ثمَّ كَانَت غَزْوَة الخَنْدَق فِي شَوَّال٢ من السّنة الْخَامِسَة، وَكَانَ سَببهَا أَن نَفرا من الْيَهُود، مِنْهُم كنَانَة بْن الرّبيع بْن أبي الْحقيق، وَسَلام بْن مشْكم، وحيي بْن أَخطب النضريون٣، وهوذة بْن قيس وَأَبُو عمار٤ من بني وَائِل -وهم كلهم يهود، وهم الَّذين حزبوا الْأَحْزَاب وألبوا وجمعوا- خَرجُوا٥ فِي نفر من بني النَّضِير وَنَفر من بني وَائِل، فَأتوا مَكَّة، فدعوا قُريْشًا إِلَى حَرْب رَسُول اللَّهِ ﷺ ووعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إِلَى ذَلِك، فأجابهم أهل مَكَّة إِلَى ذَلِك. ثمَّ خرج الْيَهُود المذكورون إِلَى غطفان فدعوهم إِلَى مثل ذَلِك فأجابوهم.
فَخرجت قُرَيْش يقودهم أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب، وَخرجت غطفان وَقَائِدهمْ عُيَيْنَة بْن حصن بْن حُذَيْفَة بْن بدر الْفَزارِيّ على فَزَارَة والْحَارث بْن عَوْف المري على بني مرّة ومسعود٦ بْن رخيلة على أَشْجَع٧. فَلَمَّا سمع رَسُول اللَّه ﷺ باجتماعهم وخروجهم إِلَيْهِ شاور أَصْحَابه، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سلمَان بِحَفر الخَنْدَق، فَرضِي رَأْيه*. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمئِذٍ:
_________________
(١) ١ انْظُر فِي غَزْوَة الخَنْدَق -وَتسَمى غَزْوَة الْأَحْزَاب- ابْن هِشَام ٣/ ٢٢٦ والواقدي ٣٦٢ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٤٧ والطبري ٢/ ٥٦٤ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ١٦٥ وَالْبُخَارِيّ ٥/ ١٠٧ وصحيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٢/ ١٤٥، ١٢/ ١٧١ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٥٤ وَابْن كثير ٤/ ٩٢ والنويري ١٧/ ١٦٦ والسيرة الحلبية ٢/ ٤٠١. ٢ قَالَ ابْن سعد: فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْخَامِسَة. وَقيل: بل كَانَت فِي السّنة الرَّابِعَة. وَهُوَ قَول ضَعِيف وَبِه قَالَ البُخَارِيّ وَابْن حزم. ٣ النضريون: نِسْبَة إِلَى بني النَّضِير. ٤ هَكَذَا فِي ر وَجَمِيع المصادر، وَفِي الأَصْل: أَبُو عمَارَة. ٥ وَفِيهِمْ نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا﴾ . ٦ فِي بعض المصادر مسعر بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين. ٧ وَيُقَال: خرجت مَعَهم بَنو سليم يقودهم سُفْيَان بن عبد شمس حَلِيف حَرْب بن أُميَّة، وَبَنُو أَسد يقودهم طليحة بن خويلد الْأَسدي. * قلت: فِيهِ مَا يدل وجوب اسْتِعْمَال الحذر فِي وقته، فَإِن كَانَ فِي ظَاهره وَهن ضَعِيف فَإِن عاقبته حميدة. وَفِيه مَا يدل على أَن الْأَعْمَال الشاقة المتعبة على الْجَمَاعَة يَنْبَغِي أَن تقسم حَتَّى لَا يتواكل النَّاس فِيمَا بَعضهم على بعض. وَتلك =
[ ١٦٩ ]
سلمَان منا، وَقَالَت الْأَنْصَار: سلمَان منا، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ" *.
وَعمل الْمُسلمُونَ فِي الخَنْدَق مجتهدين، ونكص المُنَافِقُونَ، وَجعلُوا يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا١. فَنزلت فيهم آيَات من الْقُرْآن ذكرهَا ابْن إِسْحَاق وَغَيره. وَكَانَ من فرغ من الْمُسلمين من حِصَّته عَاد إِلَى غَيره فأعانه حَتَّى كمل الخَنْدَق. وَكَانَ فِيهِ آيَات بَيِّنَات وعلامات للنبوات مذكورات عِنْد أهل السّير والْآثَار، وَمِنْهَا أَن كدية٢ اعتاصت على الْمُسلمين، فدعوا رَسُول اللَّه ﷺ إِلَيْهَا، فضربها بالفأس ضَرْبَة طَار مِنْهَا الشرار وَقطع مِنْهَا الثُّلُث، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ فُتِحَ قَيْصَرُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى الْقُصُورَ الْحُمْرَ". ثمَّ ضرب الثَّانِيَة فَقطع مِنْهَا الثُّلُث الثَّانِي، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ فُتِحَ كِسْرَى، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى الْقُصُورَ الْبِيضَ". ثمَّ ضرب الثَّالِثَة فَقطع الثُّلُث الْبَاقِي، وَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ فُتِحَ الْيَمَنُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى بَابَ صَنْعَاءَ" ٣. وَقد نصر اللَّه عَبده وَصدق وعده، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.
_________________
(١) = سنة الْأَنْبِيَاء فِي مثل ذَلِك. وَجَاء فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق﴾ أَن كَانُوا اقتسموا الْأَعْمَال من احتطاب واحتشاش ورعي وحراسة، فَهُوَ معنى الاستباق. وَهِي أَيْضا عَادَة الْمُسلمين فِي حفر الْخَنَادِق وَشرط ذَلِك السَّلامَة من التنافس والتحاسد والتعيير. وَلِهَذَا من فرغ "من" حِصَّته قبل صَاحبه أعَان من لم يفرغ بِلَا تنقيص وَلَا تَعْبِير. وَالله أعلم. * قلت: مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ النصب على الِاخْتِصَاص "أَي فِي كلمة أهل الْبَيْت" وَقيل: يجوز الْخَفْض على الْبَدَل من الضَّمِير "فِي منا" وَهُوَ مَذْهَب الْأَخْفَش لجَوَاز الْبَدَل من ضمير الْمُتَكَلّم والمخاطب خلافًا لسيبويه، فَإِنَّهُ قَالَ: هما غَايَة فِي الْبَيَان فَلَا يحتاجان إِلَى الْبَدَل. وَعِنْدِي فِي إِعْرَاب هَذِه الْكَلِمَة فِي الحَدِيث نُكْتَة لَطِيفَة، وَذَلِكَ أَن الْمُضمر فِيهَا جَاءَ فِيهِ احْتِمَال أَن يُرَاد الْمُتَكَلّم خَاصَّة أَو يُرَاد الْمُتَكَلّم وجماعته. وَالْجَمَاعَة هَا هُنَا يحْتَمل أَن يُرَاد بهم الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَو أهل الْبَيْت صلوَات الله عَلَيْهِم، فَلَمَّا تعدد الِاحْتِمَال جَازَ الْبَيَان بالإبدال. وَيَنْبَغِي أَن يكون النَّبِي ﷺ دَاخِلا فِي أهل الْبَيْت هَهُنَا لقَوْله "منا" وَيكون المُرَاد أهل بَيت النُّبُوَّة، بِخِلَاف التَّقْدِير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ فَيَنْبَغِي أَن يكون التَّقْدِير حِينَئِذٍ أهل بَيت النَّبِي، وَيكون النَّبِي ﷺ هَا هُنَا خَارِجا من اللَّفْظ، لِأَن أهل بَيته أَزوَاجه. وَفِي هَذِه المرحمة تَعْظِيم عَظِيم من الله تَعَالَى لنَبيه ﵇ فَإِنَّهُ جعل الْبَيْت الْمُطلق عبارَة عَن بَيته كَمَا جعل الْبَيْت الْمُطلق فِي حَقه تَعَالَى عبارَة عَن الْكَعْبَة كالاسم الْعلم لَهَا "أَي فِي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا﴾ . ١ اللواذ: التستر بِشَيْء عِنْد الْفِرَار وَهُوَ إِشَارَة إِلَى تعللهم بالأعذار. ٢ الكدية: الْحجر الضخم الصلد. ٣ وكأنما سلم رَسُول الله لأَصْحَابه فِي ذَلِك الْيَوْم مَفَاتِيح تِلْكَ الْبلدَانِ.
[ ١٧٠ ]
فَلَمَّا فرغ١ رَسُول اللَّه ﷺ أَقبلت قُرَيْش فِي نَحْو عشرَة٢ آلَاف بِمن مَعَهم من كنَانَة وَأهل تهَامَة٣. وَأَقْبَلت غطفان بِمن مَعهَا من أهل نجد حَتَّى نزلُوا إِلَى جَانب أحد.
وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ والمسلمون حَتَّى نزلُوا -بِظهْر٤ سلع- فِي ثَلَاثَة٥ آلَاف، وضربوا عَسْكَرهمْ، وَالْخَنْدَق بَينهم وَبَين الْمُشْركين. وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم فِي قَول ابْن شهَاب.
وَخرج عَدو اللَّه حييّ بْن أَخطب النضري٦ حَتَّى أَتَى كَعْب بْن أَسد الْقرظِيّ وَكَانَ صَاحب عقد بني قُرَيْظَة وَرَئِيسهمْ، وَكَانَ قد وادع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعاقده وعاهده. فَلَمَّا سمع كَعْب بْن أَسد بحيي بْن أَخطب أغلق دونه بَاب حصنه، وأبى أَن يفتح لَهُ، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ لي يَا كَعْب بْن أَسد، فَقَالَ: لَا أفتح لَك فَإنَّك رجل مشئوم تَدعُونِي إِلَى خلاف مُحَمَّد وَأَنا عاقدته وعاهدته وَلم أر فِيهِ إِلَّا وَفَاء وصدقا، فلست بناقض مَا بيني وَبَينه. فَقَالَ حييّ: افْتَحْ لي حَتَّى أُكَلِّمك فأنصرف عَنْك، قَالَ: لَا أفعل، قَالَ: إِنَّمَا تخَاف أَن آكل مَعَك جشيشتك٧. فَغَضب كَعْب وَفتح لَهُ، فَقَالَ: هَل إِنَّمَا جئْتُك بعز الدَّهْر، جئْتُك بِقُرَيْش وسادتها وغَطَفَان وقادتها قد تعاقدوا على أَن يستأصلوا مُحَمَّدًا وَمن مَعَه.
فَقَالَ لَهُ كَعْب: جئتني وَالله بذل الدَّهْر وبجهام٨ لَا غيث فِيهِ، وَيحك يَا حييّ! دَعْنِي فلست بفاعل مَا تَدعُونِي إِلَيْهِ. فَلم يزل حييّ بكعب يعده ويغره، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ وعاهده على خذلان النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَأَن يصير مَعَهم، وَقَالَ لَهُ حييّ بن أَخطب: إِن
_________________
(١) ١ ختلف فِي مُدَّة حفر الخَنْدَق، فَقيل: كمل فِي سِتَّة أَيَّام. وَقيل: فِي بضعَة عشر يَوْمًا، وَقيل: فِي أَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا. ٢ هَكَذَا فِي رو الأَصْل وَابْن هِشَام، وَفِي بعض المصادر أَن قُريْشًا وَمن مَعهَا من كنَانَة وَأهل تهَامَة كَانُوا أَرْبَعَة آلَاف وَكَانَ مَعَهم ثَلَاثمِائَة فَارس وَألف وَخَمْسمِائة بعير وَأَن جَمِيع من وافى الخَنْدَق من قُرَيْش وغَطَفَان وَالْعرب كَانُوا عشرَة آلَاف. ٣ يُقَال: نزلت قُرَيْش بِمن مَعهَا فِي مُجْتَمع السُّيُول من رومة. ٤ أَي أَنهم نزلُوا بسفحه وَجعلُوا إِلَيْهِ ظُهُورهمْ. ٥ وَقيل: كَانُوا فِي تِسْعمائَة. ٦ هَكَذَا فِي ر وَفِي الأَصْل: النضيري. ٧ الجشيشة: طَعَام يصنع من الجشيش، وَهُوَ الْبر يطحن غليظا. فَإِذا طبخ وَأُلْقِي عَلَيْهِ بعض اللَّحْم أَو التَّمْر فَهُوَ الجشيشة. ٨ بجهام: السَّحَاب غير الممطر، يَبْرق ويرعد وَلَا مَاء فِيهِ.
[ ١٧١ ]
انصرفت قُرَيْش وغَطَفَان دخلت عنْدك بِمن معي من يهود*. فَلَمَّا انْتهى خبر كَعْب وحيي إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمين بعث سعدَ بْن عبَادَة وَهُوَ سيد الْخَزْرَج وَسيد الْأَوْس سعد بْن معَاذ وَبعث مَعَهُمَا عَبْدَ اللَّهِ بْن رَوَاحَة وخوات بْن جُبَير، وَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "انْطَلقُوا إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِن كَانَ مَا قيل لنا حَقًا فالحنوا لنا لحنا نعرفه، وَلَا تفتوا فِي أعضاد الْمُسلمين، وَإِن كَانَ كذبا فاجهروا بِهِ للنَّاس" * *. فَانْطَلقُوا حَتَّى أتوهم، فوجدوهم على أَخبث مَا قيل لَهُم عَنْهُم، ونالوا من رَسُول اللَّه ﷺ. وَقَالُوا: لَا عهد لَهُ عندنَا. فشاتمهم سعد بْن معَاذ وشاتموه وَكَانَت فِيهِ حِدة، فَقَالَ لَهُ سعد بْن عبَادَة: دع عَنْك مشاتمتهم، فَالَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ أكبر من المشاتمة. ثمَّ أقبل سعد وَسعد حَتَّى أَتَيَا رَسُول اللَّه ﷺ فِي جمَاعَة من الْمُسلمين، فَقَالَا: عضل والقارة. يعرضان بغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع: خبيبٍ وأصحابِهِ. فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "أَبْشِرُوا يَا معشر الْمُسلمين".
_________________
(١) * قلت: وَكَانَ حييّ هَذَا وَأَخُوهُ "أَبُو" يَاسر بن أَخطب من أَشد الْيَهُود عَدَاوَة للْمُسلمين، وتربصا بهم الدَّوَائِر. وهما اللَّذَان حسبا بِحِسَاب الْجمل الْحُرُوف الَّتِي "فِي" أَوَائِل السُّور فَأبْطل الله حسابهما وَعجل عذابهما. وضجع "ضعف" السُّهيْلي فِي إبِْطَال الْحساب الْمشَار إِلَيْهِ. وَهُوَ من المجوزات الْعَقْلِيَّة. وَحسب هُوَ عدد الْحُرُوف الْأَرْبَعَة عشر "الَّتِي جَاءَت فِي أَوَائِل السُّور" فَقَالَ جُمْلَتهَا تِسْعمائَة وَثَلَاث. وَغلط فَإِنَّهُ حسب السِّين بثلاثمائة وَإِنَّمَا هِيَ بستين على زعم أهل هَذَا الْحساب، وَحسب الضَّاد بستين وَإِنَّمَا هِيَ بتسعين، وَفِي حَدِيث عَن بعض بني الْعَبَّاس، قَالَ: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن عمر الْأمة: فَقَالَ: "إِن أساءت أمتِي عمرت نصف يَوْم أَي خَمْسمِائَة سنة! وَإِن أَحْسَنت عمرت يَوْمًا أَي ألف سنة! " فَإِن صَحَّ هَذَا فَهِيَ إِن شَاءَ الله محسنة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ . [انْظُر الرَّوْض الْأنف ٢/ ٣٥] . * * قلت: اللّحن: أَصله الْعُدُول عَن طَرِيق الصَّوَاب وَهُوَ ضد النَّحْو فَإِنَّهُ قصد الطَّرِيق الصَّوَاب، وَالْمرَاد هَا هُنَا: تكلمُوا بِكَلَام يفهم مِنْهُ الْغَرَض وَلَا يفهمهُ غَيرنَا. وَهَكَذَا المعاريض والتورية، وَهُوَ أصل فِي جَوَاز الْكِنَايَة بالمظنات وبالمرجمات. وَيحْتَاج الْمَرْء إِلَى ذَلِك إِمَّا دينا أَو دنيا حَيْثُ يحْتَاج إِلَى الكتمان. وعَلى هَذَا حمل قَوْله: منطق صائب وتلحن أَحْيَا نَا وَخير الْكَلَام مَا كَانَ لحنا أَي توري فِي كَلَامهَا وَتعرض. وَبِهَذَا فسره الْحجَّاج بن يُوسُف لامْرَأَته هِنْد بنت أَسمَاء، وَكَانَت أُخْت هَذَا الشَّاعِر مَالك بن أَسمَاء. وَبلغ الحَدِيث الجاحظ وَقد فسر الْبَيْت فِي كتاب الْبَيَان "والتبيين" بِأَن المُرَاد باللحن الْخَطَأ فندم، واعترف بِأَنَّهُ أَخطَأ، فَقيل لَهُ: هلا تغيره؟ فَقَالَ "كَيفَ؟ " قد سَارَتْ بِهِ البغال الشهب وأنجد "فِي الْبِلَاد" وغار. وَفِي الحَدِيث مَا يدل على أَنه لَا يجوز التخذيل وَلَا إِشَاعَة الْأَخْبَار الموهنة للْمُسلمين وَإِن كَانَت صَحِيحَة، بل تطوى ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا﴾ وَالله أعلم "انْظُر الرَّوْض الْأنف ٢/ ١٩٠".
[ ١٧٢ ]
وَعظم عِنْد ذَلِك الْبلَاء وَاشْتَدَّ الْخَوْف، وأتى الْمُسلمين عدُوُّهُمْ من فَوْقهم١ وَمن أَسْفَل٢ مِنْهُم حَتَّى ظنُّوا بِاللَّه الظنون٣، وَأظْهر المُنَافِقُونَ كثيرا مِمَّا كَانُوا يسرون، فَمنهمْ من قَالَ: إِن بُيُوتنَا عَورَة فلننصرف إِلَيْهَا٤، فَإنَّا نَخَاف عَلَيْهَا، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك أَوْس بْن قيظي إِلَّا أَنه مَعَ ذَلِك ولد ولدا سيدا فَاضلا وَهُوَ عرابة بْن أَوْس الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِر٥:
إِذا مَا راية رفعت لمجد تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ
وَقد قيل إِن لَهُ صُحْبَة بِالنَّبِيِّ ﷺ. وَمِنْهُم من قَالَ: يعدنا مُحَمَّد أَن نفتح كنوز كسْرَى وَقَيْصَر، وأحدنا الْيَوْم لَا يَأْمَن على نَفسه [أَن] يذهب إِلَى الْغَائِط، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك معتب٦ بْن قُشَيْر أحد بني عَمْرو بْن عَوْف.
وَأقَام رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأقَام الْمُشْركُونَ بضعا وَعشْرين لَيْلَة قَرِيبا من شهر لم يكن بَينهم حَرْب إِلَّا الرَّمْي بِالنَّبلِ والحصا. فَلَمَّا رأى رَسُول اللَّه ﷺ أَنه اشْتَدَّ على الْمُسلمين الْبلَاء بعث إِلَى عُيَيْنَة بْن حصن الْفَزارِيّ وَإِلَى الْحَارِث بْن عَوْف بْن أبي حَارِثَة٧ المري وهما قائدا غطفان، فَأَعْطَاهُمَا ثلث ثمار الْمَدِينَة لينصرفا بِمن مَعَهُمَا من غطفان و[أهل] نجد٨ وَيرجع بقومهما عَنْهُم٩. وَكَانَت هَذَا الْمقَالة مراوضة وَلم تكن عقدا. فَلَمَّا رأى رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّهُمَا قد أنابا١٠ ورضيا أَتَى سعدَ بْن معَاذ وسعدَ بْن عبَادَة فَذكر لَهما واستشارهما، فَقَالَا: يَا رَسُول اللَّه هَذَا أَمر تحبه فنصنعه لَك، أَو شَيْء أَمرك اللَّه بِهِ فنسمع
_________________
(١) ١ من فَوْقهم أَي من فَوق الْوَادي من قبل الْمشرق حَيْثُ كَانَت غطفان وجموعها. ٢ وَمن أَسْفَل مِنْهُم أَي من بطن الْوَادي من قبل الْمغرب حَيْثُ كَانَت قُرَيْش وجموعها. ٣ وَفِي ذَلِك نزلت الْآيَة: ﴿إِذْ جاءوكم من فَوْقكُم وَمن أَسْفَل مِنْكُم وَإِذ زاغت الْأَبْصَار وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وتظنون بِاللَّه الظنونا﴾ . ٤ وَفِيهِمْ نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ إِن بُيُوتنَا عَورَة وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ . ٥ هُوَ الشماخ. ٦ وَفِيهِمْ نزلت الْآيَة: ﴿وَإِذ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض مَا وعدنا الله وَرَسُوله إِلَّا غرُورًا﴾ . ٧ فِي الأَصْل: الْحَارِث وَهُوَ خطأ من النَّاسِخ. ٨ فِي الأَصْل زِيَادَة كلمة: قُرَيْش. ٩ فِي ابْن هِشَام: عَنهُ وَعَن أَصْحَابه. ١٠ أناب: رَجَعَ وَأجَاب.
[ ١٧٣ ]
لَهُ ونطيع، أَو أَمر تَصنعهُ لنا؟ قَالَ: "بل أَمر أصنعه لكم، وَالله مَا أصنعه إِلَّا لأنني ١ قد رَأَيْت الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة". فَقَالَ لَهُ سعد بْن معَاذ: يَا رَسُول اللَّه، وَالله لقد كُنَّا نَحن وَهَؤُلَاء الْقَوْم على الشّرك بِاللَّه وَعبادَة الْأَوْثَان لَا نعْبد اللَّهَ وَلَا نعرفه وَمَا طمعوا قطّ بِأَن ينالوا منا ثَمَرَة إِلَّا بشرَاء أَو قرى٢، فحين أكرمنا اللَّه بِالْإِسْلَامِ وهدانا لَهُ وأعزنا بك نعطيهم أَمْوَالنَا، وَالله لَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف حَتَّى يحكم اللَّه بَيْننَا وَبينهمْ. فسر رَسُول اللَّه ﷺ بذلك، وَقَالَ لَهُم: "أَنْتُم وَذَاكَ". وَقَالَ لعيينة والْحَارث: "انصرفا، فَلَيْسَ لكم عندنَا إِلَّا السَّيْف". وَتَنَاول الصَّحِيفَة٣ وَلَيْسَ فِيهَا شَهَادَة فمحاها.
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمسلمون على حَالهم وَالْمُشْرِكُونَ يحاصرونهم وَلَا قتال مِنْهُم إِلَّا أَن فوارس من قُرَيْش مِنْهُم عَمْرو بْن عَبْد ود العامري من بني عَامر بْن لؤَي، وَعِكْرِمَة بْن أبي جهل، وهبيرة بْن أبي وهب، وَضِرَار بْن الْخطاب الفِهري وَكَانُوا فرسَان قُرَيْش وشجعانهم أَقبلُوا حَتَّى وقفُوا على الخَنْدَق. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: إِن هَذِه المكيدة مَا كَانَت الْعَرَب تكيدها٤، ثمَّ تيمموا٥ مَكَانا ضيقا من الخَنْدَق [فَضربُوا٦ خيلهم فَاقْتَحَمت مِنْهُ] وصاروا بَين الخَنْدَق وَبَين سلع. وَخرج عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ فِي نفر من الْمُسلمين، حَتَّى أخذُوا عَلَيْهِم الثغرة٧ الَّتِي اقتحموا مِنْهَا، وَأَقْبَلت الفرسان نحوهم. وَكَانَ عَمْرو بْن [عَبْد] ود قد أثبتته الْجراح يَوْم بدر، فَلم يشْهد أحدا وَأَرَادَ يَوْم الخَنْدَق أَن يرى مَكَانَهُ. فَلَمَّا وقف هُوَ وخيله نَادَى: [هَل] من مبارز؟ فبرز لَهُ عَليّ بْن أبي طَالب ﵁، وَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرو إِنَّك عَاهَدت الله فِيمَا بلغنَا عَنْك أَنَّك لَا تدعى إِلَى إِحْدَى خلتين إِلَّا أخذت إِحْدَاهمَا، قَالَ: نعم، وَقَالَ: إِنِّي أَدْعُوك لله ﷿ وَالْإِسْلَام، قَالَ: لَا حَاجَة لي بذلك. قَالَ: وأدعوك إِلَى البرَاز، قَالَ: يَا بْن أخي وَالله مَا أحب أَن أَقْتلك لما
_________________
(١) ١ هَكَذَا فِي ابْن هِشَام وَفِي الأَصْل: أنني. ٢ الْقرى: الضِّيَافَة. ٣ هِيَ كتاب كَانَ الرَّسُول وعيينة بن حصن والْحَارث بن عَوْف قد كتبوه ليَكُون عقدا بَينهم وَلَكِن دون شَهَادَة، وَكَأَنَّهُ كَانَ نُسْخَة للمراجعة. ٤ هَكَذَا فِي ابْن هِشَام وَفِي الأَصْل: يكيدونها. ٥ تيمموا: قصدُوا. ٦ زِيَادَة من ابْن هِشَام. ٧ الثغرة: الثلمة الَّتِي اقتحموا مِنْهَا الخَنْدَق.
[ ١٧٤ ]
كَانَ بيني وَبَين أَبِيك، فَقَالَ لَهُ عَليّ: أَنا وَالله أحب أَن أَقْتلك. فحمي١ عَمْرو بْن [عَبْد] ود العامري وَنزل عَن فرسه، وَسَار نَحْو عَليّ، فتنازلا وتجاولا، وثار النَّقْع٢ بَينهمَا حَتَّى حَال دونهمَا، فَمَا انجلى النَّقْع حَتَّى رُؤِيَ عَليّ على صدر عَمْرو يقطع رَأسه. فَلَمَّا رأى أَصْحَابه أَنه قد قَتله عَليّ اقتحموا بخيلهم الثغرة منهزمين هاربين، وَقَالَ عَليّ -﵁- فِي ذَلِك:
نَصَرَ الْحِجَارَة من سفاهة رَأْيه ونصرت دين مُحَمَّد بضراب٣
لَا تَحْسَبُنَّ اللَّه خاذِلَ دينه وَنبيه يَا معشر الْأَحْزَاب
نازلته وَتركته متجدلا كالجذع بَين دكادك وروابي٤
وَرمي يَوْمئِذٍ سعد بْن [معَاذ] بِسَهْم فَقطع مِنْهُ الأكحل٥، رَمَاه حبَان بْن قيس بْن العرقة أحد بني عَامر بْن لؤَي. فَلَمَّا أَصَابَهُ قَالَ لَهُ: خُذْهَا إِلَيْك وَأَنا ابْن العرقة، فَقَالَ لَهُ سعد: عرق اللَّه وَجهك فِي النَّار، وَقيل: بل الَّذِي رَمَاه أَبُو أُسَامَة الْجُشَمِي حَلِيف بني مَخْزُوم.
ولحسان بْن ثَابت مَعَ صَفِيَّة بنت عَبْد الْمطلب خبر طريف٦ يَوْمئِذٍ وَكَانَ حسان قد تخلف عَن الْخُرُوج مَعَ الْخَوَالِف بِالْمَدِينَةِ ذكره ابْن إِسْحَاق وَطَائِفَة من أهل السّير، وَقد أنكرهُ مِنْهُم آخَرُونَ، فَقَالُوا لَو كَانَ فِي حسان من الْجُبْن مَا وصفتم لهجاه بذلك من كَانَ يهاجيه فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام، ولهجي بذلك ابْنه عَبْد الرَّحْمَن، فَإِنَّهُ كَانَ كثيرا مَا يهاجي النَّاس من شعراء الْعَرَب مثل النَّجَاشِيّ وَغَيره.
وأتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نعيم بْن مَسْعُود بْن عَامر الْأَشْجَعِيّ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنِّي قد أسلمت، وَلم يعلم قومِي بِإِسْلَامِي، فمرني بِمَا شِئْت، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ: "إِنَّمَا أَنْت
_________________
(١) ١ حمي: احتد غَضَبه. ٢ النَّقْع: غُبَار الْحَرْب. ٣ فِي ابْن هِشَام: بصواب، وَيُرِيد بِالْحِجَارَةِ الأنصاب الَّتِي كَانُوا يقدسونها ويذبحون لَهَا. ٤ متجدلا: لاصقا بِالْأَرْضِ، والدكادك: جمع دكدك وَهُوَ الرمل اللين. والروابي: التلال والمرتفعات. ٥ الأكحل: وريد فِي الذِّرَاع يكثر فصده، أَو هُوَ عرق الْحَيَاة وَفِي كل عُضْو مِنْهُ شُعْبَة. ٦ انْظُر فِي هَذَا الْخَبَر ابْن هِشَام ٣/ ٢٣٩ وَمُلَخَّصه أَن صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب كَانَت تنزل مَعَه فِي حصنه أثْنَاء حَرْب الخَنْدَق ولاحظت أَن يَهُودِيّا يطِيف بِهِ. فطلبت إِلَى حسان أَن ينزل إِلَيْهِ فيقتله، فَقَالَ لَهَا: وَالله مَا أَنا بِصَاحِب هَذَا، فَأخذت هِيَ عمودا وَنزلت إِلَى الرجل وقتلته، ثمَّ صعدت إِلَى حسان، وَقَالَت لَهُ: انْزِلْ فَخذ سلبه.
[ ١٧٥ ]
رجل وَاحِد ١ من غطفان، فَلَو خرجت فخذلت عَنَّا كَانَ أحب إِلَيْنَا من بقائك فَاخْرُج ٢ فَإِن الْحَرْب خدعة". فَخرج نعيم بْن مَسْعُود حَتَّى أَتَى بني قُرَيْظَة وَكَانَ ينادمهم فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ: يَا بني قُرَيْظَة قد عَرَفْتُمْ ودي إيَّاكُمْ وخاصة مَا بيني وَبَيْنكُم، قَالُوا: قل، لست عندنَا بمتهم، فَقَالَ لَهُم: إِن قُريْشًا وغَطَفَان لَيْسُوا كأنتم، الْبَلَد بلدكم، وَفِيه٣ أَمْوَالكُم وأبناؤكم وَنِسَاؤُكُمْ، وَإِن قُريْشًا وغَطَفَان قد جَاءُوا لِحَرْب مُحَمَّد وَأَصْحَابه وَقد ظاهرتموهم٤ عَلَيْهِ، فَإِن رَأَوْا نهزة٥ أَصَابُوا وَإِن كَانَ غير ذَلِك لَحِقُوا ببلادهم وخلوا بَيْنكُم وَبَين الرجل، وَلَا طَاقَة لكم بِهِ، فَلَا تقاتلوا مَعَ الْقَوْم حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُم رهنا. ثمَّ خرج حَتَّى أَتَى قُريْشًا، فَقَالَ لَهُم: قد عَرَفْتُمْ ودي لكم معشر قُرَيْش وفراقي مُحَمَّدًا وَقد بَلغنِي أَمر أرى من الْحق أَن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا عَليّ، قَالُوا: نَفْعل. قَالَ: أتعلمون أَن معشر يهود قد ندموا على مَا كَانَ من خلافهم مُحَمَّدًا وَأَرْسلُوا إِلَيْهِ إِنَّا قد ندمنا على مَا فعلنَا، فَهَل يرضيك أَن نَأْخُذ من قُرَيْش وغَطَفَان رهنا رجَالًا ونسلمهم إِلَيْكُم لتضربوا أَعْنَاقهم، ثمَّ نَكُون مَعكُمْ على من بَقِي مِنْهُم حَتَّى تستأصلهم. ثمَّ أَتَى غطفان، فَقَالَ مثل ذَلِك. فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة السبت وَكَانَ ذَلِك من صنع اللَّه ﷿ لرَسُوله وَلِلْمُؤْمنِينَ أرسل أَبُو سُفْيَان إِلَى بني قُرَيْظَة عكرمةَ بْنَ أبي جهل فِي نفر من قُرَيْش وغَطَفَان يَقُول لَهُم: إِنَّا لسنا بدار مقَام، قد هلك الْخُف والحافر٦ فاغدوا صَبِيحَة غَد لِلْقِتَالِ حَتَّى نفاجيء مُحَمَّدًا. فأرسلوا إِلَيْهِم إِن الْيَوْم يَوْم السبت٧، وَقد علمْتُم مَا نَالَ مَنْ تعدى فِي السبت، وَمَعَ ذَلِك فَلَا نُقَاتِل مَعكُمْ أحدا تعطونا رهنا. فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُول بِذَاكَ قَالُوا: صدقنا وَالله نعيم بْن مَسْعُود. فَردُّوا إِلَيْهِم الرُّسُل، وَقَالُوا: وَالله لَا نعطيكم رهنا أبدا، فاخرجوا مَعنا إِن شِئْتُم، وَإِلَّا فَلَا عهد بَيْننَا وَبَيْنكُم، فَقَالَ بَنو قُرَيْظَة: صدق وَالله نعيم بْن مَسْعُود. وَخَذَّلَ بَينهم وَاخْتلفت كلمتهم وَبعث اللَّه عَلَيْهِم ريحًا عاصفا فِي لَيَال
_________________
(١) ١ عبارَة ابْن هِشَام: إِنَّمَا أَنْت فِينَا رجل. ٢ فِي ابْن هِشَام: فخذل عَنَّا إِن اسْتَطَعْت. ٣ هَكَذَا ر وَفِي ابْن هِشَام، وَفِي الأَصْل: فِيهِ. ٤ ظاهرتموهم: أعنتموهم وساعدتموهم. ٦ نهزة: فرْصَة. ٦ الْخُف: الْإِبِل: الْحَافِر: الْخَيل. ٧ فِي ابْن هِشَام: وَهُوَ يَوْم لَا نعمل فِيهِ شَيْئا.
[ ١٧٦ ]
شَدِيدَة الْبرد، فَجعلت الرّيح تقلب أبنيتهم١، وتكفأ٢ قدورهم.
فَلَمَّا اتَّصل برَسُول اللَّه ﷺ اخْتِلَاف أَمرهم بعث حُذَيْفَة بْن الْيَمَان ليَأْتِيه بخبرهم، فَأَتَاهُم واستتر فِي غمارهم، وَسمع أَبَا سُفْيَان يَقُول: يَا معشر قُرَيْش ليتعرف كل امريء مِنْكُم جليسه. قَالَ حُذَيْفَة: فَأخذت بيد جليسي وَقلت: من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا فلَان. ثمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَان: يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم وَالله مَا أَصْبَحْتُم بدار مقَام، وَلَقَد هلك الكراع٣ والخف وأخلفتنا بَنو قُرَيْظَة ولقينا من هَذِه الرّيح مَا ترَوْنَ، مَا يسْتَمْسك لنا بِنَاء وَلَا تثبت لنا قدر وَلَا تقوم [لنا] ٤ نَار، فارتحلوا، فَإِنِّي مرتحل. ووثب على جمله، فَمَا حل عقال يَده٥ إِلَّا وَهُوَ قَائِم*. قَالَ حُذَيْفَة: وَلَوْلَا عهد رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى إِذْ بَعَثَنِي، وَقَالَ لي: "مر إِلَى الْقَوْم فَاعْلَم مَا هم عَلَيْهِ وَلَا تُحْدِثْ شَيْئا" -لقتلته بِسَهْم. ثمَّ أتيت رَسُول اللَّه ﷺ عِنْد رحيلهم فَوَجَدته قَائِما يُصَلِّي، فَأَخْبَرته، فَحَمدَ اللَّه.
وَلما أصبح رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقد ذهب الْأَحْزَاب رَجَعَ٦ إِلَى الْمَدِينَة وَوضع الْمُسلمُونَ سِلَاحهمْ، فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﷺ فِي صُورَة دحْيَة بن خَليفَة الْكَلْبِيّ على بغلة عَلَيْهِ قطيفة ديباج فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّد إِن كُنْتُم قد وضعتم سلاحكم فَمَا وضعت الْمَلَائِكَة سلاحها، إِن اللَّه يَأْمُرك أَن تخرج إِلَى بني قُرَيْظَة وَإِنِّي مُتَقَدم إِلَيْهِم فَمُزَلْزِل بهم.
فَأمر رَسُول اللَّهِ ﷺ مناديا يُنَادي فِي النَّاس: "لَا يصلين أحدكُم الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة". وَكَانَ سعد بْن معَاذ إِذْ أَصَابَهُ السهْم دَعَا ربه، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت أبقيت من حَرْب قُرَيْش شَيْئا فأبقني لَهَا، فَإِنَّهُ لَا قوم أحب إِلَيّ أَن أجاهدهم من قوم كذبُوا رَسُولك وأخرجوه، اللَّهُمَّ إِن كنت وضعت الْحَرْب بَيْننَا وَبينهمْ فاجعلها لي شَهَادَة وَلَا تمتني حَتَّى تقر عَيْني من بني قُرَيْظَة.
_________________
(١) ١ أبنيتهم: خيامهم. ٢ تكفأ: تقلب. ٣ الكراع. الْخَيل. والخف: الْإِبِل. ٤ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. ٥ أَي يَد الْبَعِير وَكَانَ قد ضربه فَوَثَبَ بِهِ على ثَلَاث وَلم يُطلق عقال الرَّابِعَة إِلَّا وَهُوَ قَائِم. * قلت: هَذِه الرّيح، وَأما الْجنُود الَّتِي لم يروها، قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا﴾ فَتلك الْجنُود الْمَلَائِكَة بعثها الله قبل، فنفثت فِي روعهم الرعب والفشل، وَفِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ الْقُوَّة والأمل. وَقيل: إِنَّمَا بعثت الْمَلَائِكَة بزجر خيل الْعَدو وإبلهم، فَقطعُوا مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فِي يَوْم وَاحِد ناكصين. وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين. ٦ وَكَانَ رُجُوعه من غَزْوَة الخَنْدَق يَوْم الْأَرْبَعَاء لسبع لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة.
[ ١٧٧ ]