فَلَمَّا تمت بيعَة هَؤُلَاءِ لرَسُول اللَّهِ ﷺ لَيْلَة الْعقبَة، وَكَانَت سرا، على كفار قَومهمْ وكفار قُرَيْش أَمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من كَانَ مَعَه من الْمُسلمين بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة أَرْسَالًا٢ فَقيل: أول٣ من خرج أَبُو سَلمَة بْن عَبْد الْأسد المَخْزُومِي وحبست عَنهُ امْرَأَته أم سَلمَة بنت
_________________
(١) ١ انْظُر فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة ابْن هِشَام ٢/ ١١٢ وَابْن سعد ج١ ق١ ص١٥٢ وَمَا بعْدهَا وصحيح البُخَارِيّ ٥/ ٥٦ والطبري ٢/ ٣٦٩ وَابْن حزم ص٨٥ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٧٣ وَابْن كثير ٣/ ١٦٨ والنويري ١٦/ ٣٢١ والسيرة الحلبية ٢/ ٥٤. * يُقَال إِن الْمَدِينَة مَذْكُورَة فِي التَّوْرَاة بطابة. قَالَ: أوحى الله إِلَى طابة: يَا طابة يَا مسكينة لَا تقبلي الْكُنُوز فَإِنِّي أرفع أجاجيرك "سطوحك" على أجاجير الْقرى. وَهِي الْمدْخل الصدْق فِي كتاب الله تَعَالَى، قَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿رب أدخلني مدْخل صدق وأخرجني مخرج صدق وَاجعَل لي من لَدُنْك سُلْطَانا نَصِيرًا﴾ . الْمخْرج الصدْق: مَكَّة، والمدخل الصدْق: الْمَدِينَة، وَالسُّلْطَان النصير: الْأَنْصَار. وَفِيه دَلِيل وَاضح على تَفْضِيل الْمَدِينَة، لِأَن الله ابْتَدَأَ بهَا، وَكَانَ الْقيَاس أَن يبتديء بِمَكَّة، لِأَنَّهُ خرج مِنْهَا قبل أَن يدْخل الْمَدِينَة، وَأَيْضًا فبالمدينة جعل لَهُ سُلْطَانا نَصِيرًا، وَأَيْضًا فيأبى الله إِلَّا أَن ينْقل نبيه إِلَّا إِلَى مَا هُوَ خير. قلت: وَاخْتلف الْعلمَاء فِي حكم الْهِجْرَة حِينَئِذٍ وَكَيف كَانَ؟ فَقيل: كَانَت الْهِجْرَة شرطا فِي الْإِسْلَام، فَمن لم يُهَاجر وَلَا عذر لَهُ وَمَات على ذَلِك مَاتَ كَافِرًا. وَقيل: بل كَانَت وَاجِبَة مُؤَكدَة من قَوَاعِد الدَّين. ثمَّ اخْتلفُوا فِي حكمهَا على من وجت عَلَيْهِ أَولا هَل اسْتمرّ بعد الْفَتْح أَو لَا؟ وَلَا خَفَاء فِي أَن غير الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين لم يخاطبوا بِالْهِجْرَةِ بعد الْفَتْح، وَفِيهِمْ جَاءَ الحَدِيث: "لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد". وَظَاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا﴾ أَن الْهِجْرَة كَانَت شرطا فِي الْإِسْلَام، وَهُوَ ظَاهر قَوْله ﵇: "وَلَكِن البائس سعد بن خَوْلَة" [من الْمُهَاجِرين وَقد شهد مَعَ الرَّسُول سَائِر الْمشَاهد وَتُوفِّي بِمَكَّة فِي حجَّة الْوَدَاع، وَقد وَصفه الرَّسُول بالبائس لِأَنَّهُ مَاتَ فِي الأَرْض الَّتِي هَاجر مِنْهَا] يرثي لَهُ رَسُول الله ﷺ أَن مَاتَ بِمَكَّة، وَقد استرسل الْمُعَلق هُنَا يَقُول: وَإِطْلَاق الْبُؤْس عَلَيْهِ بعد الْمَوْت يدل على أَن الخاتمة لم تكن على الْإِسْلَام لِأَن الْمُسلم لَا بؤس عَلَيْهِ إِن شَاءَ وَلَا سِيمَا بؤس يسْبق لَهُ فِيهِ اسْم وَالله أعلم. وَهُوَ غلط وَاضح فِي الاستنتاج، لِأَن سَعْدا كَانَ من الْمُسلمين الْأَوَّلين، وَمِمَّنْ هَاجرُوا إِلَى الْحَبَشَة، وَشهد بَدْرًا وَغَيرهَا من الْمشَاهد. وَإِنَّمَا تعلق بِهِ الْبُؤْس لِأَنَّهُ لم يمت فِي دَار هجرته، وَيدل على ذَلِك قَوْله ﷺ: "اللَّهُمَّ أمض لِأَصْحَابِي هجرتهم، وَلَا تردهم على أَعْقَابهم". وَانْظُر الِاسْتِيعَاب ص٥٦٦. ٢ أَرْسَالًا: جماعات. ٣ وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن أول الْمُهَاجِرين مُصعب بن عُمَيْر.
[ ٧٥ ]
أبي أُميَّة بِمَكَّة نَحْو سنة، ثمَّ أذن لَهَا فِي اللحاق بزوجها فَانْطَلَقت مهاجرة وشيعها عُثْمَان بْن طَلْحَة بْن أبي طَلْحَة وَهُوَ كَافِر١ إِلَى الْمَدِينَة. وَنزل أَبُو سَلمَة فِي قبَاء٢.
ثمَّ عَامر بْن ربيعَة، حَلِيف بني عدي بْن كَعْب مَعَه امْرَأَته ليلى بنت أبي حثْمَة بْن غَانِم، وَهِي أول ظَعِينَة٣ دخلت من الْمُهَاجِرَات إِلَى الْمَدِينَة.
ثمَّ عَبْد اللَّهِ بْن جحش، وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمد بْن جحش الشَّاعِر الْأَعْمَى، وأمهما وَأم إخوتهما أُميَّة بنت عَبْد الْمطلب. وَهَاجَر جَمِيع بني جحش بنسائهم، فغدا أَبُو سُفْيَان على دَارهم فتملكها إِذْ خلت مِنْهُم. وَكَانَت الفارعة بنت أبي سُفْيَان بْن حَرْب تَحت أبي أَحْمد بْن جحش.
فَنزل هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة: أَبُو سَلمَة، وعامر بْن ربيعَة، وَعبد اللَّه وَأَبُو أَحْمد ابْنا جحش، على مُبشر بْن عَبْد الْمُنْذر بْن زنبر فِي بني عَمْرو بْن عَوْف بقباء. وَهَاجَر مَعَ بني جحش جمَاعَة من بني أَسد بْن خُزَيْمَة بنسائهم، مِنْهُم عكاشة بْن مُحصن، وَعقبَة وشجاع ابْنا وهب، وأربد بْن حمير٤، ومنقذ بْن نباتة، وَسَعِيد بْن رُقَيْش وَأَخُوهُ يزِيد بْن رُقَيْش، ومحرز بْن نَضْلَة، وَقيس بْن جَابر، وَعَمْرو بْن مُحصن، وَمَالك٥ بْن عَمْرو، وَصَفوَان بْن عَمْرو، وثقف بْن عَمْرو، وَرَبِيعَة بْن أَكْثَم، وَالزُّبَيْر بْن عُبَيْدَة، وَتَمام بْن عُبَيْدَة، وسخبرة بْن عُبَيْدَة، وَمُحَمّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن جحش، وَمن نِسَائِهِم زَيْنَب بنت٦ جحش، وَحمْنَة بنت جحش، وَأم حبيب٧ بنت جحش،
_________________
(١) ١ يرْوى عَن أم سَلمَة أَنَّهَا كَانَت تَقول: مَا رَأَيْت صاحبا قطّ كَانَ أكْرم من عُثْمَان بن طَلْحَة. ٢ فِي ابْن سيد النَّاس ١/ ١٨٠: قبَاء مسكن بني عَمْرو بن عَوْف على فَرسَخ من الْمَدِينَة، ويمد وَيقصر وَيُؤَنث وَيذكر وَيصرف وَلَا يصرف. ٣ الظعينة: الْمَرْأَة فِي الهودج. ٤ فِي ابْن هِشَام: حميرة بِالْحَاء وَقيل جميرة بِالْجِيم، وَفِي ابْن سعد: حمير، وَتَابعه ابْن عبد الْبر هُنَا وَفِي تَرْجَمته لَهُ بالاستيعاب. ٥ هَكَذَا فِي ابْن هِشَام والمراجع الْمُخْتَلفَة وَفِي الأَصْل ور: خَالِد. ٦ هِيَ أم الْمُؤمنِينَ، وَكَانَت أَولا عِنْد زيد بن حَارِثَة، ثمَّ اقْترن بهَا بعده الرَّسُول. ٧ وَاضح أَن ابْن عبد الْبر جعل لِزَيْنَب أُخْتَيْنِ، هما حمْنَة وَأم حبيب أَو حَبِيبَة، وَتَابعه فِي ذَلِك السُّهيْلي قَائِلا: إِن حمْنَة كَانَت تَحت مُصعب بن عُمَيْر، وَكَانَت أم حبيب تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَعند ابْن عَسَاكِر أَن حمْنَة كَانَت تكنى بِأم حَبِيبَة لَا أم حبيب، أَي أَنَّهُمَا فَقَط زَيْنَب وَحمْنَة أم حَبِيبَة.
[ ٧٦ ]
وجدامة١ بنت جندل، وَأم قيس بنت مُحصن، وَأم حَبِيبَة بنت نباتة، وأمامة٢ بنت رُقَيْش.
ثمَّ خرج٣ عمر بْن الْخطاب وَعَيَّاش بْن أبي ربيعَة فِي عشْرين رَاكِبًا، فقدموا الْمَدِينَة، فنزلوا فِي العوالي فِي بني أُميَّة بْن زيد. وَكَانَ يُصَلِّي بهم سَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَكَانَ أَكْثَرهم قُرْآنًا. وَكَانَ هِشَام بْن الْعَاصِ بْن وَائِل قد أسلم، وواعد عمر بْن الْخطاب أَن يُهَاجر مَعَه، وَقَالَ: تجدني أَو أجدك عِنْد أضاة٤ بني غفار، فَفطن لهشام قومه، فحبسوه عَن الْهِجْرَة، ثمَّ إِن أَبَا جهل والْحَارث بْن هِشَام أَتَيَا الْمَدِينَة٥، فَكلما عَيَّاش بْن أبي ربيعَة، وَكَانَ أخاهما لِأُمِّهِمَا وَابْن عَمهمَا، وأخبراه أَن أمه قد نذرت أَن لَا تغسل رَأسهَا وَلَا تستظل حَتَّى ترَاهُ، فرقت نَفسه وصدقهما وَخرج رَاجعا مَعَهُمَا فكتفاه فِي الطَّرِيق، وبلغاه٦ مَكَّة، فحبساه بهَا مسجونا، إِلَى أَن خلصه الله بعد ذَلِك بِدُعَاء رَسُول اللَّه ﷺ لَهُ فِي قنوت الصَّلَاة: "اللَّهُمَّ أَنْج الْوَلِيد بْن الْوَلِيد وَسَلَمَة بْن هِشَام وَعَيَّاش بْن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْمُؤمنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف". ثمَّ استنقذ اللَّه عَيَّاش بْن أبي ربيعَة وسائرهم وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة.
وَكَانَ من جملَة القادمين مَعَ عمر بْن الْخطاب أَخُوهُ زيد بْن الْخطاب، وَسَعِيد بْن زيد بن عَمْرو بْن نفَيْل، وَعَمْرو وَعبد اللَّه ابْنا سراقَة بْن الْمُعْتَمِر، وَكلهمْ من بني عدي بْن كَعْب، وواقد بْن عَبْد اللَّهِ التَّمِيمِي٧، وخولي وَمَالك ابْنا أبي٨ خولي من بني عجل بْن لجيم حلفاء بني عدي بْن كَعْب، وَإيَاس وعاقل وعامر وخَالِد بَنو البكير اللَّيْثِيّ٩ حلفاء
_________________
(١) ١ استظهر السُّهيْلي أَن تكون جدامة بنت وهب بن مُحصن. انْظُر الرَّوْض الْأنف ١/ ٢٨٧. ٢ فِي ابْن سيد النَّاس وَأكْثر المصادر: أمينة. ٣ نقل ابْن سيد النَّاس فِي ١/ ١٧٤ هَذِه الْفَقْرَة عَن ابْن عبد الْبر. ٤ كلمة الأضاة تمد وتقصر وَهِي الغدير، وَكَانَت أَضَاء بني غفار خَارج مَكَّة على بعد بضعَة أَمْيَال مِنْهَا. ٥ عِنْد بعض أهل السّير أَنه كَانَ مَعَهُمَا الْعَاصِ بن هِشَام. ٦ هَكَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ابْن سيد النَّاس وبلغا بِهِ. ٧ هَكَذَا فِي ابْن هِشَام وَغَيره، وَهُوَ يتطابق مَعَ مَا ذكره ابْن عبد الْبر فِي حَدِيثه عَن أول النَّاس إِيمَانًا بالرسول وَفِي تَرْجَمته بكتابه الِاسْتِيعَاب وَفِي الأَصْل ور: التَّيْمِيّ. ٨ اسْم أبي خولي عَمْرو بن زُهَيْر، وَقيل إِنَّه جعفي لَا عجل. ٩ اللَّيْثِيّ: أَي من بني سعد بن اللَّيْث.
[ ٧٧ ]
بني عدي بْن كَعْب، وخنيس بْن حذافة السَّهْمِي وَزَوجته حَفْصَة بنت عمر بْن الْخطاب. نزلُوا بقباء على رِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذر فِي بني عَمْرو بْن عَوْف.
ثمَّ قدم طَلْحَة بْن عبيد اللَّه، فَنزل هُوَ وصهيب بْن سِنَان على خبيب بْن إساف١ فِي بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج٢، وَيُقَال: بل نزل طَلْحَة على أبي أُمَامَة أسعد بْن زُرَارَة. وَكَانَ صُهَيْب ذَا مَال، فاتبعته قُرَيْش ليقتلوه ويأخذوا مَاله، فَلَمَّا أشرفوا عَلَيْهِ وَنظر مِنْهُم ونظروا إِلَيْهِ قَالَ لَهُم: قد تعلمُونَ أَنِّي من أرماكم رجلا، وَوَاللَّه لَا تصلونَ إِلَيَّ أَو يَمُوتَ مِنْكُم من شَاءَ اللَّه أَن يَمُوت، قَالُوا: فاترك مَالك، وانهض. قَالَ: مَالِي خلفته بِمَكَّة، وَأَنا أُعْطِيكُم أَمارَة فتأخذونه، فَعَلمُوا صدقه، وَانْصَرفُوا عَنهُ إِلَى مَكَّة بِمَا أَعْطَاهُم من الأمارة، فَأخذُوا مَاله، فَنزلت فِيهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مرضاة الله وَالله رءوف بالعباد﴾ الْآيَة.
وَنزل حَمْزَة بْن عَبْد الْمطلب وحليفاه: أَبُو مرْثَد الغنوي، وَابْنه مرْثَد بْن أبي مرْثَد، وَزيد بْن حَارِثَة وأنسة٣ وَأَبُو كَبْشَة٤ موَالِي رَسُول اللَّه ﷺ على كُلْثُوم بْن الْهدم أخي بني عَمْرو بْن عَوْف بقباء. وَيُقَال: بل نزلُوا على سعد بْن خَيْثَمَة، وَقيل: إِن حَمْزَة نزل على أبي أُمَامَة أسعد بْن زُرَارَة.
وَنزل عُبَيْدَة، والطفيل وَالْحصين، بَنو الْحَارِث بْن عَبْد الْمطلب بْن عَبْد منَاف، ومسطح٥ بْن أَثَاثَة بْن عباد بْن الْمطلب، وسويبط بْن سعد بْن حَرْمَلَة٦ الْعَبدَرِي، وطليب بْن عُمَيْر من بني عَبْد بْن قصي، وخباب بْن الْأَرَت مولى عتبَة بْن غَزوَان٧، على عَبْد اللَّهِ بْن سَلمَة العجلابي بقباء.
_________________
(١) ١ فِي الِاسْتِيعَاب ص١٦٨: يُقَال فِيهِ يسَاف بِالْيَاءِ، وَلم يكن خبيب مُسلما حِين نزل عَلَيْهِ طَلْحَة وصهيب، وَقد تَأَخّر فِي إِسْلَامه إِلَى أَن خرج الرَّسُول إِلَى غَزْوَة بدر فَلحقه فِي الطَّرِيق وَأسلم وَشهد بَدْرًا وَسَائِر الْمشَاهد. وَقد قتل أُميَّة بن خلف يَوْم بدر فِيمَا ذكر الروَاة. ٢ فِي ابْن هِشَام أَن بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج كَانُوا ينزلون فِي السنح، وَهُوَ أَطَم أَو حصن لَهُم كَانَ على مَسَافَة ميل من الْمَسْجِد النَّبَوِيّ. ٣ من مولدِي السراة، شهد مَعَ الرَّسُول ﷺ سَائِر الْمشَاهد وَتُوفِّي فِي خلَافَة أبي بكر. ٤ يُقَال إِن أَصله من الْفرس، وَله بلَاء حسن مَعَ الرَّسُول فِي الْمشَاهد، مَاتَ فِي خلَافَة عمر. ٥ هَكَذَا فِي ر وابْن هِشَام وَجَمِيع المصادر، وَفِي الأَصْل: مُسلم، وَهُوَ تَصْحِيف. ٦ هَكَذَا فِي الأَصْل والاستيعاب ص٥٩٩ وَفِي ابْن هِشَام: حُرَيْمِلَة. ٧ هَكَذَا فِي ر، وَفِي الأَصْل: عَبْدَانِ، وَهُوَ تَحْرِيف.
[ ٧٨ ]
وَنزل عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي رجال من الْمُهَاجِرين على سعد بْن الرّبيع فِي بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج.
وَنزل الزبير بْن الْعَوام وَأَبُو سُبْرَة بْن أبي رهم على الْمُنْذر بْن مُحَمَّد بْن عقبَة بْن أحيحة بْن الجلاح فِي بني جحجبي١.
وَنزل مُصعب بْن عُمَيْر بْن هِشَام بْن عَبْد منَاف بْن عَبْد الدَّار على سعد بْن معَاذ بْن النُّعْمَان الأشْهَلِي فِي بني عَبْد الْأَشْهَل.
وَنزل أَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة، وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَعتبَة بْن غَزوَان الْمَازِني على عباد بْن بشر بْن وقش فِي بني عَبْد الْأَشْهَل.
وَنزل عُثْمَان بْن عَفَّان على أَوْس بْن ثَابت أخي حسان بْن ثَابت فِي بني النجار.
وَنزل العزاب على سعد بْن خَيْثَمَة وَكَانَ عزبا.
وَلم يبْق بِمَكَّة أحد من الْمُسلمين إِلَّا رَسُول اللَّه ﷺ وَأَبُو بكر وَعلي٢، أَقَامَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بأَمْره. وَحبس قوم كرها، حَبسهم قَومهمْ، فَكتب اللَّه لَهُم أجر الْمُجَاهدين بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من حرصهم على الْهِجْرَة.
فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش أَن الْمُسلمين قد صَارُوا إِلَى الْمَدِينَة، وَقد دخل أَهلهَا فِي الْإِسْلَام قَالُوا هَذَا شَرّ شاغل لَا يُطَاق. فَأَجْمعُوا أَمرهم على قتل٣ رَسُول اللَّه ﷺ فبيتوه، ورصدوه على بَاب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إِذا خرج. فَأمر النَّبِي ﷺ على بْن أبي طَالب أَن ينَام على فرَاشه، ودعا اللَّه ﷿ أَن يُعَمِّيَ عَلَيْهِم أَثَره، فطمس اللَّه على أَبْصَارهم، فَخرج وَقد غشيهم النّوم، فَوضع على رُءُوسهم تُرَابا ونهض٤. فَلَمَّا أَصْبحُوا خرج عَلَيْهِم عَليّ وَأخْبرهمْ أَن لَيْسَ فِي الدَّار دَيَّارٌ، فَعَلمُوا أَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد فَاتَ وَنَجَا٥.
وتواعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أبي بكر الصّديق لِلْهِجْرَةِ، فدفعا راحلتيهما إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن أرقط، وَيُقَال ابْن أريقط، الديلِي، وَكَانَ كَافِرًا لكنهما وثقا بِهِ، وَكَانَ دَلِيلا بالطرق، فاستأجراه ليدل بهما إِلَى الْمَدِينَة*.
_________________
(١) ١جحجبي: جد أحيحة، وَكَانَت دَارهم الَّتِي نزلها الزبير وَأَبُو سَلمَة تسمى الْعصبَة كهمزة وَكَانَت بقباء. ٢ وَأَيْضًا إِلَّا من حبس كرها كَمَا سَيذكرُ ابْن عبد الْبر، وَإِلَّا من فتن عَن دينه الحنيف. ٣ فِي ابْن هِشَام وَغَيره من كتب السّير أَن قُريْشًا لما رَأَتْ الرسَالَة النَّبَوِيَّة تشيع فِي الْعَرَب، وَرَأَوا خُرُوج أَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة خَشوا عَاقِبَة ذَلِك، وخاصة أَن الْمَدِينَة كَانَت فِي طَرِيق قوافلهم التجارية إِلَى الشَّام، فتداعوا للاجتماع بدار الندوة كي يتشاوروا فِيمَا يصنعون بالرسول، وَيُقَال إِن أَبَا البخْترِي بن هِشَام أَشَارَ بحبسه، وَأَشَارَ أَبُو الْأسود ربيعَة بن عُمَيْر بِإِخْرَاجِهِ ونفيه. ورفض المجتمعون الرأيين، وَاتَّفَقُوا على قَتله وَأَن تقوم بذلك مَجْمُوعَة من قُرَيْش تتألف من كل عشيرة فِيهَا، بِحَيْثُ تنتدب عَنْهَا شَابًّا فتيا، ويعمدون إِلَيْهِ فَيَضْرِبُونَهُ بسيوفهم -شلت أَيْديهم- ضَرْبَة رجل وَاحِد، وَبِذَلِك يتوزع دَمه فِي جَمِيع العشائر، فَلَا يقدر بَنو عبد منَاف على حربهم. ٤ فِي بعض الرِّوَايَات أَن الرَّسُول كَانَ يحثو على رُءُوسهم التُّرَاب وَهُوَ يَتْلُو الْآيَات الأولى من سُورَة يس حَتَّى قَوْله تَعَالَى: ﴿فأغشيناهم فهم لَا يبصرون﴾ . ٥ أَشَارَ الْقُرْآن الْكَرِيم إِلَى مَا كَانَت تبيته قُرَيْش من قتل الرَّسُول فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾، وَقَوله جلّ شَأْنه: ﴿أم يَقُولُونَ شَاعِر نتربص بِهِ ريب الْمنون، قل تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعكُمْ من المتربصين﴾ . * جَاءَ فِي الصَّحِيح أَنه كَانَ هاديا خريتا، قلت: يُؤْخَذ من ذَلِك جَوَاز الِاعْتِمَاد على الْكَافِر فِي الْأُمُور الخطيرة إِذا غلب على الظَّن أَنه لَا يخون، كالاعتماد على الْكَافِر فِي الْكحل، وعَلى النَّصَارَى فِي الطِّبّ وَالْكِتَابَة والحساب وَنَحْو ذَلِك مَا لم تكن ولَايَة فِيهَا عز، فَلَا يجوز الِاعْتِمَاد عَلَيْهِم فِيهَا. وَلَا يلْزم من مُجَرّد كَونه كَافِرًا أَن لَا يوثق بِهِ فِي شَيْء، فَإِنَّهُ لَا شَيْء أخطر من الدّلَالَة فِي الطّرق، وَلَا سِيمَا فِي مثل الْهِجْرَة، وَمَعَ ذَلِك فقد اعْتمد فِيهَا على هَذَا الديلِي وَهُوَ كَافِر، وحمدت الْعَاقِبَة فِي ذَلِك وَالْحَمْد لله. والخريت: الحاذق الَّذِي يعرف مضايق الطّرق وَلَو مثل خرت "ثقب" الأبرة. وَجَاء فِي بعض الطّرق: فَأخذ بهم يَد بَحر أَي طَرِيق السَّاحِل. وَجَاء أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأبي بكر: "لَا أركب الرَّاحِلَة إِلَّا بِالثّمن" فَقَالَ أَبُو بكر: بِالثّمن يَا رَسُول الله. وَقَالَ بعض أهل الْعلم: قد ورد أَن أَبَا بكر أنْفق على النَّبِي ﷺ مَاله كُله، وَقَالَ ﵇: "إِن آمنكم عَليّ فِي مَاله أَبُو بكر". فَمَا وَجه كَونه امْتنع أَن يركب الرَّاحِلَة إِلَّا بِالثّمن؟ وَأجِيب أَنه ﵇ أَرَادَ أَن تكون هجرته لله بِنَفسِهِ وبماله، لَا يَسْتَعِين فِي ذَلِك بالخلق. استحسنه السُّهيْلي [انْظُر الرَّوْض الْأنف ٢/ ٣] . ويقويه عِنْدِي أَنه ﵇ قَالَ فِي المربد الَّذِي اتَّخذهُ مَسْجِدا: "لَا آخذه إِلَّا بِالثّمن". وَلم يفعل ذَلِك فِي منزل أبي أَيُّوب. وَيحْتَمل عِنْدِي أَن يكون إِنْفَاق أبي بكر على النَّبِي ﷺ من مَاله إِنَّمَا أُرِيد بِهِ الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله لأجل رَسُول الله ومواساة أَصْحَابه ﵈ لِمَكَانِهِمْ مِنْهُ ﵇، وَلَا يُرِيد الْإِنْفَاق عَلَيْهِ فِي ذَاته وَلَا فِي قوام حَيَاته، فَلهَذَا أعطَاهُ ثمن الرَّاحِلَة.
[ ٧٩ ]