فِي مثل سُؤَاله عَن كل نَبِي وَفرض الصَّلَوَات وَنَحْو ذَلِك فَإِن قيل بِتَعَدُّد ذَلِك بِأَن وَقع فِي الْمَنَام تَوْطِئَة ثمَّ فِي الْيَقَظَة على وَفقه لم يبعد قَالَ وَقد تكَرر الْإِسْرَاء فِي الْمَنَام بِالْمَدِينَةِ
وَقد ألف ابْن الْمُنِير كتابا نفيسا فِي اسرار الْإِسْرَار فمما ذكر فِيهِ أَن الْحِكْمَة فِي الاسراء بِهِ أَولا إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ إِلَى السَّمَاء حُصُول الهجرتين لِأَن بَيت الْمُقَدّس كَانَ هِجْرَة غَالب الْأَنْبِيَاء فَحصل لَهُ الرحيل فِي الْجُمْلَة ليجمع بَين أشتات الْفَضَائِل وَوُجُود السَّبِيل إِلَى بَيَان صدقه بِذكر العلامات الَّتِي اخبر بهَا عَن بَيت الْمُقَدّس وَصَدقُوهُ فِيهَا فَيلْزم تَصْدِيقه فِي بَقِيَّة مَا ذكره بِخِلَاف مَا لَو أسرِي بِهِ ابْتِدَاء إِلَى السَّمَاء
وَمِمَّا ذكر فِيهِ أَن إكرامه ﷺ بالمناجاة كَانَ على سَبِيل المفاجأة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله بَينا أَنا وَفِي حق مُوسَى ﵊ كَانَ على ميعاد واستعداد فَحمل عَنهُ ﷺ ألم الِانْتِظَار
وَمِمَّا ذكر فِيهِ ان ابْن حبيب ذكر ان بَين السَّمَاء وَالْأَرْض بحرا يُسمى المكفوف بَحر الأَرْض بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كالقطرة من الْبَحْر الْمُحِيط قَالَ فعلى هَذَا يكون ذَلِك الْبَحْر انْفَلق لَهُ ﷺ حَتَّى جاوزه وَهُوَ أعظم من انفلاق الْبَحْر لمُوسَى
وَمِمَّا ذكر فِيهِ أَن الْحِكْمَة فِي بَقَاء أَبْوَاب السَّمَاء مغلقة حَتَّى استفتح جبرئيل وَلم تتهيأ لَهُ بِالْفَتْح قبل مجيئة أَنَّهَا لَو فتحت قبل لظن أَنَّهَا لَا تزَال كَذَلِك فأبقيت ليعلم أَن ذَلِك لأَجله وَلِأَن الله أَرَادَ أَن يطلعه على كَونه مَعْرُوفا عِنْد أهل السَّمَوَات لِأَنَّهُ قيل لجبرئيل لما قَالَ مُحَمَّد أبْعث إِلَيْهِ وَلم يقل وَمن مُحَمَّد مثلا
[ ١ / ٢٩٨ ]
بَاب مَا وَقع فِي تَزْوِيجه ﷺ عَائِشَة من الْآيَات
أخرج الشَّيْخَانِ عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أريتك فِي الْمَنَام مرَّتَيْنِ أرى رجلا يحملك فِي سَرقَة حَرِير فَيَقُول هَذِه امْرَأَتك فاكشف فَأَرَاك فَأَقُول إِن كَانَ هَذَا من عِنْد الله يمضه
وَأخرج الْوَاقِدِيّ وَالْحَاكِم عَن حبيب مولى عُرْوَة قَالَ لما مَاتَت خَدِيجَة حزن عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ فَأَتَاهُ جبرئيل بعائشة فِي مهد فَقَالَ هَذِه تذْهب بِبَعْض حزنك وَأَن فِيهَا لخلفا من خَدِيجَة
أخرج أَبُو يعلى وَالْبَزَّار وَابْن أبي عمر الْعَدنِي وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن عَائِشَة قَالَت مَا تزَوجنِي رَسُول الله ﷺ حَتَّى أَتَاهُ جبرئيل بِصُورَتي وَتَزَوَّجنِي وَإِنِّي لجارية على حوف فَلَمَّا تزَوجنِي ألْقى الله عَليّ حَيَاء وَأَنا صَغِيرَة الحوف سيور فِي الْوسط
بَاب الْآيَة فِي نِكَاحه ﷺ سَوْدَة بنت زَمعَة
اخْرُج ابْن سعد من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَت سَوْدَة بنت زَمعَة عِنْد السَّكْرَان بن عَمْرو أخي سُهَيْل بن عَمْرو فرأت فِي الْمَنَام كَأَن النَّبِي ﷺ أقبل يمشي حَتَّى وطىء على عُنُقهَا فَأخْبرت زَوجهَا بذلك فَقَالَ لَئِن صدقت رُؤْيَاك لأموتن وليتزوجنك مُحَمَّد ثمَّ رَأَتْ فِي الْمَنَام لَيْلَة أُخْرَى ان قمرا انقض عَلَيْهَا من السَّمَاء وَهِي مُضْطَجِعَة فَأخْبرت زَوجهَا فَقَالَ لَئِن صدقت رُؤْيَاك لم ألبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى أَمُوت وتتزوجين من بعدِي فاشتكى السَّكْرَان من يَوْمه ذَلِك فَلم يلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ وَتَزَوجهَا رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ٢٩٩ ]
بَاب مَا وَقع فِي اسلام رِفَاعَة
اخْرُج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن رِفَاعَة بن رَافع الزرقي انه خرج هُوَ وَابْن خَالَته معَاذ ابْن عفراء حَتَّى قدما مَكَّة وَذَلِكَ قبل خُرُوج السِّتَّة من الْأَنْصَار فَرَأى رِفَاعَة النَّبِي ﷺ فَعرض عَلَيْهِ الاسلام وَقَالَ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال قُلْنَا الله قَالَ فَمن خَلقكُم قُلْنَا الله قَالَ فَمن عمل هَذِه الْأَصْنَام قُلْنَا نَحن قَالَ فالخالق أَحَق بِالْعبَادَة أم الْمَخْلُوق فَأنْتم أَحَق ان يعبدوكم وَأَنْتُم عملتموها وَالله أَحَق ان تَعْبُدُوهُ من شَيْء عملتموه وَأَنا أَدْعُو إِلَى عبَادَة الله وَشَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله وصلَة الرَّحِم وَترك الْعدوان قُلْنَا لَو كَانَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ بَاطِلا لَكَانَ من معالي الْأُمُور ومحاسن الْأَخْلَاق ثمَّ ذهبت فطفت وأخرجت سَبْعَة قداح فَجعلت لَهُ مِنْهَا قدحا فاستقبلت الْبَيْت فَضربت بهَا وَقلت اللَّهُمَّ إِن كَانَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مُحَمَّد حَقًا فَأخْرج قدحه سبع مَرَّات فَضربت فَخرج سبع مَرَّات فَصحت أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله
بَاب مَا وَقع فِي عرضه ﷺ نَفسه على الْقَبَائِل من الْآيَات
اخْرُج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن شهَاب ومُوسَى بن عقبَة قَالَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يعرض نَفسه على قبائل الْعَرَب فِي كل موسم فَعرض نَفسه على ثَقِيف فَلم يُجِيبُوهُ فَرجع فاستظل بحائط وَهُوَ مكروب وَفِي الْحَائِط عتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة فَلَمَّا رأياه أرسلا إِلَيْهِ غُلَاما لَهما يدعى عداس وَهُوَ نَصْرَانِيّ من أهل نِينَوَى فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ من أَي أَرض أَنْت قَالَ من أهل نِينَوَى قَالَ من مَدِينَة الرجل الصَّالح يُونُس بن مَتى قَالَ وَمَا يدْريك من يُونُس بن مَتى قَالَ أَنا رَسُول الله وَالله اخبرني خَبره فَخر عداس سَاجِدا لرَسُول الله ﷺ وَجعل يقبل قَدَمَيْهِ فَلَمَّا أبْصر عتبَة وَشَيْبَة مَا يصنع غلامهما سكتا فَلَمَّا أتاهما قَالَا مَا شَأْنك سجدت لمُحَمد وَقبلت قَدَمَيْهِ وَلم نرك فعلته بِأحد منا قَالَ هَذَا رجل صَالح أَخْبرنِي بِشَيْء
[ ١ / ٣٠٠ ]
عَرفته من شَأْن رَسُول بَعثه الله إِلَيْنَا يدعى يُونُس بن مَتى فضحكا لَهُ وَقَالا بِهِ لَا يفتننك عَن نصارنيتك فَإِنَّهُ رجل خداع
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله ﷺ هَل أَتَى عَلَيْك يَوْم أَشد من يَوْم أحد قَالَ مَا لقِيت من قَوْمك كَانَ أَشد مِنْهُ يَوْم الْعقبَة إِذْ عرضت نَفسِي على ابْن عبد يَا ليل فَلم يجبني إِلَى مَا أردْت فَانْطَلَقت وَأَنا مهموم على وَجْهي فَلم استفق إِلَّا وَأَنا بقرن الثعالب فَرفعت رَأْسِي فَإِذا أَنا بسحابة قد أظلتني فَنَظَرت فَإِذا هُوَ جبرئيل فناداني فَقَالَ إِن الله قد سمع قَول قَوْمك لَك وَمَا ردوا عَلَيْك وَقد بعث إِلَيْك ملك الْجبَال لتأمره بِمَا شِئْت فيهم ثمَّ إِن شِئْت أَن أطبق عَلَيْهِم الأخشبين فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ بل أَرْجُو ان يخرج الله من اصلابهم من يعبد الله وَلَا يُشْرك بِهِ شَيْئا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ حَدثنِي عَليّ بن أبي طَالب قَالَ لما أَمر الله رَسُوله ﷺ ان يعرض نَفسه على قبائل الْعَرَب خرج وَأَنا مَعَه وَأَبُو بكر فدفعنا إِلَى مجْلِس من مجَالِس الْعَرَب فيهم مفروق بن عمر وهانئ بن قبيصَة فَقَالَ مفروق إِلَى مَا تَدْعُو فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أدعوكم إِلَى شَهَادَة ان لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَإِلَى أَن تؤووني وتنصروني فَإِن قُريْشًا قد تظاهرت على أَمر الله وكذبت رسله واستغنت بِالْبَاطِلِ عَن الْحق وَالله غَنِي حميد فَقَالَ مفروق وَالله مَا سَمِعت كلَاما أحسن من هَذَا فَتلا رَسُول الله ﷺ ﴿قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم﴾ الْآيَات فَقَالَ مفروق وَالله مَا هَذَا من كَلَام أهل الأَرْض ثمَّ تَلا رَسُول الله ﷺ ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ الْآيَة فَقَالَ مفروق دَعَوْت وَالله إِلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق ومحاسن الْأَعْمَال وَلَقَد أفك قوم كَذبُوك وظاهروا عَلَيْك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَرَأَيْتُم إِن لم تلبثوا إِلَّا قَلِيلا حَتَّى يورثكم الله أَرض كسْرَى وديارهم وَأَمْوَالهمْ ويفرشكم نِسَاءَهُمْ تسبحون الله وتقدسونه
[ ١ / ٣٠١ ]
وَأخرج أَبُو نعيم من طَرِيق خَالِد بن سعيد عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قدمت بكر بن وَائِل مَكَّة فِي الْحَج فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لأبي بكر ائتهم فأعرضني عَلَيْهِم فَأَتَاهُم فَعرض عَلَيْهِم قَالُوا حَتَّى يَجِيء شَيخنَا حَارِثَة فَلَمَّا جَاءَ قَالَ إِن بَيْننَا وَبَين الْفرس حَربًا فَإِذا أفرغنا مِمَّا بَيْننَا وَبينهمْ عدنا فَنَظَرْنَا فِيمَا تَقول فَلَمَّا الْتَقَوْا بِذِي قار هم وَالْفرس قَالَ لَهُم شيخهم مَا اسْم الرجل الَّذِي دعَاكُمْ إِلَى مَا دعَاكُمْ إِلَيْهِ قَالُوا مُحَمَّد قَالَ فَهُوَ شِعَاركُمْ فنصروا على الْفرس فَقَالَ رَسُول الله ﷺ بِي نصروا
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالْبَغوِيّ فِي مُعْجَمه عَن الأخرم الهُجَيْمِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْم ذِي قار هَذَا أول يَوْم انتصف فِيهِ الْعَرَب من الْعَجم
وَأخرج البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَبَقِي بن مخلد فِي سَنَده وَالْبَغوِيّ مثله من حَدِيث بشير بن يزِيد الضبعِي وَقَالَ الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذكرت وقْعَة ذِي قار عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ ذَاك أول يَوْم انتصفت فِيهِ الْعَرَب من الْعَجم وَبِي نصروا
وَرَأَيْت فِي شرح ديوَان الْأَعْشَى للآمدي مَا نَصه يُقَال ان يَوْم ذِي قار كَانَ مبعث النَّبِي ﷺ وَأَن جبرئيل أرَاهُ الْحَرْب وقتال بكر للْفرس فَقَالَ اللَّهُمَّ انصر بكر بن وَائِل مرَّتَيْنِ وَأَرَادَ ان يَدْعُو لَهُم الثَّالِثَة بِأَن يديم لَهُم نَصرهم فَقَالَ لَهُ جبرئيل انك مستجاب الدعْوَة وَمَتى دَعَوْت لَهُم بدوام النَّصْر لم تقم لَهُم قَائِمَة فَلَمَّا دَعَا لَهُم وانهزمت الْفرس تَبَسم رَسُول الله ﷺ سُرُورًا وَقَالَ هَذَا اول يَوْم انتصفت فِيهِ الْعَرَب من الْعَجم وَبِي نصروا
واخرج الْوَاقِدِيّ وَأَبُو نعيم عَن عبد الله بن وابصة الْعَبْسِي عَن أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَنَا رَسُول الله ﷺ بمنى فَدَعَانَا فَمَا استجبنا لَهُ وَلَا خير لنا وَكَانَ مَعنا ميسرَة بن مَسْرُوق الْعَبْسِي فَقَالَ لنا احْلِف بِاللَّه لَو صدقنا هَذَا الرجل وحملناه حَتَّى نحل بِهِ وسط رحالنا لَكَانَ الرَّأْي فاحلف بِاللَّه لَيظْهرَن أمره حَتَّى يبلغ كل مبلغ فَأبى الْقَوْم وَانْصَرفُوا فَقَالَ لَهُم ميسرَة ميلوا بِنَا إِلَى فدك فَإِن بهَا يهود نسائلهم عَن هَذَا الرجل فمالوا إِلَى الْيَهُود فأخرجوا سفرا لَهُم فوضعوه ثمَّ درسوا ذكر رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ٣٠٢ ]
النَّبِي الْأُمِّي الْعَرَبِيّ يركب الْحمار ويجتزىء بالكسرة وَلَيْسَ بالطويل وَلَا بالقصير وَلَا بالجعد وَلَا بالسبط فِي عَيْنَيْهِ حمرَة مشرب اللَّوْن فَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي دعَاكُمْ فأجيبوه وادخلوا فِي دينه فَإنَّا نحسده وَلَا نتبعه وَلنَا مِنْهُ فِي مَوَاطِن بلَاء عَظِيم وَلَا يبْقى أحد من الْعَرَب إِلَّا اتبعهُ أَو قَتله فَقَالَ ميسرَة يَا قوم إِن هَذَا الْأَمر بَين فَأسلم ميسرَة فِي حجَّة الْوَدَاع
وَأخرج الْوَاقِدِيّ وَأَبُو نعيم عَن ابْن رُومَان وَعبد الله بن أبي بكر وَغَيرهمَا قَالُوا جَاءَ النَّبِي ﷺ كِنْدَة فِي مَنَازِلهمْ فَعرض نَفسه عَلَيْهِم فَأَبَوا فَقَالَ اصغر الْقَوْم يَا قوم استبقوا إِلَى هَذَا الرجل قبل ان تسبقوا اليه فوَاللَّه إِن أهل الْكتاب ليحدثونا أَن نَبيا يخرج من الْحرم قد أظل زَمَانه فَأَبَوا
وَأخرج ابو نعيم من طَرِيق ابْن اسحاق حَدثنِي رجل من كِنْدَة يُقَال لَهُ يُوسُف عَن أَشْيَاخ قومه قَالُوا كَانَ رَسُول الله ﷺ أرِي فِي مَنَامه أَن ينصره أهل مدر ونخل
وَأخرج ابو نعيم عَن عُرْوَة ان النَّبِي ﷺ لما بَايع الْأَنْصَار بِالْعقبَةِ صَاح الشَّيْطَان من رَأس الْجَبَل يَا معشر قُرَيْش هَذِه بَنو الْأَوْس والخزرج تحالف على قتالكم ففزعوا عِنْد ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يرعكم هَذَا الصَّوْت فَإِنَّمَا هُوَ عَدو الله إِبْلِيس لَيْسَ يسمعهُ أحد مِمَّن تخافون وَبلغ قُريْشًا الحَدِيث فَأَقْبَلُوا حَتَّى انه ليطؤون على مَتَاع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَمَا يبصرونهم فَرَجَعُوا وَأخرج أَبُو نعيم نَحوه عَن الزُّهْرِيّ
وَأخرج عَن ابْن اسحاق قَالَ لما بَايعُوا رَسُول الله ﷺ بِالْعقبَةِ صرح صارخ فِي الْجَبَل وَهُوَ إِبْلِيس يَا معشر قُرَيْش إِن كَانَ لكم فِي مُحَمَّد حَاجَة فَأتوهُ بمَكَان كَذَا وَكَذَا من الْجَبَل قد حالفه الَّذين يسكنون يثرب فَنزل جبرئيل فَلم يبصره أحد من الْقَوْم غير حَارِثَة بن النُّعْمَان قَالَ بَعْدَمَا فرغوا يَا نَبِي الله لقد رَأَيْت رجلا عَلَيْهِ ثِيَاب بَيَاض أنكرته قَائِما على يَمِينك قَالَ وَقد رَأَيْته قَالَ نعم قَالَ رَأَيْت خيرا ذَاك جبرئيل
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَأخرج ابو نعيم عَن ابْن عمر قَالَ لما أَخذ رَسُول الله ﷺ النُّقَبَاء قَالَ لَا يجدن امْرُؤ فِي نَفسه شَيْئا إِنَّمَا آخذ من أَشَارَ إِلَيْهِ جبرئيل ﵇
بَاب مَا وَقع فِي الْهِجْرَة من الْآيَات والمعجزات
اخْرُج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن جرير ان النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الله اوحى إِلَيّ أَي هَؤُلَاءِ الْبِلَاد الثَّلَاث نزلت فَهِيَ دَار هجرتك الْمَدِينَة أَو الْبَحْرين أَو قنسرين
وَأخرج البُخَارِيّ عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ للْمُسلمين قد أريت دَار هجرتكم أريت سبخَة ذَات نخل بَين لابتين فَهَاجَرَ من هَاجر قبل الْمَدِينَة حِين ذكر ذَلِك رَسُول الله ﷺ وتجهز أَبُو بكر مُهَاجرا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ على رسلك فَإِنِّي أَرْجُو أَن يُؤذن لي
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أَقَامَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة خمس عشرَة سنة سبعا وثمانيا يرى الضَّوْء وَيسمع الصَّوْت وَأقَام بِالْمَدِينَةِ عشرا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَن قُريْشًا اجْتمعت فِي دَار الندوة وَاتَّفَقُوا على قَتله فَأتى جبرئيل رَسُول الله ﷺ فَأمره أَن لَا يبيت فِي مضجعه الَّذِي كَانَ يبيت فِيهِ وَأخْبرهُ بمكر الْقَوْم وَأذن لَهُ عِنْد ذَلِك بِالْخرُوجِ
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن اسحاق قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ على الْقَوْم وهم على بَابه وَمَعَهُ حفْنَة تُرَاب فَجعل يذرها على رؤوسهم وَأخذ الله بِأَبْصَارِهِمْ عَن نبيه ﷺ وَهُوَ يقْرَأ ﴿يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم﴾ إِلَى قَوْله ﴿فأغشيناهم فهم لَا يبصرون﴾
وَأخرج ابْن سعد عَن ابْن عَبَّاس وَعلي وَعَائِشَة بنت أبي بكر وَعَائِشَة بنت قدامَة وسراقة بن جعْشم دخل حَدِيث بَعضهم فِي بعض قَالُوا خرج رَسُول الله ﷺ وَالْقَوْم جُلُوس على بَابه فَأخذ حفْنَة من الْبَطْحَاء فَجعل يذرها على رؤوسهم وَيَتْلُو ﴿يس﴾
[ ١ / ٣٠٤ ]
الْآيَات وَمضى فَقَالَ لَهُم قَائِل مَا تنتظرون قَالُوا مُحَمَّدًا قَالَ قد وَالله مر بكم قَالُوا وَالله مَا أبصرناه وَقَامُوا يَنْفضونَ التُّرَاب عَن رؤوسهم وَخرج رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر إِلَى غَار ثَوْر فدخلا وَضربت العنكبوت على بَابه بعشاش بَعْضهَا على بعض وطلبته قُرَيْش أَشد الطّلب حَتَّى انْتَهَت إِلَى بَاب الْغَار فَقَالَ بَعضهم إِن عَلَيْهِ لعنكبوتا قبل مِيلَاد مُحَمَّد فانصرفوا
وَأخرج أَبُو نعيم عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ واخذ حفْنَة من تُرَاب واخذ الله على أَبْصَارهم فَلَا يرونه فَجعل يثير ذَلِك التُّرَاب على رؤوسهم وَهُوَ يَتْلُو ﴿يس﴾ الْآيَات وَذكر نَحوه
وَأخرج الْوَاقِدِيّ وَأَبُو نعيم عَن عَائِشَة بنت قدامَة ان النَّبِي ﷺ قَالَ لقد خرجت من الخوخة متنكرا فَكَانَ اول من لَقِيَنِي أَبُو جهل فَعمى الله بَصَره عني وَعَن أبي بكر حَتَّى مضينا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن شهَاب وَعُرْوَة بن الزبير أَنهم ركبُوا فِي كل وَجه يطْلبُونَ النَّبِي ﷺ وبعثوا إِلَى اهل الْمِيَاه يأمرونهم ويجعلون لَهُم الْجعل الْعَظِيم وَأتوا على ثَوْر الْجَبَل الَّذِي فِيهِ الْغَار الَّذِي فِيهِ النَّبِي ﷺ حَتَّى طلعوا فَوْقه وَسمع رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر أَصْوَاتهم فأشفق ابو بكر وَاقْبَلْ عَلَيْهِ الْهم وَالْخَوْف فَعِنْدَ ذَلِك يَقُول لَهُ رَسُول الله ﷺ لَا تحزن ان الله مَعنا ودعا رَسُول الله ﷺ فَنزلت عَلَيْهِ سكينَة من الله
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أنس أَن أَبَا بكر حَدثهُ قَالَ كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي الْغَار فَقلت يَا رَسُول الله لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرنَا تَحت قَدَمَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما
وَأخرج أَبُو نعيم عَن أَسمَاء بنت أبي بكر أَن أَبَا بكر رأى رجلا مواجه الْغَار فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّه لرائينا قَالَ كلا إِن الْمَلَائِكَة تستره الْآن بأجنحتها فَلم يلبث الرجل ان قعد يَبُول مستقبلهما فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَبَا بكر لَو كَانَ يراك مَا فعل هَذَا وَأخرج أَبُو يعلى نَحوه من طَرِيق عَائِشَة عَن أبي بكر
[ ١ / ٣٠٥ ]
واخرج ابْن سعد وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن أبي مُصعب الْمَكِّيّ قَالَ أدْركْت انس بن مَالك وَزيد بن أَرقم والمغيرة بن شُعْبَة فَسَمِعتهمْ يتحدثون ان النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْغَار أَمر الله بشجرة فَنَبَتَتْ فِي وَجه النَّبِي ﷺ فَسترته وَأمر الله العنكبوت فَنسجَتْ فِي وَجه النَّبِي ﷺ فَسترته وَأمر الله حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فوقفتا بِفَم الْغَار وَأَقْبل فتيَان قُرَيْش من كل بطن رجل بِعِصِيِّهِمْ وهراويهم وَسُيُوفهمْ حَتَّى إِذا كَانُوا من النَّبِي ﷺ بِقدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا جعل رجل مِنْهُم ينظر فِي الْغَار فَرَأى حَمَامَتَيْنِ بِفَم الْغَار فَرجع إِلَى أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ مَالك لَا تنظر فِي الْغَار فَقَالَ رَأَيْت حَمَامَتَيْنِ بِفَم الْغَار فَعلمت أَنه لَيْسَ فِيهِ أحد فَسمع النَّبِي ﷺ مَا قَالَ فَعرف أَن الله قد دَرأ بهما عَنهُ فَدَعَا لَهُنَّ النَّبِي ﷺ وسمت عَلَيْهِنَّ وَفرض جزاءهن وانحدرن فِي الْحرم فأفرخ ذَلِك الزَّوْج كل شَيْء فِي الْحرم
وَأخرج احْمَد وَأَبُو نعيم عَن ابْن عَبَّاس ان الْمُشْركين تشاوروا لَيْلَة بِمَكَّة فِي النَّبِي ﷺ فَقَالَ بَعضهم إِذا أصبح فأثبتوه بِالْوَثَاقِ وَقَالَ بَعضهم بل اقْتُلُوهُ وَقَالَ بَعضهم بل أَخْرجُوهُ فَاطلع الله نبيه ﷺ على ذَلِك فَخرج تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى لحق بِالْغَارِ فَلَمَّا أَصْبحُوا اقتصوا أَثَره فَلَمَّا بلغُوا الْجَبَل اخْتَلَط عَلَيْهِم فَصَعِدُوا فِي الْجَبَل فَمروا بِالْغَارِ فَرَأَوْا على بَابه نسج العنكبوت فَقَالُوا لَو كَانَ دخل هَهُنَا لم يكن نسج العنكبوت على بَابه
وَأخرج أَبُو نعيم من طَرِيق الْوَاقِدِيّ حَدثنِي مُوسَى بن مُحَمَّد بن ابراهيم عَن أَبِيه أَن النَّبِي ﷺ حِين دخل الْغَار ضرب العنكبوت على بَابه بعشاش بَعْضهَا على بعض فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى فَم الْغَار قَالَ قَائِل مِنْهُم ادخُلُوا الْغَار قَالَ أُميَّة بن خلف وَمَا إربكم إِلَى الْغَار إِن عَلَيْهِ لعنكبوتا كَانَ قبل مِيلَاد مُحَمَّد فَنهى النَّبِي ﷺ يَوْمئِذٍ عَن قتل العنكبوت فَقَالَ إِنَّهَا جند من جنود الله
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن عَطاء بن ميسرَة قَالَ نسجت العنكبوت مرَّتَيْنِ مرّة على دَاوُد حِين كَانَ طالوت يَطْلُبهُ وَمرَّة على النَّبِي ﷺ فِي الْغَار
[ ١ / ٣٠٦ ]
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي بكر قَالَ طلبنا الْقَوْم فَلم يدركنا اُحْدُ مِنْهُم غير سراقَة ابْن مَالك على فرس لَهُ فَقلت يَا رَسُول الله هَذَا الطّلب قد لحقنا قَالَ لَا تحزن إِن الله مَعنا فَلَمَّا كَانَ بَيْننَا وَبَينه قيد رمح أَو ثَلَاثَة دَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ اللَّهُمَّ اكفناه بِمَا شِئْت فساخت بِهِ فرسه فِي الأَرْض إِلَى بَطنهَا فَقَالَ يَا مُحَمَّد قد علمت ان هَذَا عَمَلك فَادع الله ان ينجيني مِمَّا انا فِيهِ فوَاللَّه لأعمين على من ورائي من الطّلب فَدَعَا لَهُ فَانْطَلق رَاجعا
وَأخرج البُخَارِيّ عَن سراقَة بن مَالك قَالَ خرجت أطلب النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر حَتَّى إِذا دَنَوْت مِنْهُ عثرت بِي فرسي فَقُمْت فركبت حَتَّى إِذا سَمِعت قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ وَهُوَ لَا يلْتَفت وَأَبُو بكر يكثر التلفت ساخت يدا فرسي فِي الأَرْض حَتَّى بلغتا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْت عَنْهَا ثمَّ زجرتها فَنَهَضت فَلم تكد تخرج يَديهَا فَلَمَّا اسْتَوَت قَائِمَة إِذا لأثر يَديهَا عثان سَاطِع فِي السَّمَاء مثل الدُّخان فناديتهما بالأمان فوقفوا لي وَوَقع فِي نَفسِي حِين لقِيت مَا لقِيت من الْحَبْس عَنْهُمَا أَنه سَيظْهر رَسُول الله ﷺ
وَأخرج ابْن سعد وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن أنس قَالَ لما خرج النَّبِي ﷺ وَأَبُو بكر الْتفت أَبُو بكر فَإِذا هُوَ بِفَارِس قد لحقهم فَقَالَ يَا نَبِي الله هَذَا فَارس قد لحق بِنَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اصرعه فصرع عَن فرسه فَقَالَ يَا نَبِي الله مرني بِمَا شِئْت قَالَ تقف مَكَانك لَا تتركن أحدا يلْحق بِنَا فَكَانَ أول النَّهَار جاهدا على رَسُول الله ﷺ وَآخر النَّهَار مسلحة لَهُ وَفِي ذَلِك يَقُول سراقَة مُخَاطبا لأبي جهل
(أَبَا حكم وَالله لَو كنت شَاهدا لأمر جوادي إِذْ تسيخ قوائمه)
(علمت وَلم تشكك بِأَن مُحَمَّدًا رَسُول ببرهان فَمن ذَا يقاومه)
واخرج ابْن عَسَاكِر بِسَنَد واه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ أَبُو بكر مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي الْغَار فعطش فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اذْهَبْ إِلَى صدر الْغَار فَاشْرَبْ فَانْطَلق أَبُو بكر إِلَى صدر الْغَار فَشرب مِنْهُ مَاء أحلى من الْعَسَل وأبيض من اللَّبن
[ ١ / ٣٠٧ ]
وأذكى رَائِحَة من الْمسك ثمَّ عَاد فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله أَمر الْملك الْمُوكل بأنهار الْجنَّة إِن خرق نَهرا من جنَّة الفردوس إِلَى صدر الْغَار لتشرب
وَقَالَ البُخَارِيّ سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْكُوفِي قَالَ لما اراد النَّبِي ﷺ ان يُهَاجر سمعُوا صَوتا بِمَكَّة يَقُول
(إِن يسلم السعدان يصبح مُحَمَّد من الْأَمْن لَا يخْشَى خلاف الْمُخَالف)
فَقَالَت قُرَيْش لَو علمنَا من السعدان لفعلنَا وَفعلنَا فَسَمِعُوا من الْقَابِلَة وَهُوَ يَقُول
(فيا سعد سعد الْأَوْس إِن كنت مَانِعا وَيَا سعد سعد الخزرجين الغطارف)
(أجيبا إِلَى دَاعِي الْهدى وتمنيا على الله فِي الفردوس زلفة عَارِف)
قَالَ سعد الْأَوْس سعد بن معَاذ وَسعد الخزرجين سعد بن عبَادَة وَأخرجه ابْن عَسَاكِر من هَذَا الطَّرِيق
وَأخرجه من طَرِيق ابْن ابي الدُّنْيَا أَنبأَنَا أبي ثَنَا هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ حَدثنَا عبد الْمجِيد بن أبي عبس عَن أَبِيه عَن جده قَالَ سَمِعت قُرَيْش صائحا يَصِيح على أبي قبيس فَذكر الْبَيْت الأول فَقَالُوا من السُّعُود سعد بن بكر وَسعد بن زيد مَنَاة وَسعد هذيم فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة سمعُوا صَوته على أبي قبيس فَذكر الْبَيْتَيْنِ وَزَاد
(فَإِن ثَوَاب الله للطَّالِب الْهدى جنان من الفردوس ذَات رفارف)
فَقَالَت قُرَيْش هَذَا سعد بن معَاذ وَسعد بن عبَادَة وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ والخرائطي نَحوه
وَأخرج الزبير بن بكار فِي الموفقيات وَأَبُو نعيم من طَرِيق شهر بن حَوْشَب عَن ابْن عَبَّاس عَن سعد بن عبَادَة قَالَ لما بَايعنَا رَسُول الله ﷺ بيعَة الْعقبَة خرجت إِلَى حَضرمَوْت لبَعض الْحَاجة فَقضيت حَاجَتي ثمَّ رجعت حَتَّى إِذا كنت بِبَعْض الأَرْض نمت فَفَزِعت من اللَّيْل بصائح يَقُول
(أَبَا عَمْرو تأوبني السهود وَرَاح النّوم وَانْقطع الهجود)
[ ١ / ٣٠٨ ]
ثمَّ صَاح آخر يَا خر عب ذهب بك اللّعب إِن أعجب الْعجب بَين زهرَة ويثرب قَالَ وَمَا ذَاك يَا شاصب قَالَ نَبِي السَّلَام بعث بِخَير الْكَلَام إِلَى جَمِيع الانام فَأخْرج من الْبَلَد الْحَرَام إِلَى نخيل وآطام ثمَّ طلع الْفجْر فَذَهَبت انْظُر فَإِذا عظاءة وثعبان ميتان قَالَ فَمَا علمت ان النَّبِي ﷺ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة إِلَّا بِهَذَا الحَدِيث
وَأخرج ابو نعيم من طَرِيق ابْن اسحاق حدثت عَن أَسمَاء بنت أبي بكر قَالَت لما هَاجر رَسُول الله ﷺ مكثنا ثَلَاث لَيَال مَا نَدْرِي أَيْن توجه حَتَّى أقبل رجل من الْجِنّ من أَسْفَل مَكَّة يُغني بِأَبْيَات شعر وَأَن النَّاس ليتبعونه يسمعُونَ صَوته وَمَا يرونه حَتَّى خرج من أَعلَى مَكَّة يَقُول
(جزى الله رب النَّاس خير جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتي أم معبد)
واخرج الْبَغَوِيّ وَابْن شاهين وَابْن السكن وَابْن مندة وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم من طَرِيق حزَام بن هِشَام بن حُبَيْش بن خَالِد عَن أَبِيه عَن جده ان رَسُول الله ﷺ حِين خرج من مَكَّة خرج مِنْهَا مُهَاجرا إِلَى الْمَدِينَة هُوَ وَأَبُو بكر وَمولى أبي بكر عَامر بن فهَيْرَة وَدَلِيلهمَا اللَّيْثِيّ عبد الله بن الْأُرَيْقِط مروا على خَيْمَتي ام معبد الْخُزَاعِيَّة وَكَانَت بَرزَة حلده تَحْتَبِيَ بِفنَاء الْقبَّة ثمَّ تَسْقِي وَتطعم فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوهُ مِنْهَا فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا شَيْئا فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى شَاة فِي كسر الْخَيْمَة فَقَالَ مَا هَذِه الشَّاة يَا أم معبد قَالَت شَاة خلفهَا الْجهد عَن الْغنم قَالَ أَبِهَا من لبن قَالَت هِيَ أجهد من ذَلِك قَالَ أَتَأْذَنِينَ لي ان احلبها قَالَت إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فاحلبها فَدَعَا عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ فَمسح بِيَدِهِ ضرْعهَا وسمى الله ودعا لَهَا فِي شَاتِهَا فتفاجت عَلَيْهِ وَدرت ودعا بِإِنَاء يريض الرَّهْط فَحلبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى علاهُ الْبَهَاء ثمَّ سَقَاهَا حَتَّى رويت ثمَّ سقى أَصْحَابه حَتَّى رووا ثمَّ شرب آخِرهم ﷺ ثمَّ أراضوا ثمَّ حلب فِيهِ ثَانِيًا بعد بَدْء حَتَّى مَلأ الْإِنَاء ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا ثمَّ بَايَعَهَا وَارْتَحَلُوا عَنْهَا فَقل مَا لَبِثت حَتَّى جَاءَ زَوجهَا ابو معبد يَسُوق أَعْنُزًا عِجَافًا
[ ١ / ٣٠٩ ]
فَلَمَّا رأى اللَّبن عجب وَقَالَ من أَيْن لَك هَذَا اللَّبن وَالشَّاة عَازِب حِيَال وَلَا حَلُوب فِي الْبَيْت فَقَالَت لَا وَالله إِلَّا انه مر بِنَا رجل مبارك من حَاله كَذَا وَكَذَا قَالَ صَفيه لي قَالَت رَأَيْت رجلا ظَاهر الْوَضَاءَة أَبْلَج الوحه حسن الْخلق لم تَعبه ثجله وَلَا تزريه صعلة وسيم قسيم فِي عَيْنَيْهِ دعجٌ وَفِي أَشْفَاره عطف وَفِي صَوته صَهل وَفِي عُنُقه سَطَعَ وَفِي لحيته كثاثة أَزجّ أقرن إِن صمت فَعَلَيهِ الْوَقار وَإِن تكلم سَمَّاهُ وعلاه الْبَهَاء أجمل النَّاس وَأَبْهَاهُ من بعيد وأحلاه وَأحسنه من قريب حُلْو الْمنطق فصل لَا نزر وَلَا هذر كَأَن منْطقَة خَرَزَات نظمن ربعَة لَا بَائِن من طول وَلَا تَقْتَحِمُهُ عين من قصر عصنا بَين عصنين فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَة منْظرًا وَأَحْسَنهمْ قدرا لَهُ رُفَقَاء يحفونَ بِهِ ان قَالَ أَنْصتُوا لَهُ وَإِن أَمر تبَادرُوا إِلَى امْرَهْ مَحْفُودٌ محشود لَا عَابس وَلَا مُعْتَد فَقَالَ أَبُو معبد هُوَ وَالله صَاحب قُرَيْش الَّذِي ذكر لنا من أمره مَا ذكر بِمَكَّة فَأصْبح صَوت بِمَكَّة عَالِيا يسمعُونَ الصَّوْت وَلَا يَدْرُونَ من صَاحبه وَهُوَ يَقُول
(جزى الله رب النَّاس خير جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتي أم معبد)
(هما نَزَّلَاهَا بِالْهدى فاهتديت بِهِ فقد فَازَ من أَمْسَى رَفِيق مُحَمَّد)
(فيآل قصي مَا زوى الله عَنْكُم بِهِ من فعال لَا تجازى وسؤدد)
(لِيهن بني كَعْب مقَام فَتَاتهمْ ومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد)
(سلوا أختكم عَن شَاتِهَا وأناثها فَإِنَّكُم إِن تسألوا الشَّاة تشهد)
(دَعَاهَا بِشَاة حَائِل فتحلبت لَهُ بِصَرِيح ضرَّة الشَّاة مُزْبِد)
(فغادرها رهنا لَدَيْهَا بحالب يُرَدِّدهَا فِي مصدر ثمَّ مورد)
فَقَوله بَرزَة يُرِيد أَنه خلالها سنّ فَهِيَ تبرز لَيست كالصغيرة المحجوبة قَوْله كسر الْخَيْمَة يُرِيد جانبا مِنْهَا وتفاجت فتحت مَا بَين رِجْلَيْهَا للحلب ويريض الرَّهْط يرويهم حَتَّى يثقلوا والرهط مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وثجا أَي سيلا وعلاه الْبَهَاء أَي علا الْإِنَاء بهاء اللَّبن وَهُوَ وبيص رغوته وأراضوا شربوا وعازب أَي بعيد فِي المرعى وثجلة أَي ورقة وصعلة الخاصرة تَعْنِي أَنه ضرب لَيْسَ بناحل وَلَا منتفخ والوسيم الْحسن الوضيء وَكَذَلِكَ القسيم والعطف انعطاف الاشفار
[ ١ / ٣١٠ ]
وسطع أَي طول إِن تكلم سما أَي علا بِرَأْسِهِ أَو يَده لَا نزر وَلَا هذر أَي وسط لَا قَلِيل وَلَا كثير وَلَا تَقْتَحِمُهُ لَا تحتقره وَلَا تزدريه ومحفود اي مخدوم ومحشود اي محفوف حشدة أَصْحَابه أطافوا بِهِ لَا عَابس أَي فِي الْوَجْه لَا مُعْتَد من الاعتداء وَهُوَ الظُّلم والصريح الْخَالِص والضرة لحم الضَّرع وَقَوله فغادرها رهنا لَدَيْهَا بحالب يُرِيد أَنه خلف الشَّاة مرتهنة لِأَن تدر
وَأخرج ابْن سعد وَالْبَغوِيّ وَأَبُو نعيم من طَرِيق الْحر بن الصَّباح عَن أبي معبد الْخُزَاعِيّ مثله بِطُولِهِ
وَأخرج ابْن سعد وَأَبُو نعيم من طَرِيق الْوَاقِدِيّ حَدثنِي حزَام بن هِشَام عَن أَبِيه عَن أم معبد قَالَت بقيت الشَّاة الَّتِي لمس ضرْعهَا عندنَا حَتَّى كَانَ زمَان الرَّمَادَة زمَان عمر بن الْخطاب ﵁ وَكُنَّا نَحْلُبهَا صَبُوحًا وغبوقا وَمَا فِي الأَرْض قَلِيل وَلَا كثير
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ خرجت مَعَ رَسُول الله ﷺ من مَكَّة فَانْتَهَيْنَا إِلَى حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى بَيت منتحيا فقصد إِلَيْهِ فَلَمَّا نزلنَا لم يكن فِيهِ إِلَّا إمرأة وَذَلِكَ عِنْد الْمسَاء فجَاء ابْن لَهَا بأعنز يَسُوقهَا فَقَالَت لَهُ انْطلق بِهَذِهِ العنز إِلَى هذَيْن الرجلَيْن ليذبحاها ويأكلا فَلَمَّا جَاءَ قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ انْطلق بالشفرة وجئني بالقدح فَقَالَ إِنَّهَا قد عزبت وَلَيْسَ لَهَا لبن قَالَ انْطلق فَانْطَلق فجَاء بقدح فَمسح النَّبِي ﷺ ضرْعهَا ثمَّ حلب حَتَّى مَلأ الْقدح ثمَّ قَالَ انْطلق بِهِ إِلَى أمك فَشَرِبت حَتَّى رويت ثمَّ جَاءَ بِهِ فَقَالَ انْطلق بِهَذِهِ وجئني بِأُخْرَى فَفعل بهَا كَذَلِك ثمَّ سقى أَبَا بكر ثمَّ جَاءَ بِأُخْرَى فَفعل بهَا كَذَلِك ثمَّ شرب النَّبِي ﷺ قَالَ فبتنا ليلتنا ثمَّ انطلقنا فَكَانَت تسميه الْمُبَارك وَكَثُرت غنمها حَتَّى جلبت جلبا إِلَى الْمَدِينَة قَالَ الْبَيْهَقِيّ الظَّاهِر أَن هَذِه الْمَرْأَة أم معبد
[ ١ / ٣١١ ]
وَأخرج أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن قيس بن النُّعْمَان قَالَ لما انْطلق رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر مستخفيين مرا بِعَبْد يرْعَى غنما فاستسقياه اللَّبن فَقَالَ مَا عِنْدِي شَاة تحلب غير أَن هَهُنَا عنَاقًا حملت أَو الشتَاء وَقد اخرجت وَمَا بَقِي لَهَا لبن فَقَالَ أدع بهَا فَدَعَا بهَا فاعتقلها النَّبِي ﷺ وَمسح ضرْعهَا ودعا وَجَاء أَبُو بكر ﵁ بمجن فَحلبَ وَسَقَى أَبَا بكر ثمَّ حلب فسقى الرَّاعِي ثمَّ حلب فَشرب فَقَالَ الرَّاعِي من أَنْت فوَاللَّه مَا رَأَيْت مثلك قطّ قَالَ مُحَمَّد رَسُول الله قَالَ أَنْت الَّذِي تزْعم قُرَيْش انه صابئ قَالَ إِنَّهُم ليقولون ذَلِك قَالَ فَأشْهد أَنَّك نَبِي وأنما جِئْت بِهِ حق وَأَنه لَا يفعل مَا فعلت إِلَّا نَبِي
وَأخرج أَبُو نعيم عَن مَالك بن أَوْس الْأَسْلَمِيّ قَالَ لما هَاجر رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر ﵁ مروا بِإِبِل لنا بِالْجُحْفَةِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ لمن هَذِه الْإِبِل قَالَ لرجل من أسلم فَالْتَفت إِلَى أبي بكر فَقَالَ سلمت إِن شَاءَ الله فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ مَسْعُود فَالْتَفت إِلَى أبي بكر فَقَالَ سعدت إِن شَاءَ الله
وَأخرج الزبير بن بكار فِي أَخْبَار الْمَدِينَة عَن ابراهيم بن عبد الله بن حَارِثَة عَن ابيه قَالَ نزل رَسُول الله ﷺ على كُلْثُوم بن الْهدم فصاح كُلْثُوم بِغُلَام لَهُ يَا نجيح فَقَالَ رَسُول الله ﷺ انجحت يَا أَبَا بكر
وَأخرج البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ان الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد قَالَ إِلَى مَكَّة
وَأخرج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس قَالَ شهِدت يَوْم دخل النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة فَلم أر يَوْمًا أحسن وَلَا أَضْوَأ مِنْهُ
وَأخرج ابْن سعد عَن انس قَالَ لما كَانَ الْيَوْم الَّذِي دخل فِيهِ رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة أَضَاء مِنْهَا كل شَيْء
[ ١ / ٣١٢ ]
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الله بن الزبير أَن رَسُول الله ﷺ قدم الْمَدِينَة فاستناخت بِهِ رَاحِلَته فَأَتَاهُ النَّاس فَقَالُوا يَا رَسُول الله الْمنزل فانبعثت بِهِ رَاحِلَته فَقَالَ دَعُوهَا فانها مأمورة ثمَّ خرجت بِهِ حَتَّى جَاءَت بِهِ مَوضِع الْمِنْبَر فاستناخت
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أنس قَالَ قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة فَلَمَّا دخل جَاءَت الْأَنْصَار برجالها ونسائها فَقَالُوا إِلَيْنَا يَا رَسُول الله فَقَالَ دعوا النَّاقة فَإِنَّهَا مأمورة فبركت على بَاب أبي أَيُّوب فَخرجت جوَار من بني النجار يضربن بِالدُّفُوفِ وَهن يقلن
(نَحن جوَار من بني النجار يَا حبذا مُحَمَّد من جَار)
واخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة قَالَت لما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة جعل النِّسَاء وَالصبيان يقلن
(طلع الْبَدْر علينا من ثنيات الْوَدَاع)
(وَجب الشُّكْر علينا مَا دَعَا لله دَاع)
وَأخرج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن صُهَيْب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ رَأَيْت دَار هجرتكم سبخَة بَين ظهراني حرَّة فإمَّا ان تكون هجر وَإِمَّا ان تكون يثرب قَالَ وَخرج رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة وَخرج مَعَه أَبُو بكر وَكنت قد هَمَمْت بِالْخرُوجِ مَعَه فصدني فتيَان من قُرَيْش فَجعلت لَيْلَتي تِلْكَ أقوم لَا أقعد فَقَالُوا قد شغله الله عَنْكُم ببطنه وَلم اكن شاكيا فَنَامُوا فلحقني مِنْهُم نَاس بَعْدَمَا سرت بريدا ليردوني فَقلت لَهُم هَل لكم أَن أُعْطِيكُم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي فَفَعَلُوا فسقتهم إِلَى مَكَّة فَقلت احفروا تَحت اسكفة الْبَاب فَإِن تحتهَا الأواقي وَخرجت حَتَّى قدمت على رَسُول الله ﷺ قبَاء قبل ان يتَحَوَّل مِنْهَا فَلَمَّا رَآنِي قَالَ يَا أَبَا يحيى ربح البيع ثَلَاثًا فَقلت يَا رَسُول الله مَا سبقني إِلَيْك اُحْدُ وَمَا أخْبرك إِلَّا جبرئيل ﵇
[ ١ / ٣١٣ ]
بَاب اجْتِمَاع الْيَهُود بِالنَّبِيِّ ﷺ لما قدم الْمَدِينَة وسؤالهم لَهُ ومعرفتهم صدقه
اخْرُج ابْن سعد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وصححاه وَابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ عَن عبد الله بن سَلام قَالَ لما قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة انجفل النَّاس قبله فَجئْت فِي النَّاس لأنظر إِلَى وَجهه فَلَمَّا رَأَيْت وَجهه عرفت أَن وَجهه لَيْسَ بِوَجْه كَذَّاب فَكَانَ أول شَيْء سَمِعت مِنْهُ ان قَالَ يَا أَيهَا النَّاس اطعموا الطَّعَام وأفشوا السَّلَام وصلوا الْأَرْحَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام
وَأخرج البُخَارِيّ عَن انس قَالَ سمع عبد الله بن سَلام بقدوم رَسُول الله ﷺ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلك عَن ثَلَاث لَا يعلمهُنَّ إِلَّا نَبِي مَا أول أَشْرَاط السَّاعَة وَمَا أول طَعَام أهل الْجنَّة وَمَا ينْزع الْوَلَد إِلَى أَبِيه وَإِلَى أمه قَالَ اخبرني بِهن جبرئيل آنِفا اما اول اشراط السَّاعَة فَنَار تخرج على النَّاس من الْمشرق الى الْمغرب وَأما أول طَعَام يَأْكُلهُ اهل الْجنَّة فَزِيَادَة كبد الْحُوت وَإِذا سبق مَاء الرجل مَاء الْمَرْأَة نزع الْوَلَد إِلَى أَبِيه وَإِذا سبق مَاء الْمَرْأَة نزعت قَالَ أشهد ان لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد انك رَسُول الله يَا رَسُول الله إِن الْيَهُود قوم بهت وَإِنَّهُم إِن يعلمُوا بِإِسْلَامِي قبل ان تَسْأَلهُمْ عني بَهَتُونِي فَجَاءَت الْيَهُود إِلَيْهِ قَالَ أَي رجل عبد الله بن سَلام فِيكُم قَالُوا خيرنا وَابْن خيرنا وَسَيِّدنَا وَابْن سيدنَا قَالَ أَرَأَيْتُم إِن أسلم قَالُوا أَعَاذَهُ الله من ذَلِك فَخرج عبد الله فَقَالَ أشهد ان لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالُوا أَشَرنَا وَابْن شَرنَا وانتقصوا قَالَ هَذَا الَّذِي كنت أَخَاف يَا رَسُول الله
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الله بن سَلام قَالَ لما سَمِعت برَسُول الله ﷺ وَعرفت صفته واسْمه وهيئته وَالَّذِي كُنَّا نتوكف لَهُ فَكنت مسرا لذَلِك صامتا عَلَيْهِ حَتَّى قدم الْمَدِينَة فَأخْبر رجل بقدومه وانا فِي رَأس نَخْلَة لي أعمل فِيهَا وعمتي جالسة فَلَمَّا
[ ١ / ٣١٤ ]
سَمِعت الْخَبَر بقدومه كَبرت فَقَالَت لي عَمَّتي لَو كنت سَمِعت بمُوسَى بن عمرَان مَا زِدْت قلت لَهَا أَي عمَّة هُوَ وَالله أَخُو مُوسَى بن عمرَان بعث بِمَا بعث بِهِ فَقَالَت يَا ابْن اخي أهوَ النَّبِي الَّذِي كُنَّا نخبر بِهِ انه يبْعَث مَعَ السَّاعَة قلت لَهَا نعم ثمَّ خرجت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأسْلمت وَذكر نَحْو مَا تقدم
وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من مُرْسل سعيد المَقْبُري نَحوه وَزَاد أَنه سَأَلَهُ عَن السوَاد الَّذِي فِي الْقَمَر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ انهما كَانَا شمسين قَالَ الله ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ فمحونا آيَة اللَّيْل﴾ فالسواد الَّذِي فِيهِ هُوَ المحو فَقَالَ ابْن سَلام اشْهَدْ ان لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد ان مُحَمَّدًا رَسُول الله
واخرج ابْن اسحاق وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن صَفِيَّة بنت حييّ قَالَت لما قدم رَسُول الله ﷺ غَدا إِلَيْهِ أبي وَعمي أَبُو يَاسر بن اخْطُبْ ثمَّ رجعا فَسمِعت عمي يَقُول لأبي أهوَ هُوَ قَالَ نعم وَالله قَالَ تعرفه بِعَيْنِه وَصفته قَالَ نعم وَالله قَالَ فَمَاذَا فِي نَفسك مِنْهُ قَالَ عداوته وَالله مَا بقيت أبدا
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن عَوْف بن مَالك قَالَ انْطلق النَّبِي ﷺ وَأَنا مَعَه حَتَّى دخل كَنِيسَة الْيَهُود فَقَالَ يَا معشر الْيَهُود أروني اثنى عشر رجلا يشْهدُونَ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله يحبط الله عَن كل يَهُودِيّ تَحت أَدِيم السَّمَاء الْغَضَب الَّذِي غضب عَلَيْهِم قَالَ فَسَكَتُوا فَمَا أَجَابَهُ مِنْهُم أحد ثمَّ رد عَلَيْهِم فَلم يجبهُ مِنْهُم أحد فَقَالَ أَبَيْتُم فوَاللَّه لأَنا الحاشر وَأَنا العاقب وَأَنا النَّبِي الْمُصْطَفى آمنتم أم كَذبْتُمْ ثمَّ انْصَرف وَأَنا مَعَه حَتَّى كدنا ان نخرج فَإِذا رجل من خلفنا يَقُول كَمَا أَنْت يَا مُحَمَّد فَأقبل فَقَالَ ذَلِك الرجل أَي رجل تعلموني فِيكُم يَا معشر الْيَهُود قَالُوا وَالله مَا نعلم أَنه كَانَ فِينَا رجل أعلم بِكِتَاب الله مِنْك وَلَا أفقه مِنْك وَلَا من أَبِيك قبلك وَلَا من جدك قبل أَبِيك قَالَ فَإِنِّي اشْهَدْ لَهُ بِاللَّه انه نَبِي الله الَّذِي تجدونه فِي التَّوْرَاة
[ ١ / ٣١٥ ]
فَقَالُوا كذبت ثمَّ ردوا عَلَيْهِ قَوْله وَقَالُوا شرا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ كَذبْتُمْ لن يقبل الله قَوْلكُم وَأنزل الله فِيهِ ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن كَانَ من عِنْد الله وكفرتم بِهِ﴾ الْآيَة
وَأخرج احْمَد وَالْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ جَاءَت عِصَابَة من الْيَهُود النَّبِي ﷺ فَقَالُوا حَدثنَا عَن خلال نَسْأَلك عَنْهَا لَا يعلمهَا إِلَّا نَبِي أخبرنَا عَن الطَّعَام الَّذِي حرم إِسْرَائِيل على نَفسه وَأخْبرنَا عَن مَاء الرجل كَيفَ يكون مِنْهُ الذّكر وَكَيف تكون مِنْهُ الْأُنْثَى وَأخْبرنَا كَيفَ النَّبِي فِي الْقَوْم فَقَالَ انشدك بِاللَّه هَل تعلمُونَ ان إِسْرَائِيل مرض مَرضا شَدِيدا أَطَالَ سقمه مِنْهُ فَنَذر لله نذرا لَئِن شفَاه من سقمه ليحرمن أحب الشَّرَاب إِلَيْهِ وَأحب الطَّعَام إِلَيْهِ فَحرم ألبان الْإِبِل ولحمان الْإِبِل قَالُوا نعم قَالَ انشدكم بِاللَّه هَل تعلمُونَ ان مَاء الرجل غليط أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة رَقِيق أصفر فَأَيّهمَا علا كَانَ لَهُ الْوَلَد والشبه بِإِذن الله قَالُوا اللَّهُمَّ نعم قَالَ انشدكم بِاللَّه هَل تعلمُونَ هَذَا النَّبِي تنام عَيناهُ وَلَا ينَام قلبه قَالُوا اللَّهُمَّ نعم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي ظبْيَان قَالَ حَدثنَا أَصْحَابنَا أَنهم بَيْنَمَا هم مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فاعترضهم يَهُودِيّ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم إِنِّي أَسأَلك عَن مَسْأَلَة لَا يعلمهَا إِلَّا نَبِي من أَي المائين يكون الْوَلَد فَصمت رَسُول الله ﷺ حَتَّى وَدِدْنَا أَنه لم يسْأَله ثمَّ عرفنَا انه قد تبين لَهُ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما نُطْفَة الرجل فبيضاء غَلِيظَة فَمِنْهَا الْعِظَام والعصب وَأما نظفة الْمَرْأَة فحمراء رقيقَة فمنهما اللَّحْم وَالدَّم فَقَالَ أشهد انك رَسُول الله
وَأخرج احْمَد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ مر يَهُودِيّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يحدث أَصْحَابه فَقَالَت قُرَيْش يَا يَهُودِيّ إِن هَذَا يزْعم أَنه نَبِي قَالَ لأسألنه عَن شَيْء لَا يُعلمهُ إِلَّا نَبِي فَقَالَ يَا مُحَمَّد مِم يخلق الْإِنْسَان قَالَ يَا يَهُودِيّ من كل يخلق من نُطْفَة الرجل وَمن نُطْفَة الْمَرْأَة أمانطفة الرجل فنطفة غَلِيظَة مِنْهَا الْعظم والعصب وَأما نُطْفَة الْمَرْأَة فنطفة رقيقَة مِنْهَا اللَّحْم وَالدَّم فَقَالَ الْيَهُودِيّ هَكَذَا كَانَ يَقُول من قبلك
[ ١ / ٣١٦ ]
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ بَينا أَنا أَمْشِي مَعَ النَّبِي ﷺ فِي حرث الْمَدِينَة وَهُوَ يتَوَكَّأ على عسيب فمررنا بِنَفر من الْيَهُود فَقَالَ بَعضهم سلوه عَن الرّوح وَقَالَ بَعضهم لَا تسألوه عَسى ان يخبر فِيهِ بِشَيْء تكرهونه فسالوه فَسكت رَسُول الله ﷺ فَظَنَنْت انه يُوحى إِلَيْهِ فَلَمَّا انجلى عَنهُ قَالَ ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ الْآيَة
قَالَ ابو نعيم قيل إِن من عَلَامَات نبوة مُحَمَّد ﷺ فِي الْكتب الْمنزلَة أَنه إِذا سُئِلَ عَن الرّوح فوض الْعلم بحقيقتها إِلَى منشئتها وبارئها وَأمْسك عَمَّا خاضت الفلاسفة وَأهل الْمنطق الْقَائِلُونَ فِيهَا بالحدس والتخمين فامتحنته الْيَهُود بالسؤال عَنْهَا ليقفوا مِنْهُ على نَعته الْمُثبت عِنْدهم فِي كِتَابهمْ فَوَافَقَ جَوَابه مَا ثَبت فِي كتبهمْ
وَأخرج ابْن اسحاق وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لِابْنِ صوريا أنْشدك بِاللَّه هَل تعلم ان لله حكم فِي التَّوْرَاة فِيمَن زنا بعد إحْصَانه بِالرَّجمِ فَقَالَ اللَّهُمَّ نعم أما وَالله يَا أَبَا الْقَاسِم انهم ليعرفون انك نَبِي مُرْسل وَلَكنهُمْ يحسدونك
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن صَفْوَان بن عَسَّال قَالَ قَالَ يَهُودِيّ لصَاحبه إذهب بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِي نَسْأَلهُ عَن هَذِه الْآيَة ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى تسع آيَات بَيِّنَات﴾ فَسَأَلَاهُ فَقَالَ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا تسحرُوا وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا تَمْشُوا ببرىء إِلَى ذِي سُلْطَان ليَقْتُلهُ وَلَا تَقْذِفُوا مُحصنَة وَأَنْتُم يَا يهود عَلَيْكُم خَاصَّة لَا تعدوا فِي السبت فَقبلا يَده وَرجله وَقَالا نشْهد أَنَّك نَبِي فَقَالَ مَا منعكما ان تسلما فَقَالَا إِن دَاوُد دَعَا ان لَا يزَال من ذُريَّته نَبِي وَإِنَّا نخشى ان تَقْتُلنَا الْيَهُود
[ ١ / ٣١٧ ]
وَأخرج مُسلم عَن ثَوْبَان قَالَ كنت عِنْد النَّبِي ﷺ فجَاء حبر من الْيَهُود فَقَالَ ايْنَ النَّاس يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فِي الظلمَة دون الجسر قَالَ فَمن أول النَّاس إجَازَة قَالَ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين قَالَ فَمَا تحفتهم حِين يدْخلُونَ الْجنَّة قَالَ زِيَادَة كبدنون قَالَ فَمَا عداؤهم على اثره قَالَ ينْحَر لَهُم ثَوْر الْجنَّة الَّذِي كَانَ يَأْكُل من أطرافها قَالَ فَمَا شرابهم عَلَيْهِ قَالَ من عين فِيهَا تسمى سلسبيلا قَالَ صدقت قَالَ وَجئْت اسْأَل عَن شَيْء لَا يُعلمهُ أحد من أهل الأَرْض إِلَّا نَبِي أَو رجل أَو رجلَانِ جِئْت أَسأَلك عَن الْوَلَد قَالَ مَاء الرجل أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة أصفر فَإِذا اجْتمعَا فعلا مني الرجل مني الْمَرْأَة أذكرا بِإِذن الله وَإِذا علا مني الْمَرْأَة مني الرجل آنثا بِإِذن الله قَالَ الْيَهُودِيّ صدقت وَإنَّك لنَبِيّ ثمَّ انْصَرف فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّه سَأَلَني هَذَا الَّذِي سَأَلَني عَنهُ وَمَا أعلم شَيْئا مِنْهُ حَتَّى أَتَانِي الله بِهِ
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَزَّار وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم عَن جَابر بن عبد الله قَالَ أَتَى النَّبِي ﷺ يَهُودِيّ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن النُّجُوم الَّتِي رَآهَا يُوسُف ساجده لَهُ مَا اسماؤها فَلم يجبهُ بِشَيْء فَنزل عَلَيْهِ جبرئيل فَأخْبرهُ فَبعث إِلَى الْيَهُودِيّ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ أتسلم إِن اخبرتك قَالَ نعم قَالَ حرثان وطارق وَالذَّيَّال والكتفان وَذُو الْفَرْع وَوَثَّاب وَعَمُودَان وَقَابِس وَالضَّرُوح والمصيح وَالْفَيْلَق والضياء والنور رَآهَا فِي افق السَّمَاء سَاجِدَة لَهُ فَقَالَ الْيَهُودِيّ هَذِه وَالله أسماؤها
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس ان حبرًا من الْيَهُود دخل على رَسُول الله ﷺ فوافقه وَهُوَ يقْرَأ سُورَة يُوسُف فَقَالَ يَا مُحَمَّد من علمكها قَالَ الله علمنيها فَعجب الحبر لما سمع مِنْهُ فَرجع إِلَى الْيَهُود فَقَالَ لَهُم وَالله إِن مُحَمَّدًا ليقْرَأ الْقُرْآن كَمَا أنزل فِي التَّوْرَاة وَانْطَلق بِنَفر مِنْهُم حَتَّى دخلُوا عَلَيْهِ فعرفوه بِالصّفةِ ونظروا إِلَى خَاتم النُّبُوَّة بَين كَتفيهِ فَجعلُوا يَسْتَمِعُون إِلَى قِرَاءَته لسورة يُوسُف فتعجبوا مِنْهُ وَأَسْلمُوا عِنْد ذَلِك
[ ١ / ٣١٨ ]
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ للْيَهُود إِن كُنْتُم صَادِقين فِي مَقَالَتَكُمْ إِن الْجنَّة خَالِصَة لكم من دون النَّاس فَقولُوا اللَّهُمَّ أمتنَا فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَقُولهَا رجل مِنْكُم إِلَّا غص بريقه فَمَاتَ مَكَانَهُ فَأَبَوا ذَلِك وكرهوه فَنزل ﴿وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا﴾ الْآيَة
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الْمسند عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ جَاءَ جرمقاني إِلَى أَصْحَاب مُحَمَّد فَقَالَ أَيْن صَاحبكُم هَذَا الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي لَئِن سَأَلته لاعلمن نَبِي هُوَ أَو غير نَبِي فجَاء النَّبِي ﷺ فَقَالَ الجرمقاني إقرأ عَليّ فَتلا عَلَيْهِ آيَات من كتاب الله فَقَالَ الجرمقاني هَذَا وَالله الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى
بَاب رفع الوباء والحمى والطاعون عَن الْمَدِينَة معْجزَة لَهُ ﷺ
اخْرُج الشَّيْخَانِ عَن عَائِشَة قَالَت قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وَهِي أوبأ أَرض الله فَقَالَ اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كحبنا مَكَّة أَو أَشد اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا وصححها لنا وانقل حماها إِلَى الْجحْفَة
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة قَالَ كَانَ وباء الْمَدِينَة مَعْرُوفا فِي الْجَاهِلِيَّة فَدَعَا النَّبِي ﷺ ان تنقل حماها إِلَى الْجحْفَة فَكَانَ الْمَوْلُود يُولد بِالْجُحْفَةِ فَلَا يبلغ الْحلم حَتَّى تصرعه الْحمى
وَأخرج البُخَارِيّ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ رَأَيْت امْرَأَة سَوْدَاء ثائرة الرَّأْس خرجت من الْمَدِينَة حَتَّى نزلت مهيعة فَأَوَّلتهَا أَن وباء الْمَدِينَة نقل الى مهيعة وَهِي الْجحْفَة
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ على أنقاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة لَا يدخلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال
[ ١ / ٣١٩ ]
قَالَ بعض الْعلمَاء هَذِه معْجزَة لَهُ ﷺ لِأَن الْأَطِبَّاء من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم عجزوا عَن أَن يدفعوا الطَّاعُون عَن بلد من الْبِلَاد بل عَن قَرْيَة من الْقرى وَقد امْتنع الطَّاعُون من الْمَدِينَة بدعائه وخيره ﷺ هَذِه الْمدَّة المتطاولة
وَأخرج الزبير بن بكار فِي أَخْبَار الْمَدِينَة حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن عَن مُحَمَّد بن طَلْحَة بن عبد الرَّحْمَن عَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث عَن أَبِيه قَالَ لما قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة وعك فِيهَا أَصْحَابه وَقدم رجل فَتزَوج امْرَأَة كَانَت مهاجرة فَجَلَسَ رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ثَلَاثًا فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته فِي دنيا يطْلبهَا اَوْ امْرَأَة يخطبها فَإِنَّمَا هجرته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ انقل عَنَّا الوباء ثَلَاثًا فَلَمَّا أصبح قَالَ أتيت هَذِه اللَّيْلَة بالحمى فَإِذا الْعَجُوز سَوْدَاء ملببة فِي يَدي الَّذِي جَاءَ بهَا فَقَالَ هَذِه الْحمى فَمَا ترى فِيهَا فَقلت اجْعَلُوهَا نجم
وَأخرج الزبير أَيْضا حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ أصبح رَسُول الله ﷺ يَوْمًا فَجَاءَهُ انسان قدم من نَاحيَة طَرِيق مَكَّة فَقَالَ لَهُ هَل لقِيت أحدا قَالَ لَا يَا رَسُول الله إِلَّا امْرَأَة سَوْدَاء عُرْيَانَة ثائرة الشّعْر فَقَالَ رَسُول الله ﷺ تِلْكَ الْحمى وَلنْ تعود بعد الْيَوْم أبدا
بَاب الْآيَة فِي وضع الْبركَة فِيهَا
اخْرُج الشَّيْخَانِ عَن عبد الله بن زيد ان رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن ابراهيم حرم مَكَّة وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة ودعوت لَهَا فِي مدها وصاعها مثلى مَا دَعَا إِبْرَاهِيم لمَكَّة
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَن عبد الله بن الْفضل بن عَبَّاس قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ أَدْعُوك لأهل الْمَدِينَة مثل مَكَّة قَالَ عبد الله إِنَّا لنعرف ذَلِك إِنَّا ليجزىء الْمَدّ عندنَا والصاع مثل مَا يجزىء بِمَكَّة
[ ١ / ٣٢٠ ]
وَأخرج الزبير بن بكار فِي اخبار الْمَدِينَة عَن إِسْمَاعِيل بن النُّعْمَان قَالَ دَعَا رَسُول الله ﷺ لغنم كَانَت ترعى بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل نصف أكراشها مثل ملئها فِي غَيرهَا من الْبِلَاد
بَاب مَا وَقع عِنْد بِنَاء الْمَسْجِد من الْآيَات
أخرج الزبير بن بكار فِي أَخْبَار الْمَدِينَة عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم قَالَ بَلغنِي ان رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا وضعت قبله مَسْجِدي هَذَا حَتَّى رفعت لي الْكَعْبَة فَوَضَعتهَا أمهَا
وَأخرج أَيْضا عَن دَاوُد بن قيس أَنه بلغه أَن النَّبِي ﷺ وضع أساس الْمَسْجِد حِين وَضعه وجبرئيل قَائِم ينظر إِلَى الْكَعْبَة قد كشف مَا بَينه وَبَينهَا
وَأخرج ايضا عَن ابْن شهَاب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا وضعت قبْلَة مَسْجِدي هَذَا حَتَّى فرج لي مَا بيني وَبَين الْكَعْبَة
وَأخرج أَيْضا عَن الْخَلِيل بن عبد الله الْأَزْدِيّ عَن رجل من الْأَنْصَار أَن رَسُول الله ﷺ أَقَامَ رهطا على زَوَايَا الْمَسْجِد ليعدل الْقبْلَة فَأَتَاهُ جبرئيل فَقَالَ ضع الْقبْلَة وَأَنت تنظر إِلَى الْكَعْبَة ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ فانماط كل جبل بَينه وَبَين الْكَعْبَة فَوضع تربيع الْمَسْجِد وَهُوَ ينظر إِلَى الْكَعْبَة لَا يحول دون بَصَره شَيْء فَلَمَّا فرغ قَالَ جبرئيل بِيَدِهِ فَأَعَادَ الْجبَال وَالشَّجر والأشياء على حَالهَا هَذِه مَرَاسِيل يشد بَعْضهَا بَعْضًا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بِسَنَد رِجَاله ثِقَات عَن الشموس بنت النُّعْمَان قَالَت نظرت إِلَى رَسُول الله ﷺ حِين قدم وَنزل وَأسسَ هَذَا الْمَسْجِد مَسْجِد قبَاء فرأيته يَأْخُذ الْحجر حَتَّى يهصره الْحجر حَتَّى أسسه وَيَقُول إِن جبرئيل هُوَ يؤم الْكَعْبَة
[ ١ / ٣٢١ ]
وَأخرج الزبير بن بكار فِي أَخْبَار الْمَدِينَة عَن أبي هُرَيْرَة ان رَسُول الله ﷺ قَالَ لَو بني مَسْجِدي هَذَا إِلَى صنعاء كَانَ مَسْجِدي
قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي احكام الْمَسَاجِد إِن صَحَّ هَذَا كَانَ من إِعْلَام نبوته ﷺ
بَاب مَا وَقع فِي صرف الْقبْلَة من الخصائص
أخرج ابْن سعد عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة صلى الى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر شهرا وَكَانَ يحب ان يصرف إِلَى الْكَعْبَة فَقَالَ يَا جبرئيل وددت ان الله صرف وَجْهي عَن قبْلَة يهود فَقَالَ جبرئيل إِنَّمَا انا عبد فَادع رَبك وسله وَجعل اذا صلى الى بَيت الْمُقَدّس رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَنزلت عَلَيْهِ ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها﴾
وَأخرج ابْن سعد عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ مَا خَالف نَبِي نَبيا قطّ فِي قبْلَة وَلَا فِي سنة إِلَّا أَن رَسُول الله ﷺ اسْتقْبل بَيت الْمُقَدّس من حَيْثُ قدم الْمَدِينَة سِتَّة عشر شهرا ثمَّ تحول إِلَى الْكَعْبَة
بَاب مَا وَقع فِي الْأَذَان من الْآيَات
أخرج ابو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن أبي ليلى قَالَ حَدثنَا أَصْحَابنَا ان رَسُول الله ﷺ قَالَ لقد هَمَمْت أَن أبث رجَالًا فِي الدّور ينادون النَّاس بِحِين الصَّلَاة وَحَتَّى هَمَمْت ان آمُر رجَالًا يقومُونَ على الْآطَام ينادون الْمُسلمين بِحِين الصَّلَاة فجَاء رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي لما رجعت لما رَأَيْت من اهتمامك رَأَيْت رجلا كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أخضرين فَقَامَ على الْمَسْجِد فَأذن ثمَّ قعد قعدة ثمَّ قَامَ فَقَالَ مثلهَا إِلَّا أَنه يَقُول قد قَامَت الصَّلَاة وَلَوْلَا أَن تَقولُوا لَقلت كنت يقظان غير نَائِم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لقد أَرَاك الله خيرا فَمر بِلَالًا فليؤذن فَقَالَ عمر أما إِنِّي لقد رَأَيْت مثل الَّذِي رأى وَلَكِنِّي لما سبقت استحييت
[ ١ / ٣٢٢ ]
وَأخرج ابْن ماجة عَن عبد الله بن زيد قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ قد هم بالبوق وبالناقوس فَرَأَيْت فِي الْمَنَام رجلا عَلَيْهِ ثَوْبَان أخضران يحمل ناقوسا فَقلت لَهُ يَا عبد الله تبيع الناقوس قَالَ وَمَا تصنع بِهِ قلت أنادي بِهِ إِلَى الصَّلَاة قَالَ أَفلا أدلك على خير من ذَلِك تَقول الله أكبر الله أكبر فَذكر الآذان فَأتى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ فجَاء عمر فَقَالَ وَالله لقد رَأَيْت مثل الَّذِي رأى وَقَالَ عبد الله بن زيد فِي ذَلِك
(أَحْمد الله ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام حمدا على الْأَذَان كثيرا)
(إِذْ أَتَانِي بِهِ البشير من الله فَأكْرم بِهِ لدي بشيرا)
(فِي لَيَال والى بِهن ثَلَاث كلما جَاءَ زادني توقيرا)
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن بُرَيْدَة أَن رجلا من الْأَنْصَار أَتَاهُ آتٍ فِي النّوم فَعلمه الْأَذَان فَقَالَ النَّبِي ﷺ أخبر بِمثل مَا أخْبرت بِهِ أَبُو بكر فَمروا بِلَالًا أَن يُؤذن
وَأخرج ابْن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده عَن كثير بن مرّة الْحَضْرَمِيّ قَالَ أول من أذن بِالصَّلَاةِ جبرئيل فِي السَّمَاء الدُّنْيَا فَسَمعهُ عمر وبلال فَسبق عمر بِلَالًا فَأخْبر النَّبِي ﷺ ثمَّ جَاءَ بِلَال فَقَالَ لَهُ قد سَبَقَك بهَا عمر
وَأخرج ابو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل عَن عبيد بن عُمَيْر ان عمر لما رأى الْأَذَان جَاءَ ليخبر النَّبِي ﷺ فَوجدَ الْوَحْي قد ورد بذلك فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ سَبَقَك الْوَحْي
واخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ رجل من الْيَهُود إِذا سمع الْمُنَادِي يُنَادي بالاذان قَالَ احْرِقْ الله الْكَاذِب فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ دخلت جَارِيَته بشعلة من نَار فطارت شرارة مِنْهَا فِي الْبَيْت فالتهبت فِي الْبَيْت فَأَحْرَقتهُ
وَأخرج ابْن سعد عَن ابْن عمر قَالَ كَانَ ابْن أم مَكْتُوم يتوخى الْفجْر فَلَا يخطئه وَكَانَ ضريرا
[ ١ / ٣٢٣ ]
وَأخرج مُسلم عَن سُهَيْل بن أبي صَالح قَالَ أَرْسلنِي أبي إِلَى بني حَارِثَة وَمَعِي غُلَام فناداه مُنَاد من حَائِط باسمه فَأَشْرَف على الْحَائِط فَلم ير شَيْئا فَذكرت ذَلِك لأبي فَقَالَ إِذا سَمِعت صَوتا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ فَإِنِّي سَمِعت ابا هُرَيْرَة يحدث عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ ولى وَله حصاص
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عمر بن الْخطاب قَالَ إِذا تغولت لأحدكم الغيلان فليؤذن فَإِن ذَلِك لَا يضر
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن أَن عمر بعث رجلا إِلَى سعد بن أبي وَقاص فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق عرضت لَهُ الغول فَأخْبر سَعْدا فَقَالَ إِنَّا كُنَّا نؤمر إِذا تغولت لنا الغول أَن ننادي بِالْأَذَانِ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى عمر عرض لَهُ ليسير مَعَه فَنَادَى بِالْأَذَانِ فَذهب عَنهُ فَإِذا سكت عرض لَهُ فَإِذا أذن ذهب عَنهُ
[ ١ / ٣٢٤ ]