وَأحسن حَدِيث فِي الْحَج وأتمه حَدِيث جَابر، حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرِ وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن وَضاع، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَدَّثَنَا:
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ أَذَّنَ٢ فِي النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَاجٌّ الْعَامَ، فَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَيَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ. فَخرج رَسُول اللَّه، ﷺ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَى ذَا
_________________
(١) ١ سَاق ابْن عبد الْبر هَذَا الحَدِيث بروايتين، وَثَانِيهمَا تطابق رِوَايَة مُسلم "انْظُر صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٨/ ١٧٠" وَكَذَلِكَ رِوَايَة سنَن أبي دَاوُد فِي ١/ ١٨٩. وَقد تكلم الْعلمَاء على مَا فِيهِ من الْفِقْه وَأَكْثرُوا وأفرد بَعضهم لَهُ مصنفا خَاصّا سَاق فِيهِ مَا تضمن من مسَائِل الشَّرِيعَة. ٢ أذن فِي النَّاس: أعلمهم بذلك وأشاعه فيهم.
[ ٢٦٠ ]
الحليقة١. وَنَفِسَتْ٢ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي ٣ بِثَوْبٍ، ثُمَّ أَهِلِّي" ٤. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ. لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. قَالَ: وَلَبَّى النَّاسُ وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ: ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلامِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْمَعُ وَلا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا. فَنَظَرْتُ مَدَّ٥ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ شِمَالِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ جَابِرٌ: وَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَيْنَ أَظْهُرِنَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا. فَخَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ٦، فَاسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، الْحَجَرَ الأَسْوَدَ، ثُمَّ رَمَلَ٧ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. حَتَّى إِذَا فَرَغَ عَمَدَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيم مصلى﴾ . قَالَ جَعْفَرٌ: قَالَ أَبِي: فَقَرَأَ فِيهِمَا٨ بِالتَّوْحِيدِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد﴾ و﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ [الأَسْوَدَ] ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا فَقَالَ: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِر الله﴾ . وَرَقَى عَلَى الصَّفَا حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: "لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [وَحْدَهُ] أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَصَدَقَ عَبْدَهُ وَغَلَبَ أَوْ قَالَ: هَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، [ثُمَّ دَعَا] ٩ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلامِ، ثمَّ
_________________
(١) ١ ذُو الحليفة: مِيقَات أهل الْمَدِينَة على بعد سِتَّة أَمْيَال مِنْهَا، وَفِيه يحرمُونَ بِالْحَجِّ أَو الْعمرَة أَو بهما مَعًا. وَاخْتلف الْعلمَاء هَل قرن الرَّسُول فِي إهلاله "إِحْرَامه" الْحَج بِالْعُمْرَةِ، أَو أهل الْحَج وَحده أَو بِالْعُمْرَةِ وَحدهَا ثمَّ جمع إِلَيْهَا الْحَج فِي مَكَّة، والأرجح أَنه قرنهما مَعًا. ٢ نفست: من النّفاس، إِذْ ولدت ابْنهَا مُحَمَّدًا. ٣ استثفرى: احتجزي أثر النّفاس وَالدَّم بِقِطْعَة من ثوب. ٤ أهلى: أحرمي، والإهلال: رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. ٥ مد بَصرِي: مُنْتَهى بَصرِي. ٦ فِي ذَلِك مَا يدل على أَنه يَنْبَغِي للْحَاج أَن يدْخل مَكَّة وَيَطوف طواف الْقدوم قبل الْوُقُوف بِعَرَفَات. ٧ رمل: هرول. ثَلَاثًا: أَي ثَلَاث مَرَّات، والهرولة وَالْمَشْي جَمِيعًا من الْحجر الْأسود إِلَى الْحجر بِسُكُون الْجِيم أَو الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهُوَ طواف الْقدوم، وَهُوَ سَبْعَة أَشْوَاط. وَهُوَ تَحِيَّة الْبَيْت الْحَرَام. ٨ فيهمَا: أَي فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِأم الْقُرْآن ثمَّ بالسورتين القصيرتين التاليتين، فِي كل رَكْعَة سُورَة. ٩ زِيَادَة من ابْن سيد النَّاس وَغَيره يدل عَلَيْهَا الْمقَام وَقَوله رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلَام.
[ ٢٦١ ]
دَعَا١ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا الْكَلامِ. ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي سَعَى٢ حَتَّى صَعِدَ مَشْيًا حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَرَقَى عَلَيْهَا. حَتَّى إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ قَالَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ عَلَى الصَّفَا. فَلَمَّا كَانَ السَّابِع٣ بالمروة قَالَ: "أَيهَا النَّاسُ إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ ٤ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً" فَحَلَّ٥ النَّاسُ كُلُّهُمْ. وَقَالَ سراقَة بن خعثم، وَهُوَ فِي أَسْفَلِ الْمَرْوَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ قَالَ: "لِلأَبَدِ بَلْ لأَبَدِ [الأَبَدِ] " ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَقَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ مِنَ الْيَمَنِ وَقَدِمَ مَعَهُ بِهَدْيٍ، وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ هَدْيًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا فَاطِمَةُ قَدْ حَلَّتْ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَابِغَةً وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: أَمَرَنِي أَبِي. قَالَ عَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ٦، لَمْ يَذْكُرْهُ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْتُ مُحَرِّشًا٧ أَسْتَفْتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي ذَكَرَتْ فَاطِمَةُ. قَالَ: قُلْتُ إِنَّ فَاطِمَةَ لَبِسَتْ ثِيَابًا صَابِغَةً وَاكْتَحَلَتْ، وَقَالَتْ: أَمَرَنِي أبي، قَالَ: "صدقت، صَدَقَتْ، أَنَا أَمَرْتُهَا". قَالَ جَابِرٌ: فَقَالَ لِعَلِيٍّ: "بِمَ أَهْلَلْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ ﵇: "فَإِنَّ مَعِيَ ٨ الْهَدْيَ فَلا تَحِلَّ بِحَالٍ". وَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ عَلِيٌّ مِائَةً. فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ ثَلاثًا وَسِتِّينَ، وَأَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ٩ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمر رَسُول اللَّه ﷺ من كل
_________________
(١) ١ فِي الأَصْل ور: عَاد وَهُوَ تَحْرِيف من النَّاسِخ. ٢ سعى: أَي رمل وهرول. وَهُوَ السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة، وَهُوَ أَيْضا سَبْعَة أَشْوَاط. ٣ السَّابِع: أَي الشوط السَّابِع فِي السَّعْي. ٤ الْهَدْي: مَا يقدمهُ الْحَاج من الْأَضَاحِي للذبح يَوْم النَّحْر. ٥ وَاضح أَن الرَّسُول بعد الطّواف وَالسَّعْي فِي الْيَوْم الرَّابِع من ذِي الْحجَّة أَمر كل من لَا هدي مَعَه بِأَن يحل فَلَا يحرم عَلَيْهِ شَيْء، وَأَن يبْقى كَذَلِك إِلَى يَوْم التَّرويَة، يَوْم منى، وَهُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة فيهل حِينَئِذٍ بِالْحَجِّ، وكل ذَلِك تَخْفيف على الْمُسلمين. ٦ أَي حِين خرج إِلَيْهَا بعد توليه الْخلَافَة. ٧ محرشا: من التحريش وَهُوَ الإغراء بَين الْقَوْم. ٨ يُرِيد الرَّسُول أَنه أشركه فِي هَدْيه فَلَا يجوز لَهُ أَن يحل. ٩ غبر: بَقِي.
[ ٢٦٢ ]
بَدَنَةٍ١ بِبِضْعَةٍ٢ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَدْ نَحَرْتُ هَا هُنَا، وَمِنًي كُلُّهَا مَنْحَرٌ" وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ وَقَالَ: "وقفت هَا هُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". ثُمَّ أَتَى الْمزْدَلِفَة فَقَالَ: "وقفت هَا هُنَا، وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ".
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَرُبَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْكَلِمَةَ، قَالُوا: حَدثنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل: [و] ٣ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْفَهَانِيُّ وَهَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالا٤: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ الْكَلِمَةَ وَالْكَلِمَتَيْنِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلامٌ شَابٌّ، فَرَحَّبَ وَسَهَّلَ٥، وَدَعَا لِي. فَقَالُوا: جِئْنَا نَسْأَلُكَ فَقَالَ لِي: سل عَمَّا شِئْت يَا بن أَخِي، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَقَدَ تِسْعًا ثُمَّ قَالَ:
أَن رَسُول اللَّه ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ٦ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيفَ أصنع؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي
_________________
(١) ١ الْبَدنَة: النَّاقة المهداة للبيت للنحر. ٢ بضعَة: قِطْعَة من اللَّحْم. ٣ زِيَادَة من ر. ٤ هَكَذَا فِي ر، وَفِي الأَصْل: قَالَ. ٥ أَي قَالَ: أَهلا وسهلا ومرحبا. ٦ هَكَذَا فِي ر وَفِي الأَصْل: يَلْتَمِسُونَ.
[ ٢٦٣ ]
وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي". وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ١ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ٢ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ٣ وَيَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُول اللَّه ﷺ، بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْلَمُ٤ تَأْوِيلَهُ، فَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ٥. فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ٦. لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ. وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا يُهِلُّونَ [بِهِ٧] فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، [عَلَيْهِمْ٨] شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ٩ مَعَهُ اسْتَلَمَ١٠ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ١١ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيم مصلى﴾ فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. قَالَ جَعْفَرٌ: فَكَانَ أَبِي يَقُولُ -وَلا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلا عَنِ النَّبِي ﷺ- إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ١٢: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ من شَعَائِر الله﴾ "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاثَ مَرَّات
_________________
(١) ١ الْقَصْوَاء: نَاقَته الَّتِي هَاجر عَلَيْهَا فِي بعض الرِّوَايَات. ٢ هَكَذَا فِي مُسلم وَفِي الأَصْل ور: من بَين يَدَيْهِ. ٣ فِي مُسلم: وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يسَاره مثل ذَلِك. ٤ فِي مُسلم: يعرف. ٥ هَكَذَا فِي ر وَفِي مُسلم: وَفِي الأَصْل: عَمِلْنَاهُ. ٦ بِالتَّوْحِيدِ: أَي بالعبارات التالية. ٧ زِيَادَة من مُسلم. ٨ زِيَادَة من ر وَمُسلم ٩ الْبَيْت: الْكَعْبَة. ١٠ اسْتَلم الرُّكْن: مسح بِيَدِهِ عَلَيْهِ، وَالْمرَاد بالركن، الرُّكْن الَّذِي بِهِ الْحجر الْأسود، وَرُبمَا أُرِيد بِهِ الرُّكْن الْيَمَانِيّ الَّذِي إِلَيْهِ مُنْتَهى الطّواف. ١١ فِي مُسلم: نفذ. ١٢ أَي اللَّتَيْنِ صلاهما بجوار الْمقَام.
[ ٢٦٤ ]
ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ. فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ: "لَوْ أَنِّي ١ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ [مِنْكُمْ ٢] لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحِلَّ ٣ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً" فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلا النَّبِيَّ ﵇ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْثُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، بَيْنَ أَصَابِعِهِ٤ ثُمَّ قَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ -مَرَّتَيْنِ- لَا، بَلْ لأَبَدِ الأَبَدِ" ٥. قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنٍ إِلَى النَّبِي ﷺ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُول اللَّه، ﷺ، مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، وَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ" ثُمَّ قَالَ: "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ ٦ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلا تَحِلَّ". قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِنَ الْمَدِينَةِ مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلا النَّبِيَّ ﵇ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ٧ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ. وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا٨ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ٩. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلا، حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ١٠. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) ١ فِي ر: إِنِّي لَو. ٢ زِيَادَة من ر وَمُسلم. ٣ حل من إِحْرَامه يحل بِكَسْر الْحَاء، وَأحل: خرج. ٤ فِي مُسلم: فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعه وَاحِدَة فِي الْأُخْرَى. ٥ فِي مُسلم: بل لأبد أَبَد. ٦ فرضت الْحَج: نَوَيْت الْقيام بِفَرِيضَتِهِ. ٧ هُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة، وَفِيه يحرم من كَانَ بِمَكَّة، وواضح أَنه أحرم بِهِ من كَانُوا أحلُّوا. ٨ هَكَذَا فِي مُسلم، وَفِي الأَصْل ور: بِنَا. ٩ فِي مُسلم: وَالْفَجْر. ١٠ نمرة: مَوضِع بِجنب عَرَفَات.
[ ٢٦٥ ]
وَلا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ١ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ٢ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ٣ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ٤ لَهُ. فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ٥ فَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا [فِي بَلَدِكُمْ ٦ هَذَا] أَلا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ٧ تَحْتَ قَدَمَيَّ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ رَبِيعَةَ ٨ بْنِ الْحَارِثِ -كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ [رِبَانَا] ٩: رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ١٠، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ [ذَلِكَ] ١١ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ١٢، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ ١٣ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ " قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيُشِيرُ١٤ إِلَى النَّاسِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ". ثُمَّ أَذَّنَ١٥، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ
_________________
(١) ١ الْمشعر الْحَرَام: جبل بِالْمُزْدَلِفَةِ. ٢ فَأجَاز: أَي جَاوز الْمزْدَلِفَة وَلم يقف بهَا بل توجه إِلَى عَرَفَات. ٣ زاغت: زَالَت. ٤ رحلت لَهُ: وضع عَلَيْهَا رَحلهَا اسْتِعْدَادًا لركوبه. ٥ أَي على رَاحِلَته. ٦ زِيَادَة من مُسلم. ٧ هَكَذَا فِي مُسلم، وَفِي الأَصْل ور: تَحت قدمي مَوْضُوع. ٨ فِي مُسلم: دم ابْن ربيعَة بن الْحَارِث. ٩ زِيَادَة من مُسلم. ١٠ فِي مُسلم: بِأَمَان الله. ١١ زِيَادَة من مُسلم. ١٢ غير مبرح: لَيْسَ بشديد وَلَا شاق، من البرح وَهُوَ الْمَشَقَّة، وَهُوَ الضَّرْب الَّذِي لَا يجرح وَلَا يكسر عظما. ١٣ فِي مُسلم: تسْأَلُون. ١٤ فِي مُسلم: وينكتها أَي يقلبها ويرددها إِلَى النَّاس مُشِيرا إِلَيْهِم. ١٥ أذن: أَي أذن بِلَال.
[ ٢٦٦ ]
الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخَرَاتِ١، وَجَعَلَ حَبْلَ٢ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ٣، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلا حِينَ٤ غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ وَقَدْ شَنَقَ الْقَصْوَاءَ٥، حَتَّى إِنَّ رَأسهَا ليصيب مورك٦ رَحْله، [و] ٧يَقُول بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ" كُلَّمَا أَتَى حَبْلا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ٨، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ٩. بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ. وَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا١٠، حَتَّى أَسْفَرَ١١ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلا أَبْيَضَ حَسَنَ الشَّعْرِ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مَرَّتْ [بِهِ] ١٢ الظُّعُنُ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ١٣ [فَحَوَّلَ١٤ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ] يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا١٥، فَحَرَّكَ١٦ قَلِيلا ثمَّ سلك الطَّرِيق
_________________
(١) ١ الصخرات: هِيَ صخرات مفترشات فِي أَسْفَل جبل الرَّحْمَة بوسط أَرض عَرَفَات. ٢ الْحَبل: التل من الرمل. وحبل المشاة: أَي مجتمعهم. ٣ هَكَذَا فِي مُسلم، وَفِي الأَصْل: الْمَدِينَة. ٤ فِي ر وَمُسلم: حَتَّى. ٥ شنق النَّاقة: كفها بزمامها، وَفِي مُسلم: وَقد شنق للقصواء زمامها. ٦ مورك الرحل: الْموضع الَّذِي يثني الرَّاكِب رجله عَلَيْهِ قُدَّام وَاسِطَة الرحل إِذا مل من الرّكُوب. ٧ زِيَادَة من ر وَمُسلم. ٨ أَي فِي اللَّيْلَة الْعَاشِرَة من ذِي الْحجَّة. ٩ هُوَ صبح يَوْم النَّحْر وَيَوْم الْأَضْحَى وَيَوْم الْعِيد وَيَوْم الْحَج الْأَكْبَر. ١٠ أَي على رَاحِلَته. ١١ أَي الصُّبْح. ١٢ زِيَادَة من مُسلم. ١٣ فِي هَذَا الحَدِيث حث وَاضح على غض الْبَصَر عَن الأجنبيات دفعا للفتنة. ١٤ زِيَادَة من مُسلم، سَقَطت من الأَصْل ور. ١٥ فِي مُسلم: حَتَّى أَتَى بطن محسر، وَهُوَ وَاد بِالْمُزْدَلِفَةِ وَقيل: مَوضِع بَينهَا وَبَين منى. ١٦ أَي نَاقَته.
[ ٢٦٧ ]
الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ إِلَى مَا يَلِي١ الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ٢ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا -حَصًا مِثْلُ حَصَا الْحَذْفِ٣- رَمَاهَا٤ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَيْتِ فَأَفَاضَ٥، وَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ وَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: "انْزِعُوا ٦ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ على سِقَايَتكُمْ ٧ لنزعت مَعكُمْ" وناوله دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ ﷺ.
_________________
(١) ١ فِي مُسلم: تخرج على الْجَمْرَة الْكُبْرَى. ٢ هَكَذَا فِي مُسلم. وَفِي الأَصْل ور: الْمَسْجِد. والجمرة الَّتِي عِنْد الشَّجَرَة هِيَ نفس الْجَمْرَة الْكُبْرَى. وَهِي جَمْرَة الْعقبَة. ٣ الْحَذف: الرَّمْي بأطراف الْأَصَابِع، أَي: أَنه حَصى صَغِير نَحْو حَبَّة الباقلاء. ٤ رَمَاهَا بعد طُلُوع الشَّمْس كَمَا هُوَ وَاضح من السِّيَاق. ٥ فِي مُسلم: فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْت: أَي طَاف طواف الْإِفَاضَة، وَهُوَ أحد أَرْكَان الْحَج. ٦ انزعوا: استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء. ٧ يُرِيد ﵇: أَنه لَوْلَا خَوفه أَن يعْتَقد النَّاس أَن ذَلِك من مَنَاسِك الْحَج فيزدحموا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَغْلِبُونَكُمْ ويدفعونكم عَن سِقَايَة الْحَج لاستقيت مَعكُمْ، لما فِي ذَلِك من كَثْرَة الْفَضِيلَة.
[ ٢٦٨ ]