وَلما أعلن رَسُول اللَّهِ ﷺ الدُّعَاء إِلَى اللَّه تَعَالَى نابذته قُرَيْش، ورموه بالبهتان، وجاهروا فِي عداوته، وأظهروا الْبغضَاء لَهُ، وآذوه. وآذو من اتبعهُ، بِكُل مَا أمكنهم من الْأَذَى. فَأَما رَسُول اللَّه ﷺ فأجاره عَمه أَبُو طَالب، وَمنع مِنْهُ. وَكَذَلِكَ أَجَارَ أَبَا بكر قومه، ثمَّ أسلموه فأجاره ابْن الدغنة٤. وأجار العَاصِي بْن وَائِل عمر بْن الْخطاب.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكِيرٍ٥، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ٦، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلالٌ، وَالْمِقْدَادُ. فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ الله
_________________
(١) ٣ رَاجع فِيمَن آذوا الرَّسُول وَأَصْحَابه وَفِي المجاهرين بعدوانه والْمُسْتَهْزِئِين ابْن هِشَام ١/ ٢٨٠ وَابْن سعد ج١ ق١ ص١٣٣ وصحيح البُخَارِيّ ٥/ ٤٥ وصحيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٢/ ١٥١ والمحبر لِابْنِ حبيب "طبعة حيدر آباد" ص١٥٧ وَمَا بعْدهَا وَابْن حزم ص٥٢ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٠٢ وَمَا بعْدهَا والنويري ١٦/ ١٩٨. ٤ هُوَ مَالك بن الدغنة سيد الْأَحَابِيش، وهم بَنو الْحَارِث الكنانيون والهون بن خُزَيْمَة القاريون الكنانيون قوم ابْن الدغنة وَبَنُو المصطلق الخزاعيون. تحالفوا عِنْد جبل يُقَال لَهُ حبشِي فسمو الْأَحَابِيش. وَانْظُر الرَّوْض الْأنف لِلسُّهَيْلِي ١/ ٢٣١. ٥ فِي ر: بكر. ٦ هُوَ عبد الله بن مَسْعُود، وَقد ذكر ابْن عبد الْبر هَذَا الحَدِيث فِي كِتَابه الِاسْتِيعَاب ص٥٨.
[ ٤١ ]
بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ١ فِي الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ إِلا مَنْ وَاتَاهُمْ٢ فِيمَا أَرَادُوا وَأَوْهَمَهُمْ بِذَلِكَ إِلا بِلالٌ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ ﷿، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخَذُوهُ، وَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ٣، فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ، أَحَدٌ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ سَوَاءً٤، وَزَادَ فِي قِصَّةِ بِلالٍ: وَجَعَلُوا فِي عُنُقِهِ حَبْلا، وَدَفَعُوهُ إِلَى الصِّبْيَانِ يَلْعَبُونَ بِهِ، حَتَّى أَثَّرَ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ مَلُّوهُ فَتَرَكُوهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة٥. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَلا مُجَاهِدٌ فِي هَذَا الْخَبَرِ خَدِيجَةَ وَلا عَلِيًّا، وَهُمَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لأَنَّهُمَا كَانَا فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ كَانَ فِي جِوَارِ عَمِّهِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ٦ لَمْ يَظْهَرْ إِلَى قُرَيْشٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ، فَلَمْ يُؤْذَيَا. وَهَؤُلاءِ السَّبْعَةُ ظَهَرَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، فَلَقَوُا الأَذَى الشَّدِيدَ مِنْ قَوْمِهِمْ فَقَصَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى الْخَبَرِ عَنْهُمْ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ٧:
سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ
_________________
(١) ١ فِي ر: وسمروهم. ٢ واثاهم: أطاعهم. ٣ الْولدَان: الغلمان وَالصغَار. ٤ ذكر ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب ص٥٩ أَن حَدِيث مُجَاهِد فِي معنى حَدِيث ابْن مَسْعُود إِلَّا أَنه لم يذكر بَين السَّبْعَة الْمِقْدَاد وَذكر مَوْضِعه خبابا. ٥ انْظُر تَرْجَمته فِي الاسيتعاب ص٥٨ وَمَا بعْدهَا. وَقد وصف ابْن هِشَام فِي السِّيرَة ١/ ٢٠٥ تَعْذِيب قُرَيْش لَهُ، وَكَانَ لبَعض بني جمح، وَكَانَ الَّذِي يتَوَلَّى كبر تعذيبه أُميَّة بن خلف، فَكَانَ يُخرجهُ إِذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظَهره فِي بطحاء مَكَّة، ثمَّ يَأْمر بالصخرة الْعَظِيمَة فتوضع على صَدره. ثمَّ يَقُول لَهُ: لَا تزَال هَكَذَا حَتَّى تَمُوت أَو تكفر بِمُحَمد وَتعبد اللات والعزي فَيَقُول، وَهُوَ فِي هَذَا الْعَذَاب وَالْبَلَاء، أحد أحد. وكأنما كَانَ يزِيدهُ عَذَابه وبلاؤه إِيمَانًا فَوق إِيمَان، ورق لَهُ أَبُو بكر حِين رَآهُ يَوْمًا فِي هَذَا الهوان الشَّديد، فَاشْتَرَاهُ وَأعْتقهُ وَأعْتق مَعَه سِتا مِمَّن كَانُوا يُعَذبُونَ على الْإِسْلَام. وَسَيذكر ذَلِك ابْن عبد الْبر عَمَّا قَلِيل. ٦ فِي الأَصْل ور: فَإِنَّهُمَا. ٧ انْظُر فِي هَذَا الحَدِيث صَحِيح البُخَارِيّ ٥/ ٤٦.
[ ٤٢ ]
بِرَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ١ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا. قَالَ: فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ، وَدَفَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم.
وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ [أَيْضًا] ٢ عَن الْأَوْزَاعِيّ بِإِسْنَادِهِ مثله*. وروى بشر بْن بكر، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن يحيى بْن أبي كثير، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: قلت لعبد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبرنِي بأشد شَيْء، فَذكر مثله، وَعند عمر بْن عَبْد الْوَاحِد، عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن هَذَا الْإِسْنَاد أَيْضا فِي هَذَا الْخَبَر، وَعَن إِسْمَاعِيل بْن سَمَّاعَة أَيْضا مثله، عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي هَذَا الْخَبَر. وَعَن الْوَلِيد بْن مزِيد، عَن الْأَوْزَاعِيّ فِي هَذَا الْخَبَر الْإِسْنَاد الأول. وروى مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَلْقَمَة، عَن أبي سَلمَة، عَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَاهُ، عَن أبي سَلمَة، عَن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَاهُ، وَزَاد فِيهِ، فَقَالَ: "يَا معشر قُرَيْش وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد أَرْسلنِي رَبِّي إِلَيْكُم بِالذبْحِ".
وَرَوَاهُ هِشَام بْن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِمَعْنى حَدِيث يحيى بْن أبي كثير وَحَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو، عَن أبي سَلمَة، عَن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
لَقَدْ ضَرَبُوا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: "وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ" فَقَالُوا: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ الْمَجْنُون.
_________________
(١) ١ من بني أُميَّة بن عبد شمس، وَكَانَ من أَلد أَعدَاء الرَّسُول وَمن أَكثر قُرَيْش حَربًا عَلَيْهِ وظلما لَهُ، وَقد وَقع أَسِيرًا فِي غَزْوَة بدر، فَقتل كَافِرًا أَثِيمًا. ٢ زِيَادَة من ر. * قلت: ذكر الْعلمَاء أَن أَبَا بكر الصّديق أفضل من مُؤمن آل فِرْعَوْن [الَّذِي جَاءَت الْآيَة الْكَرِيمَة على لِسَانه: ﴿أَتقْتلونَ ﴾] لِأَن ذَاك اقْتصر-حَيْثُ انتصر- على اللِّسَان، وَأما أَبُو بكر فأتبع اللِّسَان يدا، وَنصر بالْقَوْل وَالْفِعْل مُحَمَّدًا ﷺ.
[ ٤٣ ]