وَأمر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بكر بِالْخرُوجِ إِلَى الْحَج وإقامته للنَّاس، فَخرج أَبُو بكر لذَلِك، وَنزل صدر٣ سُورَة بَرَاءَة بعده. فَقيل لَهُ: يَا رَسُول اللَّه لَو بعثت بهَا إِلَى أبي بكر يقْرؤهَا على النَّاس فِي الْمَوْسِم؟ فَقَالَ: "إِنَّه لَا يُؤَدِّيهَا عني إِلَّا رجل من أهل بَيْتِي". ثمَّ دَعَا عليا، فَقَالَ لَهُ: "اخْرُج بِهَذِهِ الْقُصَّةِ من صدر بَرَاءَة، وَأَذِّنْ بهَا فِي النَّاس يَوْم النَّحْر إِذا اجْتَمعُوا بمنى". وَأمره بِمَا يُنَادي٤ بِهِ فِي الْمَوْسِم فَخرج على نَاقَة رَسُول اللَّه ﷺ العضباء، حَتَّى أدْرك أَبَا بكر بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر بِمَا رَآهُ: أَمِيرا٥ أَو مَأْمُورا؟ قَالَ: بل مَأْمُورا.
ثمَّ نهضا، فَأَقَامَ أَبُو بكر للنَّاس الْحَج سنة تسع على مَنَازِلهمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة. وَقد قيل: إِن حجَّة أبي بكر وَقعت حِينَئِذٍ فِي ذِي الْقعدَة على مَا كَانُوا عَلَيْهِ من
_________________
(١) ١ انْظُر فِي حجَّة أبي بكر بِالنَّاسِ سنة تسع ابْن هِشَام ٤/ ١٨٨ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص١٢١ وتاريخ الطَّبَرِيّ ٣/ ١٢٢ وَالْبُخَارِيّ ٥/ ١٦٧ وَابْن حزم ص٢٥٨ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٢٣١ وَابْن كثير ٥/ ٣٦. ٢ قَالَ ابْن سعد: إِنَّه خرج من الْمَدِينَة فِي ثَلَاثمِائَة رجل وَبعث مَعَه الرَّسُول بِعشْرين بَدَنَة وسَاق أَبُو بكر خمس بدنات. ٣ وَفِيه بَرَاءَة من عهد كل مُشْرك لم يسلم أَن يدْخل الْمَسْجِد الْحَرَام بعد هَذَا الْعَام التَّاسِع لِلْهِجْرَةِ وَبَيَان لمُدَّة مَضْرُوبَة هِيَ أَرْبَعَة أشهر حَتَّى يرجع كل قوم إِلَى مأمنهم أَو بِلَادهمْ. ثمَّ لَا يقبل مِنْهُم بعد ذَلِك إِلَّا الْإِسْلَام طَوْعًا أَو كرها. وسرعان مَا دخل فِي دين الله من كَانَ لَا يزَال مُشْركًا. وسيوضح ابْن عبد الْبر ذَلِك عَمَّا قَلِيل. ٤ فِي ابْن هِشَام أَن عليا كَانَ يُنَادي فِي النَّاس: لَا يدْخل الْجنَّة كَافِر وَلَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان. وَقد كره الرَّسُول أَن يحجّ فِي هَذَا الْعَام، وَلَا يزَال مشركون عُرَاة يشركُونَ الْمُسلمين فِي حجهم، وَسَيذكر ابْن عبد الْبر ذَلِك. ٥ يُرِيد أَبُو بكر: هَل اسْتعْمل الرَّسُول عليا أَمِيرا على الْحَج أَو أَنه جَاءَ لغَرَض آخر. وَذكر لَهُ عَليّ مَا جَاءَ لَهُ من تِلَاوَة صدر سُورَة بَرَاءَة على النَّاس فِي الْحَج.
[ ٢٥٠ ]
النسيء فِي الْجَاهِلِيَّة. وروى معمر، عَن [ابْن] أبي نجيح، عَن مُجَاهِد فِي قَوْله [تَعَالَى]: ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ قَالَ: كَانُوا يحجون [فِي كل] ١ شهر عَاميْنِ، حجُّوا فِي ذِي الْحجَّة عَاميْنِ، ثمَّ حجُّوا فِي الْمحرم عَاميْنِ، ثمَّ حجُّوا فِي صفر عَاميْنِ، حَتَّى وافت حجَّة أبي بكر [فِي٢ الآخر من العامين] فِي ذِي الْقعدَة قبل حجَّة النَّبِي ﷺ ثمَّ حج النَّبِي ﷺ من قَابل [فِي] ذِي الْحجَّة، فَذَلِك قَوْله ﷺ حَيْثُ يَقُول: "إِنَّ الزَّمَنَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ".
قَالَ معمر، قَالَ الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بْن الْمسيب: لما قفل رَسُول اللَّه ﷺ من حنين اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة وَأَمَّرَ أَبَا بكر على تِلْكَ الْحجَّة.
وَذكر ابْن جريج عَن مُجَاهِد، قَالَ: لما انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ من تَبُوك أَرَادَ الْحَج ثمَّ قَالَ: "إِنَّهُ يَحْضُرُ الْبَيْتَ عُرَاةٌ مُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَلا أُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ". فَأَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ أَرْدَفَهُ عَلِيًّا.
قَالَ أَبُو عمر:
بعث عليا ينْبذ إِلَى كل ذِي عهد عَهده، ويعهد إِلَيْهِم أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان مَعَ سَائِر مَا أمره أَن يُنَادي بِهِ فِي كل موطن من مَوَاطِن الْحَج. فَأَقَامَ الْحَج ذَلِك الْعَام سنة تسع أَبُو بكر. ثمَّ حج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من قَابل حجَّته الَّتِي لم يحجّ من الْمَدِينَة غَيرهَا. فَوَقَعت حجَّة رَسُول اللَّه ﷺ فِي الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْحجَّة، فَقَالَ: "إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ " الحَدِيث وَثَبت الْحَج فِي ذِي الْحجَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّحْر فِي حجَّة أبي بكر قَامَ عَليّ فَأذن فِي النَّاس بِالَّذِي أمره بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة كَافِر". رُوِيَ فِي حَدِيثه هَذَا: لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة وَلَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ لَهُ عِنْد رَسُول الله
_________________
(١) ١ زِيَادَة من ر. والعبارة فِي الأَصْل: كَانُوا يحجون فِي شهر ذِي الْقعدَة عَاميْنِ. ٢ هَكَذَا فِي ر. وَفِي الأَصْل: الْأَخِيرَة.
[ ٢٥١ ]
عهد فَهُوَ إِلَى مدَّته. وَأَجَّلَ الناسَ أربعةَ أشهر من يَوْم أَذَّنَ فيهم ليرْجع كل قوم إِلَى مأمنهم وبلادهم ثمَّ لَا عهد لِمُشْرِكٍ وَلَا ذمَّة لأحد كَانَت لَهُ عِنْد رَسُول اللَّه ﷺ. فَلَمْ يحجّ بعد ذَلِك الْعَام مُشْرك وَلم يطف بِالْبَيْتِ عُرْيَان.
حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث بْن سُفْيَان، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ:
أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
قَالَ١: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ٢، قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ حُصَيْنٍ٣ "قَالَ" وَأَخْبَرَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حج رَسُول اللَّه ﷺ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن علبة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّمَوَات وَالْأَرْض، السّنة اثْنَا عشر شهر، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ مُفْرَدٌ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَان".
_________________
(١) ١ لَعَلَّه ابْن حَرْب فِي سَنَد الحَدِيث السالف. ٢ هَكَذَا فِي الأَصْل ور، وَلَعَلَّه الْعَوام كَمَا فِي السَّنَد السَّابِق. ٣ فِي الأَصْل ور: حُسَيْن وَلَعَلَّه تَحْرِيف.
[ ٢٥٢ ]