قَالَ الْفَقِيه أَبُو عُمَرَ ﵁، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:
وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يَعْرِضُ نَفسه فِي تِلْكَ السنين على الْقَبَائِل ليمنعوه، حَتَّى يبلغ رسالات ربه، وَلم يقبله أحد مِنْهُم، وَكلهمْ كَانَ يَقُول لَهُ: قومه أعلم بِهِ، وَكَيف يُصْلِحنَا من أفسد قومه؟ وَكَانَ ذَلِك مِمَّا ذخره اللَّه ﷿ للْأَنْصَار وَأكْرمهمْ بِهِ. فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالب اشْتَدَّ الْبلَاء على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَعمد لثقيف رَجَاء أَن يؤووه، فَوجدَ ثَلَاثَة نفر، هم سادة ثَقِيف، وهم إخوةٌ: عَبْدُ٢ يَالَيْلَ بْنُ عَمْرٍو، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَسْعُودُ بْن عَمْرٍو، فَعرض عَلَيْهِم نَفسه، وأعلمهم بِمَا لَقِي من قومه، فَقَالَ أحدهم: أَنا أسرق٣ ثِيَاب الْكَعْبَة إِن كَانَ اللَّه بَعثك بِشَيْء قطّ، وَقَالَ الآخر: أعجز اللَّه أَن يُرْسل غَيْرك؟ وَقَالَ الثَّالِث: لَا أُكَلِّمك بعد مجلسك هَذَا، لَئِن كنت رَسُول اللَّه لأَنْت أعظم حَقًا من أَن أُكَلِّمك، وَلَئِن كنت تكذب على اللَّه لأَنْت شَرّ من أَن أُكَلِّمك وهزئوا بِهِ. وأفشوا فِي قَومهمْ مَا راجعوه بِهِ، وأقعدوا لَهُ صفّين٤، فَلَمَّا مر رَسُول اللَّهِ ﷺ بَينهمَا٥ جعلُوا لَا يرفع رجلا وَلَا يضع رجلا إِلَّا رضخوها٦ بحجارة، قد كَانُوا أعدوها، حَتَّى أدموا رجلَيْهِ ﷺ. فخلص مِنْهُم وَعمد إِلَى حَائِط٧ من حوائطهم، فاستظل فِي ظلّ نَخْلَة مِنْهُ، وَهُوَ مكروب تسيل قدماه بالدماء، وَإِذا فِي
_________________
(١) ١ انْظُر فِي خُرُوج الرَّسُول إِلَى الطَّائِف ابْن هِشَام ٣/ ٦٠ وَابْن سعد ج١ ق١ ص١٤١ والطبري ٢/ ٣٤٤ وَابْن كثير ٣/ ١٣٥ والنويري ١٦/ ٢٧٩ وَابْن حزم ص٦٧ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٣٤ والسيرة الحلبية ١/ ٤٧١. وَكَانَ هَذَا الْخُرُوج فِي لَيَال بَقينَ من شَوَّال سنة عشر من النُّبُوَّة. ٢ ياليل: صنم أضيف إِلَيْهِ مثل عبد يَغُوث وَعبد مَنَاة. وَكَانَت عِنْد أحد هَؤُلَاءِ الْإِخْوَة امْرَأَة من قُرَيْش من بني جمح، وَلَعَلَّه لذَلِك اخْتَار الرَّسُول ﷺ لقاءهم والْحَدِيث إِلَيْهِم ودعوتهم إِلَى الْإِسْلَام. ٣ عبارَة ابْن هِشَام نقلا عَن ابْن إِسْحَاق: هُوَ يمرط ثيات الْكَعْبَة أَن يَنْزِعهَا وَيَرْمِي بهَا. ٤ عبارَة ابْن سيد النَّاس نقلا عَن مُوسَى بن عقبَة: واقعدوا لَهُ صفّين فِي طَرِيقه. ٥ فِي ابْن سيد النَّاس: بَين صفيهم. ٦ رضخوها: دقوها ورموها. ٧ الْحَائِط: الْبُسْتَان عَلَيْهِ جِدَار. ٨ فِي ابْن هِشَام وَابْن سيد النَّاس: حبلة بِفَتْح الْبَاء، وَهِي شَجَرَة الْعِنَب.
[ ٦٢ ]
الْحَائِط عتبَة١ بْن ربيعَة وَشَيْبَة بْن ربيعَة. فَلَمَّا رآهما كره مكانهما لما علم من عداوتهما لله وَلِرَسُولِهِ. فَلَمَّا رأياه أرسلا إِلَيْهِ غُلَاما لَهما يُقَال لَهُ عداس، وَهُوَ نَصْرَانِيّ من أهل نِينَوَى، مَعَه عِنَب. فَلَمَّا أَتَاهُ عداس قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مِنْ أَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ " قَالَ: من أهل نِينَوَى٢. فَقَالَ النَّبِي ﵇: "مَدِينَة الرجل الصَّالح يُونُس بْن مَتَّى". فَقَالَ لَهُ عداس: مَا يدْريك مَنْ يُونُس بْن مَتَّى. وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يحقر أحدا أَن يبلغهُ رِسَالَة ربه. فَقَالَ: "أَنا رَسُول اللَّه". فَلَمَّا أخبرهُ بِمَا أوحى اللَّه إِلَيْهِ من شَأْن يُونُس خر عداس سَاجِدا لرَسُول اللَّه ﷺ وَجعل يقبل قَدَمَيْهِ، وهما يسيلان دَمًا. فَلَمَّا أبْصر عتبَة وَشَيْبَة مَا يصنع غلامهما سكتا، فَلَمَّا أتاهما قَالَا: مَا شَأْنك؟! سجدت لمُحَمد وَقبلت قَدَمَيْهِ! قَالَ: هَذَا رجل صَالح، أَخْبرنِي بِشَيْء عَرفته من شَأْن رَسُول بَعثه اللَّه ﷿ يدعى يُونُس بْن مَتى. فضحكا بِهِ، وَقَالا لَهُ: إياك أَن يفتنك عَن نصرانيتك فَإِنَّهُ رجل خداع. فَرجع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّة.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ السَّرْحِ، قَالا: حَدَّثَنَا ابْن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ٣:
أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: "لَقِيتُ مِنْ قَوْمِي ٤ مَا كَانَ أَشَدَّ. قَالَ: وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ ثَقِيفٍ ٥، إِذْ عَرَضْتُ [نَفسِي] ٦ على عبد ٧ ياليل بْنِ عَبْدِ كِلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ. فَانْطَلَقْتُ [عَلَى وَجْهِي] ٨ وَأَنَا مَغْمُومٌ ٩، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بقرن ١٠ الثعالب.
_________________
(١) ١ مر بِنَا أَنَّهُمَا كَانَا من أَعدَاء الرَّسُول -ﷺ- فِي مَكَّة. ٢ نينوي: من مدن الْموصل. ٣ انْظُر الحَدِيث فِي صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ فِي ١٢/ ١٥٤ وَفِي ابْن سيد النَّاس ١/ ١٣٥. ٤ فِي مُسلم وَابْن سيد النَّاس: من قَوْمك. ٥ فِي مُسلم وَابْن سيد النَّاس: يَوْم الْعقبَة. ٦ زِيَادَة من مُسلم وَابْن سيد النَّاس. ٧ فِي مُسلم وَابْن سيد النَّاس: ابْن عبد ياليل. ٨ زِيَادَة من مُسلم وَابْن سيد النَّاس. ٩ فِي مُسلم وَابْن سيد النَّاس: مَفْهُوم. ١٠ قرن الثعالب: مَوضِع تِلْقَاء مَكَّة، على مرحلَتَيْنِ مِنْهَا.
[ ٦٣ ]
فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ [وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ] ١ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ [لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ] ٢ فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ٣: أَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبِّي إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِمَا شِئْتَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ [وَحْدَهُ] ٤ وَلا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا*.
[إِسْلَام الطُّفَيْل بْن عَمْرو الدوسي] ٥
قَالَ الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو عمر ﵁: وَبعد رُجُوع رَسُول اللَّه -ﷺ- مِنَ دُعَاء ثَقِيف قدم عَلَيْهِ الطُّفَيْل بْن عَمْرو الدوسي، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَام، وَأمره بِدُعَاء قومه، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه، اجْعَل لي آيَة تكون لي عونا. فَدَعَا لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ، فَجعل اللَّه فِي وَجهه نورا، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَخَاف أَن يجعلوها مثلَة، فَدَعَا لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَصَارَ النُّور فِي سَوْطه، فَهُوَ
_________________
(١) ١ زِيَادَة من مُسلم وَابْن سيد النَّاس. ٢ زِيَادَة من مُسلم وَابْن سيد النَّاس. ٣ فِي مُسلم: وَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمك وَأَنا ملك الْجبَال. ٤ زِيَادَة من مُسلم. * قلت الأخشبان هَا هُنَا جبلا مَكَّة، وَالْعرب تسمى الْجَبَل المتوعر باسم أخشب. وَبِهَذَا الصَّبْر على الأذي والكف عَن الدُّعَاء فصل مُحَمَّدٍ ﷺ على نوح [ﷺ] ﵇ فَإِنَّهُ دَعَا على قومه، وَمُحَمّد دَعَا لِقَوْمِهِ، فَنَاسَبَ إشفاقه عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا أَن يشفع لَهُم فِي الْآخِرَة وَيَقُول نوح يَوْمئِذٍ: نَفسِي نَفسِي، إِنِّي دَعَوْت دَعْوَة على قومِي. ٥ انْظُر إِسْلَام الطُّفَيْل وآيته فِي ابْن هِشَام ٢/ ٢١ وَابْن سعد ج٤ ق١ ص١٧٥ وصحيح البُخَارِيّ ٥/ ١٧٤ وَابْن حزم ص٦٧ وَابْن كثير٣/ ١٣٥ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٣٩ وَقد لخص كَلَام ابْن سعد. وَكَانَ الطُّفَيْل شريفا فِي قومه شَاعِرًا نبيلا كثير الضِّيَافَة، فَقدم مَكَّة، فحاولت قُرَيْش مَنعه من لِقَاء الرَّسُول ﷺ، وَلكنه لم يستمع إِلَيْهَا، وَلَقي الرَّسُول فَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام وتلا عَلَيْهِ الْقُرْآن، فَقَالَ: لَا وَالله مَا سَمِعت قولا قطّ أحسن من هَذَا وَلَا أمرا أعدل مِنْهُ، وَأسلم وَدخل فِي دين الله. وَعَاد إِلَى قومه وَمَعَهُ الْآيَة الَّتِي صورها ابْن عبد الْبر، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام، فَتَبِعَهُ بَعضهم. وَمَا زَالَ بَينهم حَتَّى هَاجر بعد غَزْوَة الخَنْدَق فِي أثْنَاء فتح الرَّسُول ﷺ لخيبر. فَقدم عَلَيْهِ بهَا فِيمَا بَين السّبْعين والثمانين بَيْتا من قومه. وَقد أبلي فِي حروب الرِّدَّة بلَاء حسنا، وَقتل بِالْيَمَامَةِ شَهِيدا.
[ ٦٤ ]
مَعْرُوف بِذِي النُّور*. وَوصل إِلَى قومه بِتِلْكَ الْآيَة، فَأسلم أَكْثَرهم، وَأقَام الطُّفَيْل فِي بِلَاده إِلَى عَام الخَنْدَق ثمَّ قدم فِي سبعين أَو ثَمَانِينَ رجلا من قومه مُسلمين. وَقد ذكرنَا خَبره بِتَمَامِهِ فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة.
حَدِيث الْإِسْرَاء [والمعراج] مُخْتَصرا ١
ثمَّ أسرِي٢ برَسُول اللَّه ﷺ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْأَقْصَى. ثمَّ مِنْهُ إِلَى السَّمَاء، فَرَأى الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَوَات على مَا فِي الحَدِيث بذلك. وَفرض اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ الصَّلَوَات الْخمس٣.
ثمَّ انْصَرف فِي ليلته تِلْكَ إِلَى مَكَّة، فَأخْبر بذلك، فَصدقهُ أَبُو بكر وكل من آمن بِهِ، وَكذبه الْكفَّار، واستوصفوه مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس، فَمَثَّلَهُ اللَّه لَهُ، فَجعل ينظر إِلَيْهِ ويصفه.
_________________
(١) * قلت: هَذَا مِمَّا زَاد النَّبِي ﷺ من الْفَضَائِل على مُوسَى، لِأَن إِحْدَى آيَات مُوسَى الْيَد الْبَيْضَاء. وَكَانَ نورها يغشى الْبَصَر، وَقد أكْرم الله نبيه بِأَن جعل مثل ذَلِك لرجل من أمته، وَإِنَّمَا سَأَلَ الطُّفَيْل أَن ينْقل ذَلِك النُّور إِلَى سَوْطه، لِأَن الْعَرَب كَانُوا جدلين خصمين، لَهُم من الْبَيَان والصنعة فِي التخييل مَا يَقْتَضِي أَن يقلبوا الْحق بَاطِلا وَالْحسن قبيحا مَا وجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا، وَلِهَذَا قَالَ: إِنِّي أَخَاف أَن يجعلوها مثلَة. فَكَانَ النُّور إِلَى سَوْطه آيَة أُخْرَى، وَالله الْمُوفق. ١ انْظُر فِي الْإِسْرَاء والمعراج ابْن هِشَام ٢/ ٣٦ وَابْن سعد ج١ ق١ ص١٤٢ وَمَا بعْدهَا وصحيح البُخَارِيّ ٥/ ٥٢ وَانْظُر ١/ ٧٤ وَابْن كثير ٣/ ١٠٨ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ١١٩ والنويري ١٦/ ٢٨٣ وَابْن حزم ص ٦٨ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٤٠ وَمَا بعْدهَا وصحيح مُسلم "طبعة الْحلَبِي" ١/ ١٤٥ والسيرة الحلبية ١/ ٤٧٨. ٢ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْإِسْرَاء والمعراج هَل كَانَا فِي الْيَقَظَة أَو فِي الْمَنَام، فَذهب فريق إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا بِالروحِ ورؤيا مَنَام، وَذهب فريق إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا بالجسد، وَفِي الْيَقَظَة، انْظُر فِي ذَلِك السُّهيْلي ١/ ٢٤٣. وَاخْتلفُوا أَيْضا هَل كَانَ الْإِسْرَاء والمعراج مَعًا فِي لَيْلَة وَاحِدَة أَو لَا؟ وواضح أَن ابْن عبد الْبر يَأْخُذ بِالرَّأْيِ الْقَائِل أَنَّهُمَا كَانَا فِي لَيْلَة وَاحِدَة. وَالْمَشْهُور أَن الْإِسْرَاء برَسُول الله ﷺ كَانَ لَيْلَة السبت لسبع عشرَة خلت من شهر رَمَضَان قبل الْهِجْرَة بِثمَانِيَة عشر شهرا، وَقد أَتَت عَلَيْهِ إِحْدَى وَخَمْسُونَ سنة. وَقيل كَانَ لَيْلَة سبع عشرَة من شهر ربيع الأول قبل الْهِجْرَة بِنَحْوِ سنة. وَقيل: بل كَانَ بعد المبعث بِخمْس سِنِين. ٣ مر بِنَا أَن الصَّلَاة فرضت فِي أول الْبعْثَة المحمدية وَأَنَّهَا كَانَت رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ كل صَلَاة، وَقيل إِنَّهَا كَانَت رَكْعَتَيْنِ فِي الْغَدَاة وَرَكْعَتَيْنِ فِي الْعشي. والاتفاق على أَن فرض الصَّلَوَات الْخمس بصورتها الْمَعْرُوفَة إِنَّمَا كَانَ فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء. انْظُر ابْن هِشَام ١/ ٢٦٠ وصحيح البُخَارِيّ ١/ ٧٤ والسهيلي ١/ ١٦٢ وَابْن سيد النَّاس ١/ ٩٠، ١٤٨ والنويري ١/ ١٧٨.
[ ٦٥ ]
[عرض الرَّسُول الإسلامَ على قبائل الْعَرَب] ١
وَفِي ذَلِك٢ كُله رَسُول اللَّه لَا يزَال يَدْعُو إِلَى دين اللَّه، وَيَأْمُر بِهِ كل من لقِيه وَرَآهُ من الْعَرَب٣ إِلَى أَن قدم سُوَيْد بْن الصَّامِت أَخُو بني عَمْرو بْن عَوْف من الْأَوْس، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَام، فَلم يبعد وَلم يجب، ثمَّ انْصَرف إِلَى يثرب، فَقتل فِي بعض حروبهم٤. وَقدم مَكَّة أَبُو الحيسر أنس بْن رَافع فِي فتية من قومه من بني عَبْد الْأَشْهَل يطْلبُونَ الْحلف٥، فَدَعَاهُمْ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الإِسْلامِ، فَقَالَ رجل مِنْهُم اسْمه٦ إِيَاس بْن معَاذ، وَكَانَ شَابًّا: يَا قوم هَذَا وَالله خير مِمَّا قدمنَا لَهُ. فَضَربهُ أَبُو الحيسر، وانتهره، فَسكت. ثمَّ لم يتم لَهُم الْحلف، فانصرفوا إِلَى بِلَادهمْ. وَمَات إِيَاس بْن معَاذ، فَقيل إِنَّه مَاتَ مُسلما.
_________________
(١) ١ انْظُر فِي ذَلِك ابْن هِشَام ٢/ ٦٣ وَابْن سعد ج١ ق١ ص ١٤٥ والطبري ٢/ ٣٤٨ وَمَا بعْدهَا وَابْن كثير ٣/ ١٣٨ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٥٢ والسيرة الحلبية ٢/ ٢. ٢ نقل ابْن سيد النَّاس فِي ١/ ١٥٥ الْفَقْرَة التالية عَن ابْن عبد الْبر. ٣ فصل ابْن هِشَام نقلا عَن ابْن إِسْحَاق عرض الرَّسُول الْإِسْلَام على الْعَرَب وقبائلهم، ذَاكِرًا مِنْهُم كِنْدَة وكلبا وَبني حنيفَة وَبني عَامر بن صعصعة، وَذكر الْوَاقِدِيّ دعاءه بني عبس. وَكَانَ هَذَا الدُّعَاء وَالْعرض فِي أثْنَاء حجهم ونزولهم بسوق عكاظ وَغَيره. ٤ فِي ابْن هِشَام نقلا عَن ابْن إِسْحَاق ٢/ ٦٩ أَن رجَالًا من قومه كَانُوا يَقُولُونَ: إِن لنراه وَقد قتل وَهُوَ مُسلم، وَكَانَ قَتله قبل يَوْم بُعَاث. ٥ يطْلبُونَ الْحلف: أَي حلف قُرَيْش على بني الْخَزْرَج خصوم الْأَوْس قبيلتهم، وَكَانَت الْحَرْب والمعارك قد اضطرمت بَين القبيلتين. ٦ هَكَذَا فِي الأَصْل ور وَابْن سيد النَّاس. وَوضع أَمَام الْكَلِمَة فِي الْهَامِش: يُقَال لَهُ.
[ ٦٦ ]
الْعقبَة الأولى ١
ثمَّ إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقِي عِنْد الْعقبَة فِي الْمَوْسِم٢ سِتَّة نفر من الْأَنْصَار، كلهم من الْخَزْرَج، وهم أَبُو أُمَامَة أسعد٣ بْن زُرَارَة، وعَوْف٤ بْن الْحَارِث بْن رِفَاعَة وَهُوَ ابْن عفراء٥، وَرَافِع٦ بْن مَالك بْن العجلان. وَقُطْبَة٧ بْن عَامر بْن حَدِيدَة، وَعقبَة٨ بْن عَامر بْن نابي، وَجَابِر٩ بْن عَبْد اللَّهِ بْن رِئَاب. وَمن أهل الْعلم بالسير من بِجعْل فيهم عبَادَة١٠ بْن الصَّامِت وَيسْقط جَابر بْن عَبْد اللَّهِ بْن رِئَاب.
فَدَعَاهُمْ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الإِسْلامِ، فَكَانَ من صُنْعِ اللَّه لَهُم أَنهم كَانُوا من جيران الْيَهُود، فَكَانُوا يسمعونهم يذكرُونَ أَن اللَّه تَعَالَى يبْعَث نَبيا قد أطل زَمَانه١١. فَقَالَ بَعضهم لبَعض: هَذَا وَالله الَّذِي تُهَدِّدُكُمْ بِهِ يهود فَلَا يسبقونا إِلَيْهِ. فأسلموا بِهِ
_________________
(١) ١ انْظُر فِي بيعَة تِلْكَ الْعقبَة ابْن هِشَام ٢/ ٦٩ وَابْن سعد ج١ ق١ ص١٤٥ وَمَا بعْدهَا والطبري ٢/ ٣٥٣ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٥٥ وَابْن كثير ٣/ ١٤٥ والنويري ١٦/ ٣١٠. والعقبة: مَوضِع على يسَار الطَّرِيق القاصد مني من مَكَّة. ٢ فِي الْمَوْسِم: أَي موسم الْحَج، وَفِيه كَانَت تُقَام الْأَسْوَاق الْمَشْهُورَة مثل سوق عكاظ، وَكَانَ الْعَرَب يفدون على مَكَّة من جَمِيع أنحاء الجزيرة، وتنزل كل قَبيلَة فِي منزل بهَا خَاص. ٣ فِي بعض الرِّوَايَات أَنه أول من بَايع الرَّسُول حِينَئِذٍ، وَأَنه أول من صلى بِالنَّاسِ الْجُمُعَة فِي الْمَدِينَة قبل أَن تصبح فَرِيضَة. وَقد لبّى نِدَاء ربه فِي السّنة الأولى لِلْهِجْرَةِ. انْظُر الِاسْتِيعَاب ص٣٩. ٤ فِي الِاسْتِيعَاب ص٥١٢ أَنه اسْتشْهد فِي غَزْوَة بدر. ٥ عفراء: هِيَ بنت عبيد بْن ثَعْلَبَة بْن عبيد بْن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار. ٦ شهد العقبتين: الأولى وَالثَّانيَِة، وَاسْتشْهدَ فِي غَزْوَة أحد، وَلم يذكرهُ ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ وَذكره فيهم مُوسَى بن عقبَة. انْظُر الِاسْتِيعَاب ص١٧٩. ٧ شهد الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله، وَقتل فِي معركة صفّين، وَقيل: بل توفّي فِي خلَافَة عُثْمَان. ٨ شهد بَدْرًا وأحدا وَالْخَنْدَق وَسَائِر الْمشَاهد، وَاسْتشْهدَ فِي حروب الرِّدَّة لعهد الصّديق. ٩ شهد مَعَ الرَّسُول جَمِيع الْمشَاهد، وَقد روى المحدثون عَنهُ أَحَادِيث كَثِيرَة. ١٠ شهد مَعَ الرَّسُول الْمشَاهد كلهَا، وَوَجهه عمر إِلَى الشَّام قَاضِيا ومعلما فَأَقَامَ بحمص، ثمَّ انْتقل إِلَى فلسطين وَمَات بهَا سنة أَربع وَثَلَاثِينَ. ١١ فِي ابْن هِشَام أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ لَهُم: إِن نَبيا مَبْعُوث الْآن فقد أطل زَمَانه، نتبعه، فنقتلكم مَعَه قتل عَاد وإرم.
[ ٦٧ ]
وَبَايَعُوا*. وَقَالُوا: إِنَّا قد تركنَا١ قَومنَا، بَيْننَا وَبينهمْ حروب، فننصرف وندعوهم إِلَى مَا دَعوتنَا إِلَيْهِ، فَعَسَى اللَّه أَن يجمعهُمْ بك، فَإِن اجْتمعت كلمتهم عَلَيْك واتبعوك، فَلَا أحد أعز مِنْك. وَانْصَرفُوا إِلَى الْمَدِينَة، فدعوا إِلَى الْإِسْلَام، حَتَّى فَشَا فيهم، وَلم تبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وفيهَا ذكر من رَسُول اللَّه ﷺ.
الْعقبَة الثَّانِيَة ٢
حَتَّى إِذا كَانَ الْعَام الْمقبل قدم مَكَّة من الْأَنْصَار اثْنَا عشر رجلا، مِنْهُم خَمْسَة من السِّتَّة الَّذين ذكرنَا وهم أَبُو أُمَامَة، وعَوْف بْن عفراء، وَرَافِع بْن مَالك، وَقُطْبَة بْن عَامر بْن حَدِيدَة وَعقبَة بْن عمر بْن نابي. وَلم يكن فيهم جَابر بْن عَبْد اللَّهِ بْن رِئَاب، وَلم يحضرها٣.
والسبعة الَّذين هم تَتِمَّة الاثْنَي عشر هم: معَاذ بْن الْحَارِث بْن رِفَاعَة وَهُوَ ابْن عفراء أَخُو عَوْف الْمَذْكُور، وذكوان بْن عَبْد قيس الزرقي وَذكروا أَنه رَحل إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّة فسكنها مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَهُوَ مهَاجر أَنْصَارِي قتل يَوْم أحد، وَعبادَة بْن الصَّامِت بْن قيس بْن أَصْرَم، وَأَبُو عَبْد الرَّحْمَن يزِيد بْن ثَعْلَبَة البلوي حَلِيف بني غصينة من بلي، وَالْعَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة. فَهَؤُلَاءِ من الْخَزْرَج، وَمن الْأَوْس رجلَانِ:
_________________
(١) * وَكَانَت الْحِكْمَة الإلهية فِي نقل الْيَهُود من كنعان وَالشَّام إِلَى الْحجاز، هَذَا فِي الزَّمَان الأول، هُوَ أَنهم قروا إِلَى الْعَرَب ورسخوا فِي أذهانهم الْوَعْد برَسُول اللَّه ﷺ قَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَانُوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ﴾ . وَذَلِكَ من جنس أَن الله يُؤَيّد هَذَا الدَّين بِالرجلِ الْفَاجِر. وَنقل فِي سَبَب انتقالهم أَن بخْتنصر لما اجتاحهم وشتتهم فِي الْبِلَاد هربت طَائِفَة إِلَى الْحجاز، فهم هَؤُلَاءِ. وَقيل: إِنَّمَا استقروا بالحجاز فِي زمن مُوسَى ﵇، فَإِنَّهُ أَمرهم بِقِتَال العماليق وَأَن لَا يبقوا مِنْهُم أحدا، فأبقوا ابْن الْملك حنوا عَلَيْهِ، فطردهم مُوسَى من الشَّام، فعادوا إِلَى بِلَاد العماليق، وَكَانَت العماليق حِينَئِذٍ بالحجاز، فسكنوه حِينَئِذٍ، وَالله أعلم. عَاد الْكَلَام إِلَى أهل الْعقبَة. ١ عبارَة ابْن هِشَام نقلا عَن ابْن إِسْحَاق: وَقَالُوا إِنَّا قد تركنَا قَومنَا، وَلَا قوم بَينهم من الْعَدَاوَة وَالشَّر مَا بَينهم، فَعَسَى أَن يجمعهُمْ الله بك، فسنقدم عَلَيْهِم، فندعوهم إِلَى أَمرك، ونعرض عَلَيْهِم الَّذِي أجبناك إِلَيْهِ من هَذَا الدَّين، فَإِن يجمعهُمْ الله عَلَيْك فَلَا رجل أعز مِنْك. ٢ انْظُر فِي الْعقبَة الثَّانِيَة ابْن هِشَام ٢/ ٧٣ وَقد سَمَّاهَا الْعقبَة الأولى كَأَنَّهُ لم يعْتد بسابقتها. وَانْظُر أَيْضا ابْن سعد ج١ ق١ ص١٤٧ والطبري ٢/ ٣٥٥ وَمَا بعْدهَا وصحيح البُخَارِيّ ١/ ٨، ٥/ ٥٤ وَابْن حزم ص٧١ وَابْن كثير ٣/ ١٥٠ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٥٦ والنويري ١٦/ ٣١٢. ٣ وَلم يحضرها: أَي لم يحضر الْعقبَة الثَّانِيَة.
[ ٦٨ ]
أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التيهَان١ من بني عَبْد الْأَشْهَل، وعويم بْن سَاعِدَة من بني عَمْرو بْن عَوْف حَلِيف٢ لَهُم من بلي.
فَبَايع رسولُ اللَّهِ ﷺ هَؤُلَاءِ عِنْد الْعقبَة على بيعَة النِّسَاء٣، وَلم يكن أَمر بِالْقِتَالِ بعد. فَلَمَّا انصرفوا٤ بعث رَسُول اللَّه ﷺ مَعَهم ابْن أم مَكْتُوم، وَمصْعَب بْن عُمَيْر يعلم من أسلم مِنْهُم بِالْقُرْآنِ وَشَرَائِع الْإِسْلَام، وَيَدْعُو من لم يسلم إِلَى الْإِسْلَام. فَنزل مُصعب بْن عُمَيْر على أسعد بْن زُرَارَة. وَكَانَ مُصعب بْن عُمَيْر يدعى المقرىء الْقَارئ، وَكَانَ يؤمهم، فَجمع بهم أول٥ جُمُعَة جمعت فِي الْإِسْلَام فِي هزم٦ حرَّة بني بياضة فِي بَقِيع يُقَال لَهُ بَقِيع٧ الْخضمات، وهم أَرْبَعُونَ رجلا.
فَأسلم على يَد مُصعب بْن عُمَيْر خلق كثير من الْأَنْصَار، وَأسلم فِي جَمَاعَتهمْ سعد بْن معَاذ وَأسيد بْن حضير، وَأسلم بإسلامهما جَمِيع بني عَبْد الْأَشْهَل فِي يَوْم وَاحِد: الرِّجَال وَالنِّسَاء، لم يبْق مِنْهُم أحد إِلَّا أسلم، حاشا الأصيرمَ، وَهُوَ عَمْرو بْن ثَابت بْن وقش، فَإِنَّهُ تَأَخّر إِسْلَامه إِلَى يَوْم أحد، فَأسلم وَاسْتشْهدَ، وَلم يسْجد لله سَجْدَة. وَأخْبر رَسُول اللَّه ﷺ أَنه من أهل الْجنَّة. وَلم يكن فِي بني عَبْد الْأَشْهَل مُنَافِق وَلَا منافقة، كَانُوا كلهم حنفَاء مُخلصين، ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَلم يبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وفيهَا مُسلمُونَ: رجال وَنسَاء، حاشا بني أُميَّة بن
_________________
(١) ١ فِي ابْن سيد النَّاس أَن أهل الْحجاز ينطقونه بتَخْفِيف الْيَاء وَغَيرهم يشددها. ٢ انْفَرد ابْن إِسْحَاق بقوله إِن عويما حَلِيف لبني عَمْرو بن عَوْف. انْظُر الِاسْتِيعَاب ص٥٢٨. ٣ وَاضح من تعقيب ابْن عبد الْبر على هَذِه الْبيعَة أَنهم لم يبايعوه على الْقِتَال، فَهِيَ بيعَة كبيعة النِّسَاء حِينَئِذٍ على الدُّخُول فِي الْإِسْلَام، بيعَة عمادها أَن لَا يُشْرك المبايع الله شَيْئا وَأَن لَا يسرق وَلَا يَزْنِي وَلَا يقتل أَوْلَاده وَلَا يَأْتِي بِبُهْتَان وَلَا يَعْصِي الله فِي مَعْرُوف. ٤ انصرفوا هُنَا: أَي حَان انصرافهم. ٥ قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف ١/ ٢٧٠: تجميع أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ الْجُمُعَة فِي الْمَدِينَة وتسميتهم إِيَّاهَا بِهَذَا الِاسْم هَدِيَّة من الله لَهُم قبل أَن يؤمروا بهَا. ثمَّ نزلت سُورَة الْجُمُعَة بعد أَن هَاجر رَسُول الله إِلَى الْمَدِينَة، فاستقر فَرضهَا، وَاسْتمرّ حكمهَا، وَلذَلِك قَالَ ﵇: "أضلته الْيَهُود وَالنَّصَارَى وهداكم الله إِلَيْهِ". وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عَبَّاس: آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بهَا لَهُم قبل الْهِجْرَة. وَانْظُر ابْن سيد النَّاس ١/ ١٥٨ وَعند ابْن إِسْحَاق أَن أول من صلى بِالْمُسْلِمين الْجُمُعَة فِي الْمَدِينَة أسعد بن زُرَارَة. انْظُر ابْن هِشَام ٢/ ٧٧. ٦ الهزم: الْمَكَان المطمئن من الأَرْض. ٧ بَقِيع: هَكَذَا بِالْبَاء فِي الأَصْل وَفِي ابْن سيد النَّاس، وَهُوَ مَوضِع بنواحي الْمَدِينَة. وَقد سَمَّاهُ الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه نَقِيع الْخضمات بالنُّون.
[ ٦٩ ]
زيد، وخطمة، وواقد١ [وَوَائِل] ٢، وهم بطُون من الْأَوْس، وَكَانُوا سكانا فِي عوالي الْمَدِينَة، فَأسلم مِنْهُم قوم. وَكَانَ سيِّدَهُمْ أَبُو قيس بْن صَيْفِي بْن الأصلت الشَّاعِر، فَتَأَخر إِسْلَامه وَإِسْلَام سَائِر قومه إِلَى أَن مَضَت بدر وَأحد وَالْخَنْدَق، ثمَّ أَسْلمُوا كلهم.
ثمَّ رَجَعَ مُصعب بْن عُمَيْر إِلَى مَكَّة.
الْعقبَة الثَّالِثَة ٣
وَخرج إِلَى الْمَوْسِم جمَاعَة كَبِيرَة مِمَّن أسلم من الْأَنْصَار يُرِيدُونَ لِقَاء رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي جملَة قوم كفار مِنْهُم لم يسلمُوا بعد، فوافوا مَكَّة. وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ الْبَراء٤ بْن معْرور، فَرَأى أَن يسْتَقْبل الْكَعْبَة فِي الصَّلَاة، وَكَانَت الْقبْلَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس. فصلى كَذَلِك طول طَرِيقه. فَلَمَّا قدم مَكَّة نَدم، فاستفتى رَسُول اللَّه ﷺ فَقَالَ لَهُ: "قد كنت على قبْلَة لَو صبرت عَلَيْهَا"، مُنْكِرًا لِفِعْلِهِ.
فواعدوا رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعقبَة من أواسط أَيَّام التَّشْرِيق، فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة دَعَا كعبُ بْن مَالك وَرِجَال من بني سَلمَة عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْن حرَام وَكَانَ سيدا فيهم، إِلَى الْإِسْلَام، وَلم يكن أسلم، فَأسلم تِلْكَ اللَّيْلَة وَبَايع. وَكَانَ ذَلِك سرا مِمَّن حضر من كفار قَومهمْ. فَخَرجُوا فِي ثلث اللَّيْل الأول متسللين من رحالهم إِلَى الْعقبَة، فَبَايعُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ عِنْدهَا على أَن يمنعوه مِمَّا يمْنَعُونَ مِنْهُ أنفسهم ونساءهم وأبناءهم وَأَن يرحل إِلَيْهِم هُوَ وَأَصْحَابه.
وَحضر الْعَبَّاس الْعقبَة تِلْكَ اللَّيْلَة متوثقا لرَسُول اللَّه ﷺ ومؤكدا على أهل يثرب، وَكَانَ يَوْمئِذٍ على دين قومه لم يسلم. وَكَانَ للبراء بْن معْرور فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمقَام الْمَحْمُود فِي
_________________
(١) ١ هَكَذَا فِي الأَصْل، وَفِي ابْن هِشَام ور: وَاقِف. ٢ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. ٤ انْظُر فِي بيعَة هَذِه الْعقبَة ابْن هِشَام ٢/ ٨١ وَابْن سعد ج١ ق١ ص ١٤٨ والطبري ٢/ ٣٦٠ وَابْن حزم فِي جَوَامِع السِّيرَة ص٧٤ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٦١ وَابْن كثير ٣/ ١٥٨ والنويري ١٦/ ٣١٣، وَهِي عِنْد ابْن هِشَام الْعقبَة الثَّانِيَة. ٤ الْبَراء: آخر لَيْلَة فِي الشَّهْر، وَبهَا سمي الْبَراء بن معْرور، والمعرور: الْمَقْصُود.
[ ٧٠ ]
التوثيق لرَسُول اللَّه ﷺ والشد لعقد أمره. وَهُوَ أول١ من بَايع رَسُول اللَّه ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة: لَيْلَة الْعقبَة [الثَّالِثَة] . وَكَذَلِكَ كَانَ مقَام أبي الْهَيْثَم٢ بْن التيهَان، وَالْعَبَّاس٣ بْن نَضْلَة يَوْمئِذٍ.
وَكَانَ المبايعون لرَسُول اللَّه ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة سبعين٤ رجلا وَامْرَأَتَيْنِ. وَاخْتَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهُم اثْنَي٥ عشر نَقِيبًا، وهم: أسعد بن زُرَارَة بن عدي أَبُو أُمَامَة، وَهُوَ أحد السِّتَّة، وَأحد الاثْنَي عشر، وَأحد السّبْعين٦، وَسعد بْن الرّبيع، وَعبد اللَّه بْن رَوَاحَة، وَرَافِع بْن مَالك بْن العجلان وَهُوَ أَيْضا أحد السِّتَّة وَأحد الاثْنَي عشر وَأحد السّبْعين، والبراء بْن معْرور، وَعبد اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْن حرَام، وَسعد بْن عبَادَة بْن دليم، وَالْمُنْذر بْن عَمْرو بْن خُنَيْس، وَعبادَة بْن الصَّامِت وَهُوَ أحد السِّتَّة فِي قَول بَعضهم، وَأحد الاثْنَي عشر وَأحد السّبْعين.
فَهَؤُلَاءِ تِسْعَة من الْخَزْرَج، وَثَلَاثَة من الْأَوْس: أسيد بْن حضير، وَسعد بْن خَيْثَمَة بْن الْحَارِث، وَرِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذر.
وَهَؤُلَاء هم النُّقَبَاء. وَقد أسقط قوم رِفَاعَة٧ بْن عَبْد الْمُنْذر مِنْهُم، وعدوا مَكَانَهُ أَبَا الْهَيْثَم بْن التيهَان، وَالله أعلم.
_________________
(١) ١ فِي ابْن هِشَام ٢/ ٨٤ أَنه أَخذ بيد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثمَّ قَالَ عقب قَوْله: "أُبَايِعكُم على أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ نساءكم وأبناءكم"، قَالَ: نعم وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا لنمنعك مِمَّا نمْنَع مِنْهُ أزرنا "أَي نِسَاءَنَا"، فَبَايعْنَا يَا رَسُول الله، فَنحْن وَالله أَبنَاء الحروب وَأهل الْحلقَة "الدروع" وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَن كَابر. وَانْظُر ابْن سيد النَّاس ١/ ١٦٥. ٢ فِي ابْن سعد ق١ ج١ ص١٤٩ أَنه حِين حاول الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَن يَأْخُذ عَلَيْهِم المواثيق لِابْنِ أَخِيه قَالَ لَهُ أَبُو الْهَيْثَم: إننا نقبله على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف. وَانْظُر ابْن سيد النَّاس ١/ ١٦٥. ٣ فِي ابْن سعد ق١ ج١ ص١٥٠ أَن الْعَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة قَالَ: يَا رَسُول الله وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَئِن أَحْبَبْت لنميلن على أهل مني بأسيافنا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّا لم نؤمر بذلك فَانْفَضُّوا إِلَى رحالكُمْ". وَانْظُر ابْن سيد النَّاس ١/ ١٦٥ وَابْن هِشَام ٢/ ٨٨. ٤ وَفِي ابْن هِشَام أَنهم كَانُوا ثَلَاثَة وَسبعين رجلا وَامْرَأَتَيْنِ، وَفِي ابْن سعد نقلا عَن مُحَمَّد بن عمر بن وَاقد أَنهم كَانُوا سبعين يزِيدُونَ رجلا أَو رجلَيْنِ. ٥ إِنَّمَا جعل الرَّسُول ﷺ النُّقَبَاء اثنى عشر اقْتِدَاء بقوله تَعَالَى فِي قوم مُوسَى: ﴿وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا﴾ . وَانْظُر فيهم ابْن هِشَام ٢/ ٨٦ وَابْن سعد ق١ ج١ ص١٤٨ والمحبر ص٢٦٨ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٥٨. ٦ يُرِيد ابْن عبد الْبر أَنه أحد من شهد بيعَة الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة. ٧ انْظُر ابْن هِشَام ٢/ ٨٧.
[ ٧١ ]
وَهَذِه تَسْمِيَة من شهد الْعقبَة من الْأَنْصَار ١ مَعَ ٢ الاثْنَي عشر النُّقَبَاء
ظهير بْن رَافع بْن عدي الْحَارِثِيّ، وَسَلَمَة بْن سَلامَة بن وقش الْأَشْهَل، ونهير بْن الْهَيْثَم من بني نابي بْن مجدعة، وَعبد اللَّه بْن جُبَير بْن النُّعْمَان من بني عمرور بن عَوْف، وَأسد بْن حضير بْن سماك، وَأَبُو الْهَيْثَم بْن التيهَان، وَسعد بْن خَيْثَمَة، وَرِفَاعَة بْن عَبْد الْمُنْذر، وَأَبُو بردة هانىء بْن نيار حَلِيف لَهُم من بلي، وعويم بْن سَاعِدَة حَلِيف لَهُم من بلي، ومعن بْن عدي بْن الْجد حَلِيف لَهُم من بلي.
فَهَؤُلَاءِ من الْأَوْس أحد عشر رجلا، وشهدها من الْخَزْرَج: أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ خَالِد بْن زيد، ومعاذ، ومعوذ، وعَوْف: بَنو الْحَارِث بْن رِفَاعَة وهم بَنو عفراء، وَعمارَة بْن حزم بْن زيد بْن لوذان، وَأَبُو رهم الْحَارِث بْن رِفَاعَة بْن الْحَارِث. هَؤُلَاءِ السِّتَّة من بني غنم بْن مَالك بْن النجار.
وَسَهل بْن عتِيك بْن النُّعْمَان بْن النجار من بني عَامر بْن مَالك بْن النجار.
وَأَوْس بْن ثَابت بْن الْمُنْذر بْن حرَام، وَأَبُو طَلْحَة وَهُوَ زيد بْن سهل النجاري. وَهَذَانِ من بني عَمْرو بْن مَالك بْن النجار.
وَقيس بْن أبي صعصعة النجاري، وَعَمْرو بْن غزيَّة بْن عمر. وَهَذَانِ من بني غنم بْن مَازِن بْن النجار.
وخارجة بْن زيد بْن أبي زُهَيْر، وَبشير بْن سعد [بْن ثَعْلَبَة] بْن خلاس٣. وخلاد بْن سُوَيْد بْن ثَعْلَبَة. وَهَؤُلَاء من بني كَعْب بْن الْخَزْرَج بْن الْحَارِث بن الْخَزْرَج.
_________________
(١) ١ انْظُر فِي أَسمَاء من شهد الْعقبَة الثَّالِثَة ابْن هِشَام ٢/ ٩٧ وَابْن حزم ص ٧٨ وَابْن سيد النَّاس ١/ ١٦٧ وَابْن كثير ٣/ ١٦٦ والنويري ١٦/ ٣١٧. ٢ فِي الأَصْل ور: سوى، وَقد أعَاد ابْن عبد الْبر ذكر النُّقَبَاء. ٣ قَالَ ابْن سيد النَّاس: عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام. وبكسر الْخَاء وَتَخْفِيف اللَّام عِنْد غَيره.
[ ٧٢ ]
وَعبد اللَّه بْن زيد بْن ثَعْلَبَة من بني جشم بْن الْحَارِث بْن الْخَزْرَج.
وَعقبَة بْن عَمْرو بْن يسيرَة١ بْن عسيرة٢ أَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج. وَهُوَ وَجَابِر بْن عَبْد اللَّهِ أَصْغَر من شهد الْعقبَة.
وَزِيَاد بْن لبيد بْن ثَعْلَبَة، وفروة بْن عَمْرو بْن ودفة٣، وخَالِد بْن قيس بْن مَالك. وَهَؤُلَاء من بني بياضة بْن عَامر بْن زُرَيْق بْن عَبْد حَارِثَة بْن مَالك بْن غضب بْن جشم بْن الْخَزْرَج.
وذكوان بْن عَبْد قيس بْن خلدَة بْن مخلد بْن عَامر بْن زُرَيْق بْن عَامر أخي بياضة بن عَامر، وعياد بْن قيس بْن عَامر بْن خَالِد بْن عَامر بْن زُرَيْق بْن عَامر، والْحَارث بْن قيس بْن خَالِد بْن مخلد بْن زُرَيْق بْن عَامر أخي بياضة بْن عَامر.
وَمن بني سَلمَة بْن سعد بْن عَليّ: بشر بْن الْبَراء بْن معْرور، وَسنَان بْن صَيْفِي بْن صَخْر، والطفيل بْن النُّعْمَان بْن خنساء، وَمَعْقِل بْن الْمُنْذر بْن سرح، وَيزِيد بْن الْمُنْذر بْن سرح، ومسعود بْن زيد بْن سبيع، وَيزِيد بْن خدام٤ بْن سبيع، وَالضَّحَّاك بْن حَارِثَة بْن زيد، وجبار بْن صَخْر بْن أُميَّة، والطفيل بْن مَالك بْن الخنساء، وَهَؤُلَاء كلهم من بني عدي بْن غنم بْن كَعْب بْن سَلمَة.
وَمن بني سَواد بْن غنم بْن كَعْب بْن سَلمَة: كَعْب٥ بْن مَالك بْن أبي كَعْب الشَّاعِر، وسليم بْن عَمْرو بْن حَدِيدَة، وَقُطْبَة بْن عَامر بْن حَدِيدَة، وَأَخُوهُ يزِيد بْن عَامر، وَأَبُو الْيُسْر كَعْب بْن عَمْرو بْن عباد، وَابْن عَمه صَيْفِي بْن سَواد بْن عباد، وثعلبة بْن عنمة بْن عدي، وَأَخُوهُ عَمْرو بْن عنمة، وَعَبس بْن عَامر بْن عدي، وخَالِد بْن عَمْرو بْن عدي، وَعبد اللَّه بْن أنيس بْن أسعد حَلِيف لَهُم من قضاعة.
_________________
(١) ١ عِنْد ابْن هِشَام: أسيرة، وَفِي رِوَايَة عَن ابْن إِسْحَاق نسيرة، وضبطها ابْن عبد الْبر بِالْيَاءِ، انْظُر ابْن سيد النَّاس ١/ ١٦٨. ٢ قَالَ ابْن سيد النَّاس: اخْتلفُوا فِي ضبط عسيرة، فَمنهمْ من يفتح الْعين وَيكسر السِّين وَمِنْهُم من يفتح السِّين وَيضم الْعين. ٣ ضَبطهَا ابْن هِشَام بِالدَّال وَالْفَاء وَقَالَ: إِن هَذَا هُوَ الْأَصَح، وتروى بِالذَّالِ، وبالدال وَالْقَاف. ٤ فِي ابْن هِشَام وَبَعض المراجع: حرَام. ٥ عِنْد ابْن هِشَام: كَعْب بْن مَالك بْن أبي كَعْب عَمْرو بن الْقَيْن، وَفِي بعض المراجع: كَعْب بْن مَالك بْن أبي كَعْب بن عَمْرو بن الْقَيْن. وَقد توفّي سنة ٥٠ فِي زمن مُعَاوِيَة.
[ ٧٣ ]
وَمن بني حرَام بْن كَعْب بْن غنم بْن كَعْب بْن سَلمَة: جَابر بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن حرَام كَانَ من أحدثهم سنا، ومعاذ بْن الجموح، وثابت بْن الْجذع، وَاسم الْجذع ثَعْلَبَة بْن كَعْب١ بْن حرَام بْن كَعْب، وَعُمَيْر بْن الْحَارِث بْن لبدة، وخديج بْن سَلامَة بْن أَوْس حَلِيف لَهُم من بلي.
وَمن إخْوَة بني سَلمَة وهم بَنو أُدي، وَيُقَال أُدي بْن سعد بْن عَليّ: معَاذ بْن جبل بْن عَمْرو بْن أَوْس بْن عَائِذ بْن عدي بْن كَعْب بْن عَمْرو بْن أُدي.
وَجَمِيع من شَهِدَهَا من بني سَلمَة وحلفائهم ثَلَاثُونَ رجلا. وَقد ذكر بعض أهل السّير فيهم أَوْس بْن عباد بْن عدي.
وَمن بني عَوْف بْن الْخَزْرَج ثمَّ من بني سَالم بْن عَوْف بْن عَمْرو بْن عَوْف بْن الْخَزْرَج: الْعَبَّاس بْن عبَادَة بْن نَضْلَة وَهُوَ مهَاجر أَنْصَارِي هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ إِلَى مَكَّة فَكَانَ مَعَه بهَا ثمَّ هَاجر مَعَه إِلَى الْمَدِينَة وَقتل يَوْم أحد، وَيزِيد بْن ثَعْلَبَة بْن خزمة٢ بْن أَصْرَم حَلِيف لَهُم من [بني] غصينة من بلي، وَعَمْرو بْن الْحَارِث بْن لبدة من القواقل. وَمن بني الحبلى واسْمه سَالم بْن عَمْرو بْن عَوْف: رِفَاعَة بْن عَمْرو بْن زيد بْن ثَعْلَبَة بْن مَالك بْن سَالم، وَعقبَة بْن وهب بْن كلدة بْن الْجَعْد من بني عَبْد اللَّهِ بْن غطفان بن سعد بن قيس عيلان حَلِيف لَهُم هَاجر أَيْضا إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى مَكَّة: فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة رجال.
وَمن بني كَعْب بْن الْخَزْرَج: سعد بْن عبَادَة بْن دليم، وَالْمُنْذر بْن عَمْرو وهما من النُّقَبَاء الَّذين ذكرنَا.
وَامْرَأَتَانِ: نسيبة بنت كَعْب بْن عَمْرو من بني مَازِن بْن النجار وَهِي أم عمَارَة قتل مُسَيْلمَة ابْنهَا حبيب بْن زيد بْن عَاصِم، وَالثَّانيَِة أَسمَاء بنت عَمْرو بْن عدي بْن نابي من بني سَواد بْن غنم بْن كَعْب بْن سَلمَة وَهِي أم منيع.
وَكَانَت الْبيعَة لَيْلَة الْعقبَة (الثَّالِثَة) على حَرْب الْأسود والأحمر. وَأخذ لنَفسِهِ، وَاشْترط عَلَيْهِم لرَبه، وَجعل لَهُم على الْوَفَاء بذلك الْجنَّة*.
_________________
(١) ١ فِي ابْن هِشَام: الْجذع: ثَعْلَبَة بن زيد بن الْحَارِث بن حرَام. ٢ فِي ابْن عبد الْبر ص١٢٨: بِسُكُون الزَّاي عِنْد ابْن إِسْحَاق والكلبي وَبِفَتْحِهَا عِنْد الطَّبَرِيّ وَرجح السّكُون ابْن عبد الْبر، وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْأَنْصَار خزمة بِالتَّحْرِيكِ. * قلت: النَّقِيب هُوَ الْأمين الْمُصدق على طائفته المنقب المفتش على أسرارهم والعارف بطرق أَمرهم الْمُخَاطب عَنْهُم فِي بعض الْحَالَات.
[ ٧٤ ]