فَخرج الْمُسلمُونَ مبادرين إِلَى بني قُرَيْظَة، فطائفة خَافُوا فَوَات الْوَقْت فصلوا وَطَائِفَة قَالُوا: وَالله لَا صلينَا الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة، فبذلك أمرنَا رَسُول اللَّه ﷺ. ثمَّ علم ﷺ باجتهادهم، فَلم يعنف وَاحِدًا مِنْهُم*.
وَأعْطى رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّايَة عَليّ بْن أبي طَالب، واستخلف على الْمَدِينَة ابْن أم مَكْتُوم. ونهض عَليّ وَطَائِفَة مَعَه حَتَّى أَتَوا بني قُرَيْظَة ونازلوهم وسمعوا سبّ رَسُول الله فَانْصَرف عَليّ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُول اللَّه لَا تبلغ إِلَيْهِم وَعَرَّضَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ: "أَظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنْهُمْ شَتْمِي، لَوْ رَأَوْنِي لَكَفُّوا عَنْ ذَلِكَ". ونهض إِلَيْهِم، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمْسكُوا، فَقَالَ لَهُم: "نقضتم الْعَهْد يَا إخْوَة القرود، أخزاكم اللَّه وَأنزل بكم نقمته"، فَقَالُوا: مَا كنت جَاهِلا يَا مُحَمَّد فَلَا تجْهَل٢ علينا.
وَنزل رَسُول اللَّه ﷺ فَحَاصَرَهُمْ بضعا٣ وَعشْرين لَيْلَة، وَعرض عَلَيْهِم سيدهم كَعْب بْن أَسد ثَلَاث خِصَال ليختاروا أَيهَا شَاءُوا: إِمَّا أَن يسلمُوا ويتبعوا مُحَمَّدًا على مَا جَاءَ بِهِ فيسلموا، قَالَ: وتحرزوا أَمْوَالكُم ونساءكم وأبناءكم فوَاللَّه إِنَّكُم لتعلمون أَنه الَّذِي تجدونه فِي كتابكُمْ. وَإِمَّا أَن يقتلُوا أَبْنَاءَهُم ونساءهم ثمَّ يتقدموا فيقاتلوا حَتَّى يموتوا عَن آخِرهم. وَإِمَّا أَن يبيتوا٤ الْمُسلمين لَيْلَة السبت فِي حِين طمأنينتهم فيقتلوهم قتلا، فَقَالُوا لَهُ: أما الْإِسْلَام فَلَا نسلم وَلَا نخالف حكم التَّوْرَاة، وَأما قتل أَبْنَائِنَا ونسائنا فَمَا جزاؤهم الْمَسَاكِين منا أَن نقتلهم، وَنحن لَا نتعدى [فِي] السبت.
_________________
(١) ١ انْظُر فِي غَزْوَة بني قُرَيْظَة ابْن هِشَام ٣/ ٢٤٤ والواقدي ٣٧١ وَابْن سعد ج٢ ق١ص٥٣ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ١٦٧ وَالْبُخَارِيّ ٥/ ١١١ وتاريخ الطَّبَرِيّ ٢/ ٥٨١ وَابْن حزم ص١٩١ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٦٨ وَابْن كثير ٤/ ١١٦ والنويري ١٧/ ١٨٦ والسيرة الحلبية ٢/ ٤٢٧. * قلت: فِيهِ دَلِيل على أَن كل مُجْتَهد مُصِيب، لِأَنَّهُ سوى بَين الطَّائِفَتَيْنِ، وَلَو كَانَت إِحْدَاهمَا أَصَابَت وَالْأُخْرَى أَخْطَأت لفضل أهل الصَّوَاب، وَإِن لم يعنف أهل الْخَطَأ. "انْظُر فِي ذَلِك الرَّوْض الْأنف ٢/ ١٩٥". ٢ الْجَهْل هُنَا بِمَعْنى النزق والسفه أَي ضد الْحلم. ٣ قيل خمْسا وَعشْرين لَيْلَة. ٤ يبيتونهم: يأتونهم لَيْلًا.
[ ١٧٨ ]
ثمَّ بعثوا إِلَى أبي لبَابَة، وَكَانُوا حلفاء بني عَمْرو بْن عَوْف وَسَائِر الْأَوْس، فَأَتَاهُم، فَجمعُوا إِلَيْهِ أَبْنَاءَهُم ورجالهم ونساءهم وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لبَابَة أَتَرَى أَن ننزل على حكم مُحَمَّد؟ فَقَالَ: نعم، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حلقه، إِنَّه الذّبْح إِن فَعلْتُمْ. ثمَّ نَدم أَبُو لبَابَة فِي الْحِين، وَعلم أَنه خَان اللَّه وَرَسُوله، وَأَنه أَمر لَا يستره اللَّه عَن نبيه ﷺ. فَانْطَلق إِلَى الْمَدِينَة وَلم يرجع إِلَى النَّبِي ﷺ فَربط نَفسه فِي سَارِيَة١، وَأقسم لَا يبرح مَكَانَهُ حَتَّى يَتُوب اللَّه عَلَيْهِ. فَكَانَت امْرَأَته تحله لوقت كل صَلَاة. قَالَ ابْن عُيَيْنَة وَغَيره: فِيهِ نزلت: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم﴾ . وَأقسم أَن لَا يدْخل أَرض بني قُرَيْظَة أبدا، مَكَانا أصَاب فِيهِ الذَّم٢. فَلَمَّا بلغ ذَلِك النبيَّ من فعل أبي لبَابَة قَالَ: "أما إِنَّه لَو أَتَانِي لاستغفرت لَهُ، وَأما إِذا فعل فلست أُطْلِقُهُ حَتَّى يُطلقهُ اللَّه" فَأنْزل اللَّه تَعَالَى فِي أَمر أبي لبَابَة: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الْآيَة فَلَمَّا نزل فِيهِ الْقُرْآن أَمر رَسُول اللَّه ﷺ بِإِطْلَاقِهِ*.
وَنزل -فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي فِي صبيحتها نزلت بَنو قُرَيْظَة على حكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- ثَعْلَبَة، وَأسيد٣ ابْنا سعية، وَأسد بْن عبيد، وهم نفر من هدل بني عَم قُرَيْظَة وَالنضير وَلَيْسوا من قُرَيْظَة وَالنضير، نزلُوا مُسلمين، فأحرزوا أَمْوَالهم وأنفسهم. وَخرج فِي تِلْكَ اللَّيْلَة عَمْرو بْن سعدي [الْقرظِيّ] ٤ وَمر بحرس رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيهِ مُحَمَّد بْن مسلمة
_________________
(١) ١ سَارِيَة: عَمُود من أعمدة الْمَسْجِد. ٢ اخْتلف فِي السبت الَّذِي من أَجله صنع أَبُو لبَابَة مَا صنع ندما وطلبا للمغفرة، فَقيل كَمَا هُنَا بِسَبَب حادثته مَعَ بني قُرَيْظَة وَقيل لِأَنَّهُ تخلف عَن غَزْوَة تَبُوك فَنزلت فِيهِ الْآيَة: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ انْظُر الِاسْتِيعَاب ص٦٧٥. * قلت: وَإِنَّمَا أطلقهُ النَّبِي ﷺ بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم﴾ وَعَسَى من الله وَاجِبَة. وَجَاء فِي الْخَبَر أَنه لما نزلت تَوْبَته جَاءَت فَاطِمَة تحله، فَقَالَ: إِنِّي حَلَفت أَن لَا يُحِلنِي إِلَّا رَسُول اللَّه ﷺ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ حِينَئِذٍ: "فَاطِمَة بضعَة "قِطْعَة" مني". "وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ: "ومضغة مني" فَإِن قلت: فَلَو اتّفق مثل ذَلِك هَل كَانَ الْحَالِف يبر بِفعل ذَلِك الْمَحْلُوف عَلَيْهِ؟ قلت: لَا، إِمَّا لِأَن هَذَا خَاص، وَإِمَّا لِأَن فَاطِمَة بضعَة من الرَّسُول ﷺ قطعا لِأَنَّهُ حرسها الْوَحْي، وَأما ولد غير الْأَنْبِيَاء فَلَا يقطع بِأَنَّهُ ابْن أَبِيه، وَإِن طابقه، وَالله مُتَوَلِّي السرائر، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم﴾: وَالله إِنِّي لأعرفه أَكثر مِمَّا أعرف ابْني؛ لِأَنِّي أعرفهُ يَقِينا بالمعجزات والآيات، وَأما ابْني فَلَا أَدْرِي مَا صنع النِّسَاء. رَجَعَ الْكَلَام. ٣ بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين عِنْد أَكثر الروَاة، وَبِفَتْحِهَا مَعَ ضم الْهمزَة عِنْد نفر مِنْهُم. ٤ زِيَادَة من ابْن هِشَام.
[ ١٧٩ ]
وَكَانَ قد أَبى أَن يدْخل فِيمَا دخل فِيهِ بَنو قُرَيْظَة وَقَالَ: لَا أغدر بِمُحَمد أبدا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بْن مسلمة إِذْ عرفه: اللَّهُمَّ لَا تحرمني إِقَالَة عثرات الْكِرَام. فَخرج على وَجهه حَتَّى بَات فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ ثمَّ ذهب فَلم يُرَ بعد وَلم يعلم حَيْثُ سقط. وَذُكِرَ -لرَسُول اللَّه ﷺ- أمره، فَقَالَ: "ذَلِك رجل نجاه اللَّه بوفائه".
فَلَمَّا أصبح بَنو قُرَيْظَة نزلُوا على حكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فتواثب الْأَوْس إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّه قد علمت أَنهم حلفاؤنا، وَقد شَفَّعْتَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول فِي بني قينقاع١ حلفاء الْخَزْرَج، فَلَا يكن حظنا أوكس وأنقص عنْدك من حَظّ غَيرنَا، فهم موالينا. فَقَالَ لَهُم رَسُول اللَّهِ ﷺ: "يَا معشر الْأَوْس أَلا ترْضونَ أَن يحكم فيهم رجل مِنْكُم؟ " قَالُوا: بلَى، قَالَ: "فَذَلِك إِلَى سعد بْن معَاذ". وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قد ضرب لَهُ خيمة فِي الْمَسْجِد، ليعوده من قريب فِي مَرضه من جرحه الَّذِي أَصَابَهُ فِي الخَنْدَق. فَلَمَّا حَكَّمَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بني قُرَيْظَة أَتَاهُ قومه فاحتملوه على حمَار، وَقد وطئوا لَهُ بوسادة من أَدَم وَكَانَ رجلا جسيما. ثمَّ أَقبلُوا مَعَه إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ وَأَحَاطُوا بِهِ فِي طريقهم يَقُولُونَ: يَا أَبَا عَمْرو أحسن فِي [مواليك] فَإِنَّمَا ولاك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِك لتحسن إِلَيْهِم، فَقَالَ لَهُم: قد آن لسعد أَن لَا تَأْخُذهُ فِي اللَّه لومة لائم. فَرجع بعض من مَعَه إِلَى ديار بني عَبْد الْأَشْهَل فنعى إِلَيْهِم رجال بني قُرَيْظَة. فَلَمَّا أطل سعد على النَّبِي ﷺ قَالَ للْأَنْصَار: "قومُوا إِلَى سيدكم" * فَقَامَ الْمُسلمُونَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَمْرو أَن رَسُول اللَّه ﷺ قد ولاك أَمر مواليك لتَحكم فيهم، فَقَالَ سعد: عَلَيْكُم بذلك عهد اللَّه وميثاقه: أَن الحكم فيهم مَا حكمت٢؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: وعَلى من هُنَا؟ من٣ النَّاحِيَة الَّتِي فِيهَا
_________________
(١) ١ هَكَذَا فِي جَمِيع المصادر وَفِي الأَصْل ور بني النَّضِير. * قلت: وَاخْتلف فِي إِطْلَاق السَّيِّد فِي حق الْخلق فَقيل: لَا يجوز، وَجَاء فِي الحَدِيث أَنهم قَالُوا لَهُ ﵇: يَا سيدنَا، فَقَالَ: "إِنَّمَا السَّيِّد الله". وَقيل يجوز لحَدِيث سعد هَذَا. وَكَذَلِكَ اخْتلف فِي جَوَاز إِطْلَاقه فِي حق الله تَعَالَى، فَأَجَازَهُ قوم لقَوْله: "إِنَّمَا السَّيِّد الله". وَنقل عَن مَالك مَنعه وَلم يصحح سَنَد الحَدِيث الْمُتَقَدّم. وَقَالَ بَعضهم: السَّيِّد أحد مَا يُضَاف إِلَيْهِ. فَلَا تَقول لتميمي إِنَّه سيد كِنْدَة، وَإِنَّمَا سيد كِنْدَة أحدهم. قَالَ: فعلى هَذَا يحمل الْمَنْع فِي حَقه تَعَالَى إِذا أطلق، حَيْثُ لَا يجوز الدُّخُول فِي الْإِضَافَة فَلَا تَقول: الله سيد النَّاس. وَيجوز أَن تَقول الله سيد الأرباب وَسيد الكرماء! وَالله أعلم. ٢ هَكَذَا فِي ر وَابْن هِشَام، وَفِي الأَصْل: أَن أحكم فيهم مَا حكمت. ٣ فِي ابْن هِشَام: فِي.
[ ١٨٠ ]
رَسُول اللَّه ﷺ، وَهُوَ معرض عَن رَسُول الله إجلالا لَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: "نعم" قَالَ سعد: فَإِنِّي أحكم فيهم أَن يقتل الرِّجَال وتسبى الذَّرَارِي١ وَالنِّسَاء، وتقسم الْأَمْوَال، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ: "لقد حكمت فيهم بِحكم اللَّه تَعَالَى من فَوق سَبْعَة أَرقعَة" ٢ وَأمر بهم رَسُول اللَّه فأخرجوا إِلَى مَوضِع [سوق٣ الْمَدِينَة] فَخَنْدَق بهَا خنادق، ثمَّ أَمر بهم النَّبِي ﵇ فَضربت أَعْنَاقهم فِي تِلْكَ الْخَنَادِق* وَقتل يَوْمئِذٍ حييّ بْن أَخطب وَكَعب بْن أَسد. وَكَانُوا من الستمائة إِلَى السبعمائة. وَقتل من نِسَائِهِم امْرَأَة، وَهِي بنانة امْرَأَة الحكم الْقرظِيّ الَّتِي طرحت الرَّحَى على خَلاد٤ بْن سُوَيْد، فَقتلته* *.
وَأمر رَسُول اللَّه ﷺ بقتل كل من أنبت٥ مِنْهُم وَترك كل من لم ينْبت: وَكَانَ عَطِيَّة الْقرظِيّ من جملَة من لم ينْبت فاستحياه رَسُول اللَّه ﷺ وَهُوَ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة. ووهب رَسُول اللَّهِ ﷺ لِثَابِت بْن قيس بْن الشماس ولد الزبير٦ بْن باطا، فاستحياهم، مِنْهُم عَبْد الرَّحْمَن بْن الزبير أسلم وَله صُحْبَة ووهب أَيْضا -﵇- رِفَاعَة ابْن سموأل٧ الْقرظِيّ لأم الْمُنْذر سلمى٨ بنت قيس أُخْت سليط بْن قيس من بني
_________________
(١) ١الذَّرَارِي: الْأَوْلَاد الَّذين لم يبلغُوا الْحلم. ٢ الأرقعة: جمع رقيع، وَهِي السَّمَوَات، سميت كَذَلِك لِأَنَّهَا مَرْقُوعَة بالنجوم. ولوحظ فِي الأرقعة التَّذْكِير لذَلِك جِيءَ مَعهَا بِالْعدَدِ مؤنثا، وكأنما المُرَاد بهَا السقوف جمع سقف. ٣ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. * قلت: اسْتدلَّ بَعضهم بِهَذَا الحَدِيث على صِحَة القَوْل بِأَن لله تَعَالَى فِي كل وَاقعَة حكما معينا، من أَصَابَهُ فقد أصَاب الْحق وَمن أخطأه فقد أَخطَأ الْحق، خلافًا لِلْقَائِلين: كل مُجْتَهد مُصِيب وَلَا حكم لله فِي الْوَاقِعَة إِلَّا مَا ظَنّه الْمُجْتَهد. أجَاب الْآخرُونَ عَن هَذَا الحَدِيث بِأَن هَذِه الْمَسْأَلَة لم تكن ظنية، بل كَانَ وجوب قتل هَؤُلَاءِ قَطْعِيا وَكَانَ ذنبهم أعظم أَن يغْفر أَو يكفر أَو يقبل "فِيهِ" الْإِقَالَة، وَلَا خلاف بَين الطوائف أَن الْمسَائِل القطعية لله تَعَالَى فِيهَا حكم معِين. قلت: وَالظَّاهِر أَن لَا عذر بذلك، بل كَانَت الْمَسْأَلَة ظنية اجتهادية وَلِهَذَا كَانَ غير سعد من الْأَوْس يرى الْعَفو عَنْهُم وَقد عرضوا لسعد بذلك فَلم يقبل مِنْهُم، وَلَا يظنّ بالأوس بجملتهم أَنهم أخطئوا الصَّوَاب الْقطعِي فَدلَّ أَنه اجْتِهَاد وفْق فِيهِ سعد. ٤ فِي ر: خَالِد، وَكَانَ ذَلِك فِي أثْنَاء معركة بني قُرَيْظَة أَلْقَت الرَّحَى عَلَيْهِ من أحد آطامهم. ** قلت: فِيهِ دَلِيل على أَن الذِّمِّيَّة إِذا قَاتَلت فِي الْحَرْب فقتلت قتلت، وَفِيه خلاف، وَيحْتَمل أَن يُقَال قتلت وَهِي فِي الْعَهْد وَلَيْسَت مَسْأَلَة الْخلاف، لِأَن الذِّمِّيَّة تقتل بِالْمُسلمِ. ٥ أنبت: اخضرت ذقنه. ٦ كَانَت لَهُ على ثَابت يَد فِي الْجَاهِلِيَّة. ٧ فِي بعض المصادر: شمويل. ٨ هِيَ إِحْدَى خالات رَسُول الله ﷺ وَكَانَ لَاذَ بهَا رِفَاعَة.
[ ١٨١ ]
النجار، وَكَانَت قد صلت الْقبْلَتَيْنِ. فَأسلم رِفَاعَة، وَله صُحْبَة وَرِوَايَة.
وَقسم ﵇ أَمْوَال بني قُرَيْظَة، فَأَسْهم للفارس ثَلَاثَة أسْهم وللراجل سَهْما، وَقد قيل للفارس سَهْمَان وللراجل سهم. وَكَانَت الْخَيل للْمُسلمين يَوْمئِذٍ سِتَّة وَثَلَاثُونَ فرسا، وَوَقع للنَّبِي من [سَبْيهمْ] رَيْحَانَة بنت عَمْرو بْن خناقة إِحْدَى بني عَمْرو بْن قُرَيْظَة، فَلم تزل عِنْده إِلَى أَن مَاتَ ﷺ. وَقيل: إِن غنيمَة قُرَيْظَة هِيَ أول غنيمَة قسم فِيهَا للفارس والراجل وَأول غنيمَة جعل فِيهَا الْخمس [لله وَرَسُوله] وَقد تقدم أَن أول ذَلِك كَانَ فِي بعث عَبْد اللَّهِ بْن جحش، وَالله أعلم. وتهذيب ذَلِك أَن تكون غنيمَة بني قُرَيْظَة أول غنيمَة فِيهَا الْخمس بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأن لله خمسه ﴾ وَكَانَ عَبْد اللَّهِ قد خمس قبل ذَلِك فِي بَعثه١ ثمَّ نزل الْقُرْآن بِمثل فعله، وَذَلِكَ من فضائله رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ، وَقد ذكرنَا خَبره فِي بَابه من كتاب الصَّحَابَة.
وَكَانَ فتح بني قُرَيْظَة فِي آخر ذِي الْقعدَة وَأول ذِي الْحجَّة من السّنة الْخَامِسَة من الْهِجْرَة فَلَمَّا تمّ أَمر بني قُرَيْظَة أجيبت دَعْوَة الرجل الصَّالح سعد بْن معَاذ فانفجر جرحه، وَانْفَتح عرقه، فَجرى دَمه وَمَات، ﵁. وَهُوَ الَّذِي أَتَى الحَدِيث فِيهِ أَنه اهتز لمَوْته عرش الرَّحْمَن، يَعْنِي سكان الْعَرْش من الْمَلَائِكَة، فرحوا بقدوم روحه واهتزوا لَهُ.
ذكر من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم الخَنْدَق
سعد بْن معَاذ أَبُو عَمْرو من بني عبد الْأَشْهَل، وَأنس بْن عتِيك، وَعبد اللَّه بْن سهل وَكِلَاهُمَا أَيْضا من بني عَبْد الْأَشْهَل، والطفيل بْن النُّعْمَان، وثعلبة٢ بْن عنمة وَكِلَاهُمَا من بني سَلمَة، وَكَعب بْن زيد من بني دِينَار بْن النجار أَصَابَهُ سهم غرب٣ فَقتله٤.
_________________
(١) ١ انْظُر ص١٠٠. ٢ هَكَذَا فِي جَمِيع المصادر والاستيعاب، وَفِي الأَصْل: الطُّفَيْل بن عنمة، وَقد قتل ثَعْلَبَة هُبَيْرَة بن أبي وهب. ٣ سهم غرب: لَا يعرف من أَيْن أَتَى، وَيُقَال: قَتله ضرار بن الْخطاب الفِهري. ٤ فِي ابْن سيد النَّاس ٢/ ٦٧ أَن الْحَافِظ عبد الْمُؤمن الدمياطي ذكر فِي شُهَدَاء الخَنْدَق قيس بْن زيد بْن عَامر بْن سَواد من بنى ظفر، وَقَالَ: إِنَّه حضر الخَنْدَق وَمَات هُنَاكَ. وَذكر أَيْضا عبد الله بن أبي خَالِد من بني عبد الْأَشْهَل وَقَالَ: قتل يَوْم الخَنْدَق شَهِيدا، ذكره ابْن الْكَلْبِيّ.
[ ١٨٢ ]
ذكر من قتل من الْمُشْركين يَوْم الخَنْدَق
وَأُصِيب من الْمُشْركين يَوْم الخَنْدَق: مُنَبّه بْن عُثْمَان بْن عبيد بْن السباق بْن عَبْد الدَّار أَصَابَهُ سهم مَاتَ مِنْهُ بِمَكَّة، وَقد قيل: إِنَّمَا هُوَ عُثْمَان بْن أُميَّة بْن مُنَبّه بْن عبيد بْن السباق، وَنَوْفَل بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي اقتحم الخَنْدَق فَقتل فِيهِ، وَعَمْرو بْن عَبْد ود قَتله عَلِيٌّ مبارزة١.
[شُهَدَاء يَوْم قُرَيْظَة]
وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين يَوْم قُرَيْظَة: خَلاد بْن سُوَيْد بْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو من بني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج طرحت عَلَيْهِ امْرَأَة من بني قُرَيْظَة رحى فَقتلته. وَمَات فِي الْحصار أَبُو سِنَان٢ بْن مُحصن، فدفنه رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَقْبرَة بني قُرَيْظَة الَّتِي يتدافن فِيهَا الْمُسلمُونَ السكان بهَا الْيَوْم. وَلم يصب غير هذَيْن. وَلم يغز كفار قُرَيْش الْمُسلمين بعد الخَنْدَق٣.
بَعْثُ ٤ عَبْدِ اللَّهِ بْن عتِيك إِلَى قتل ٥ أبي رَافع سَلام بن أبي الْحقيق الْيَهُودِيّ
و٦ انْقَضى شَأْن الخَنْدَق وَقُرَيْظَة. وَكَانَ أَبُو رَافع سَلام بْن أبي الْحقيق مِمَّن حزب الْأَحْزَاب وألب على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَت الْأَوْس قبل أحد قد قتلت كَعْب بْن الْأَشْرَف
_________________
(١) ١ وَيُقَال إِن عليا قتل أَيْضا حسل بن عَمْرو بن عبد ود. ٢ من بني أَسد بْن خُزَيْمَة. ٣ وَيُقَال: أَن رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ -بعد انصراف الْأَحْزَاب- لأَصْحَابه: "لن تغزوكم قُرَيْش بعد عامكم هَذَا وَلَكِنَّكُمْ تغزونهم". فَكَانَ كَذَلِك. ٤ انْظُر فِي هَذَا الْبَعْث ابْن هِشَام ٣/ ٢٨٦ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٦٦ والمحبر لِابْنِ حبيب ص٢٨٢ والطبري ٢/ ٤٩٣ وَابْن حزم ص١٩٨ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٨٠ وَابْن كثير ٤/ ١٣٧ والنويري ١٧/ ١٩٧. ٥ هَكَذَا فِي ر وَابْن هِشَام، وَفِي الأَصْل: فِي قتل عبد الله بن أبي رَافع وَهُوَ سَهْو من النَّاسِخ. ٦ فِي الأَصْل ور: وَلما، وَلَا جَوَاب لَهَا. وَقد تَابع ابْن عبد الْبر ابْن هِشَام فِي جعل هَذَا الْبَعْث بعد غَزْوَة بني قُرَيْظَة فَيكون فِي ذِي الْحجَّة من سنة خمس لِلْهِجْرَةِ، وَقَالَ ابْن سعد: إِنَّه كَانَ فِي شهر رَمَضَان من سنة سِتّ.
[ ١٨٣ ]
فِي عداوته رَسُول اللَّه ﷺ، وَكَانَت الْأَوْس والخزرج يتصاولان تصاول الفحول، لَا تصنع الْأَوْس شَيْئا فِيهِ -عَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- غناء إِلَّا قَالَت الْخَزْرَج: وَالله لَا يذهبون بذلك فضلا علينا [وَلَا ينتهون حَتَّى١ يوقعوا مثله] . وَإِذا فعلت الْخَزْرَج شَيْئا كفضل فِي الْإِسْلَام أَو بر عِنْد النَّبِي ﷺ قَالَت الْأَوْس مثل ذَلِك. فتذاكرت الْخَزْرَج من فِي الْعَدَاوَة لرَسُول اللَّه ﷺكَابْن الْأَشْرَف، فَذكرُوا ابْن أبي الْحقيق، وَاسْتَأْذَنُوا رَسُول اللَّه ﷺ فِي قَتله، فَأذن لهمْ.
فَخرج إِلَيْهِ خَمْسَة نفر من الْخَزْرَج كلهم من بني سَلمَة، وهم: عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك، وَعبد اللَّه بْن أنيس، وَأَبُو قَتَادَة بْن ربعي، ومسعود بْن سِنَان، وخزاعي بْن أسود حَلِيف لَهُم من أسلم. وَأَمَّرَ عَلَيْهِم رَسُول اللَّه ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْن عتِيك، ونهاهم عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان. فنهضوا حَتَّى أَتَوا خَيْبَر لَيْلًا، وَكَانَ سَلام فِي حصنه سَاكِنا فِي دَار جمَاعَة وَهُوَ فِي علية٢ مِنْهَا، فَاسْتَأْذنُوا عَلَيْهِ، فَقَالَت امْرَأَته: من أَنْتُم؟ فَقَالُوا: أنَاس من الْعَرَب يطْلبُونَ الْميرَة٣ فَقَالَت لَهُم: هذاكم صَاحبكُم، فادخلوا. فَلَمَّا دخلُوا أغلقوا الْبَاب على أنفسهم، فأيقنت بِالشَّرِّ وصاحت، فَهموا بقتلها، ثمَّ ذكرُوا نهي النَّبِي ﷺ عَن قتل النِّسَاء والولدان، فأمسكوا عَنْهَا. ثمَّ تعاوروه بِأَسْيَافِهِمْ وَهُوَ رَاقِد على فرَاشه، أَبيض فِي سَواد اللَّيْل كَأَنَّهُ قبطية٤، وَوضع عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك سَيْفه فِي بَطْنه حَتَّى أنفذه، وَهُوَ يَقُول: قطني٥ قطني. ثمَّ نزلُوا.
وَكَانَ عَبْد اللَّهِ بْن عتِيك سيء٦ الْبَصَر، فَوَقع٧، فوثئت٨ رجلة وثئا شَدِيدًا، فَحَمله أَصْحَابه حَتَّى أَتَوا منهرا٩ من مناهرهم فَدَخَلُوا فِيهِ، واستتروا. وَخرج أهل
_________________
(١) ١ زِيَادَة من ابْن هِشَام. ٢ الْعلية: الغرفة الْعليا فِي الْبَيْت. ٣ الْميرَة: جلب الطَّعَام. ٤ الْقبْطِيَّة: ثِيَاب بيض من كتَّان تصنع بِمصْر. ٥ قطني: كفاني. ٦ هَكَذَا فِي ابْن هِشَام والمصادر الْأُخْرَى، وَفِي الأَصْل ور: ضَرِير الْبَصَر. ٧ فِي ابْن هِشَام: فَوَقع من الدرجَة. ٨ وثئت: صدعت صدعا شَدِيدا لَا يبلغ الْكسر. ٩ المنهر: فضاء بَين أفنية الْقَوْم يلقون فِيهِ فضلاتهم أَو كناساءهم.
[ ١٨٤ ]
الْآطَام لصياح امْرَأَته وأوقدوا النيرَان فِي كل جِهَة، فَلَمَّا يئسوا رجعُوا١. فَقَالَ أَصْحَاب ابْن عتِيك: كَيفَ لنا أَن نعلم أَن عَدو اللَّه قد مَاتَ؟ فَرجع أحدهم، فَدخل بَين النَّاس، فَسمع امْرَأَة ابْن أبي الْحقيق تَقول: وَالله لقد سَمِعت صَوت ابْن عتِيك، ثمَّ [أكذبت٢ نَفسِي] وَقلت: أَنى ابْن عتِيك بِهَذِهِ الْبِلَاد! قَالَ: ثمَّ إِنَّهَا نظرت فِي وَجهه، فَقَالَت: فاظ٣ وإله يهود.
قَالَ: فسررت، وانصرفت إِلَى أَصْحَابِي، فَأَخْبَرتهمْ بذلك.
فَرَجَعُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، فأخبروه، وتداعوا٤ فِي قَتله، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هاتوا أسيافكم" فأروه إِيَّاهَا، فَقَالَ ﵇ عَن سيف عَبْد اللَّهِ بْن أنيس: "هَذَا قَتله ٥، أرى فِيهِ أثر الطَّعَام". وَحَدِيث الْبَراء بْن عَازِب فِي قتل ابْن أبي الْحقيق بِخِلَاف هَذَا المساق، وَالْمعْنَى وَاحِد.
غَزْوَة بني لحيان٦
وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد فتح بني قُرَيْظَة بَقِيَّة ذِي الْحجَّة وَالْمحرم وصفرا وربيعا الأول وربيعا الآخر، وَخرج ﵇، فِي جُمَادَى٧ الأول فِي الشَّهْر السَّادِس من فتح بني قُرَيْظَة وَهُوَ الشَّهْر الثَّالِث من السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة، قَاصِدا إِلَى بني لحيان٨، مطالبا بثأر عَاصِم بْن ثَابت وخبيب بْن عدي وأصحابهما المقتولين بالرجيع.
_________________
(١) ١ فِي ابْن سعد: أَنه خرج فِي أَثَرهم الْحَارِث أَبُو زَيْنَب فِي ثَلَاثَة آلَاف يطلبونهم بالنيران فَلم يروهم، فَرَجَعُوا، وَمكث الْقَوْم فِي مكانهم حَتَّى سكن الطّلب. ٢ زِيَادَة من ابْن هِشَام، وَهِي من حَدِيث امْرَأَة ابْن أبي الْحقيق. ٣ فاظ: مَاتَ. ٤ تداعوا: ادّعى كل مِنْهُم أَنه قَاتله. ٥ فِي النويري: عَن الْحَافِظ الدمياطي: فِي حَدِيث آخر أَن الَّذِي قَتله عبد الله بن عتِيك وَحده، وَهُوَ الصَّوَاب. ٦ انْظُر فِي غَزْوَة بني لحيان ابْن هِشَام ٣/ ٢٩٢ والواقدي ٣٧٤ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٥٦ والطبري ٢/ ٩٥٥ وَابْن حزم ص٢٠٠ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٨٣ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ١٦٧ وَابْن كثير ٤/ ٨١ والنويري ١٧/ ٢٠٠. ٧ فِي ابْن سعد: لغرة هِلَال شهر ربيع الأول سنة سِتّ. وَقد اسْتعْمل على الْمَدِينَة فِي هَذِه الْغَزْوَة ابْن أم مَكْتُوم. ٨ قَبيلَة هذلية: وَكَانَت هِيَ الَّتِي قتلت عَاصِمًا وَبَعض أَصْحَابه وأسرت البَاقِينَ كَمَا مر بِنَا فِي بعث الرجيع.
[ ١٨٥ ]
فسلك ﵇ على طَرِيق الشَّام١ من الْمَدِينَة على جبل يقل لَهُ غراب، ثمَّ أَخذ ذَات الشمَال، ثمَّ سلك المحجة من طَرِيق مَكَّة، فأغذ٢ السّير حَتَّى أَتَى وَادي غران بَين أمج وَعُسْفَان٣ وَهِي منَازِل٤ بني لحيان، فوجدوهم قد حذروا وتمنعوا فِي رُءُوس الْجبَال. فتمادى رَسُول اللَّه ﷺ فِي مِائَتي رَاكب حَتَّى نزل عسفان. وَبعث ﷺ رجلَيْنِ من أَصْحَابه فارسين حَتَّى بلغا كرَاع٥ الغميم، ثمَّ كرا ورجعا، وَرجع ﷺ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَة.
وَفِي غَزْوَة بني لحيان قَالَت الْأَنْصَار: الْمَدِينَة خَالِيَة منا وَقد بَعدنَا عَنْهَا وَلَا نَأْمَن عدوا يخالفنا إِلَيْهَا، فَأخْبرهُم رَسُول اللَّه ﷺ أَن على أنقاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة، على كل نقب مِنْهَا ملك يحميها بِأَمْر اللَّه ﷿.
غَزْوَة ٦ ذِي قَرَدَ ٧
وَلما انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ بني لحيان لم يبْق بِالْمَدِينَةِ [إِلَّا ليَالِي٨ قَلَائِل حَتَّى أغار] عُيَيْنَة بْن حصن فِي بني عَبْد اللَّهِ بْن غطفان، فاكتسحوا لقاحا٩ كَانَت لرَسُول اللَّه ﷺ بِالْغَابَةِ١٠، وَكَانَ فِيهَا رجل١١ من بني غفار وَامْرَأَة لَهُ، فَقتلُوا الْغِفَارِيّ، وحملوا الْمَرْأَة واللقاح.
_________________
(١) ١ أَي أَنه أظهر أَنه يُرِيد الشَّام حَتَّى لَا تعرف وجهته. ٢ عسفان: على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة. ٣ أغذ السّير: أسْرع. ٤ حَيْثُ كَانَ مصاب عَاصِم وَأَصْحَابه. ٥ كرَاع الغميم: مَوضِع جنوبي عسفان إِلَى مَكَّة. وَإِنَّمَا صنع ذَلِك حَتَّى تسمع بِتِلْكَ الْغَزْوَة قُرَيْش فيملؤها الذعر، وَفِي ابْن سعد: أَنه بعث أَبَا بكر فِي عشرَة فوارس، فَأتوا الغميم ثمَّ رجعُوا وَلم يلْقوا أحدا. ٦ انْظُر فِي غَزْوَة ذِي قرد ابْن هِشَام ٣/ ٢٩٣ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٥٨ وصحيح البُخَارِيّ ٥/ ١٣٠ وصحيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٢/ ١٧٣ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ١٦٧ والطبري ٢/ ٥٩٦ وَابْن حزم ص٢٠١ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٨٤ وَابْن كثير ٤/ ١٠٥ والنويري ١٧/ ٢٠١. ٧ قرد بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء وَقيل بضمهما. وَذُو قرد: مَاء على نَحْو بريد من الْمَدِينَة مِمَّا يَلِي غطفان، وَقيل على مَسَافَة يَوْم مِنْهَا. ٨ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام، وَعند ابْن سعد أَن هَذِه الْغَزْوَة كَانَت فِي ربيع الأول. ٩ لقاح: جمع لقحة وَهِي النَّاقة ذَات اللَّبن الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْولادَةِ أَو هِيَ الحاملة ذَات اللَّبن. ١٠ الغابة: مَوضِع شمَالي الْمَدِينَة. ١١ فِي ابْن سعد أَن هَذَا الرجل الْغِفَارِيّ ابْن لأبي ذَر وَاسم امْرَأَته ليلى.
[ ١٨٦ ]
وَكَانَ أول من أَنْذرهُمْ١ سَلمَة بْن عَمْرو بْن الْأَكْوَع الْأَسْلَمِيّ كَانَ ناهضا إِلَى الغابة، فَلَمَّا علا ثنية الْوَدَاع نظر إِلَى خيل الْكفَّار وأنذر الْمُسلمين، ثمَّ نَهَضَ فِي آثَارهم، فأبلى بلَاء عَظِيما حَتَّى استنقذ أَكثر مَا فِي أَيْديهم. وَوَقعت الصَّيْحَة بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ أول من جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي حِين الصَّيْحَة الْمِقْدَاد بْن الْأسود، ثمَّ عباد بْن بشر، وَسعد بْن زيد الأشهليان، وَأسيد بْن ظهير الْأنْصَارِيّ، وعكاشة بْن مُحصن الْأَسدي، ومحرز بْن نَضْلَة٢ الْأَسدي الأخرم، وَأَبُو قَتَادَة الْحَارِث بْن ربعي، وَأَبُو عَيَّاش الزريقي واسْمه عبيد بْن زيد بْن صَامت. فَلَمَّا اجْتَمعُوا أَمَّرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ [عَلَيْهِم] سعد٣ بْن زيد. وَقيل: أَن رَسُول اللَّه -ﷺ- أعْطى فرس أبي عَيَّاش الزريقي معَاذ بْن ماعص أَو عَائِذ بْن ماعص وَكَانَ أحكم للفروسية من أبي عَيَّاش.
فَأول من لحق بهم مُحرز بْن نَضْلَة الأخرم فَقتل، ﵀، قَتله عَبْد الرَّحْمَن بْن [عُيَيْنَة٤ بْن] حصن وَكَانَ على فرس لمحمود بْن مسلمة أخي مُحَمَّد بْن مسلمة أَخذه وَكَانَ صَاحبه غَائِبا، فَلَمَّا قتل رَجَعَ الْفرس إِلَى آريه٥ فِي بني عَبْد الْأَشْهَل، وَقيل: بل أَخذ الْفرس عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَة إِذْ قَتَلَ مُحْرِزَ بْن نَضْلَة عَلَيْهِ، وَركبهُ. ثمَّ قتل سَلمَة بْن الْأَكْوَع عَبْد الرَّحْمَن بْن عُيَيْنَة بِالرَّمْي فِي خرجته تِلْكَ واسترجع الْفرس وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ مَاء يُقَال لَهُ قَرَدَ، وَنحر نَاقَة من لقاحه المسترجعة، وَأقَام على ذَلِك المَاء يَوْمًا وَلَيْلَة. وَكَانَ الْفضل فِي هَذِه الْغَزْوَة وَالْفِعْل الْكَرِيم والظهور وَالْبَلَاء الْحسن لسَلمَة بْن الْأَكْوَع، وَكُلُّهُمْ مَا قَصَّرَ٦، ﵃.
وَكَانَ الْمُشْركُونَ قد أخذُوا نَاقَة رَسُول اللَّهِ ﷺ العضباء٧ فِي غارتهم تِلْكَ على
_________________
(١) ١ هَكَذَا فِي الأَصْل، وَفِي المصادر الْأُخْرَى: نذر بهم، أَي عرفهم. ٢ ويروى: نَضْلَة بِفَتْح النُّون وَالضَّاد. والأخرم لقبه. ٣ قيل: بل الْمِقْدَاد كَانَ أَمِيرهمْ وَهُوَ قَول ضَعِيف. ٤ زِيَادَة من ر، وَيدل عَلَيْهَا مَا بعْدهَا وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن اسْم قَاتله مسْعدَة الْفَزارِيّ وَقيل بل اسْمه أوبار. ٥ آريه: مربطه. ٦ وَيُقَال: قتل أَبُو قَتَادَة مسْعدَة الْفَزارِيّ، وَقتل الْمِقْدَاد حبيب بن عُيَيْنَة بن حصن وقرفة بن مَالك بن حُذَيْفَة بن بدر، وَقتل عكاشة بن مُحصن أوبارا وَابْنه. ٧ وَيُقَال إِنَّهُم أخذُوا مَعهَا تسعا من لقاح الرَّسُول ﷺ.
[ ١٨٧ ]
سرح١ الْمَدِينَة ونجوا بهَا وبتلك الْمَرْأَة الغفارية الْأَسِيرَة امْرَأَة الْغِفَارِيّ الْمَقْتُول وَقد قيل إِنَّهَا لم تكن امْرَأَة الْغِفَارِيّ الْمَقْتُول وَإِنَّمَا كَانَت امْرَأَة أبي ذَر، وَالْأول قَول ابْن إِسْحَاق وَأهل السّير. قَالَ: فَنَامَ الْقَوْم لَيْلَة وَقَامَت الْمَرْأَة فَجعلت لَا تضع شَيْئا على بعير إِلَّا رغا، حَتَّى أَتَت العضباء، فَإِذا نَاقَة ذَلُول، فركبتها ونذرت إِن نجاها اللَّه عَلَيْهَا لتنحرنها. فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة عُرِفَتْ نَاقَةُ النَّبِي ﷺ فَأُخْبِرَ بذلك، فَأرْسل إِلَيْهَا، فجيء بهَا وبالمرأة، فَقَالَت: يَا رَسُول اللَّه نذرتُ إِن نجاني اللَّه أَن أنحرها، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "بئس مَا جَزَيْتِهَا، لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة اللَّه وَلَا فِيمَا لَا يملك ابْن آدم". وَأخذ نَاقَته ﷺ.
غَزْوَة ٢ بني المصطلق من خُزَاعَة
ثمَّ أَقَامَ رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَاقِي جُمَادَى الأول ورجبا، ثمَّ غزا بني المصطلق فِي [شعْبَان٣ من] السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَقيل: بل نميلَة٤ بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ. وأغار رَسُول اللَّه ﷺ على بني المصطلق وهم غَارونَ٥ وهم على مَاء يُقَال لَهُ: الْمُريْسِيع٦ من نَاحيَة قديد٧ مِمَّا يَلِي السَّاحِل، فَقتل من قتل [مِنْهُم] وَسبي النِّسَاء والذرية وَكَانَ شعارهم يَوْمئِذٍ: أَمِتْ، وَقد قيل إِن بني المصطلق جمعُوا لرَسُول اللَّه ﷺ، فَلَمَّا بلغه ذَلِك خرج إِلَيْهِم، فَلَقِيَهُمْ على مَاء يُقَال لَهُ الْمُريْسِيع، فَاقْتَتلُوا، فَهَزَمَهُمْ اللَّه. وَالْقَوْل الأول أصح: أَنه أغار عَلَيْهِم وهم غَارونَ.
وَمن ذَلِك السَّبي جوَيْرِية بنت الْحَارِث بْن أبي ضرار سيد بني المصطلق وَقعت فِي سهم ثَابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فَأدى عَنْهَا رَسُول اللَّه ﷺ، فَأعْتقهَا
_________________
(١) ١ السَّرْح: الْإِبِل وَالْغنم والراعية الْمُرْسلَة. ٢ انْظُر فِي غَزْوَة بني المصطلق -وَتسَمى غَزْوَة الْمُريْسِيع- ابْن هِشَام ٣/ ٣٠٢ والواقدي ٣٨٠ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٤٥ وصحيح البُخَارِيّ ٥/ ١١٥ والطبري ٢/ ٦٠٤ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ٦٤ وَابْن حزم ص٢٠٣ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٩١ وَابْن كثير ٤/ ١٥٦ والنويري ١٧/ ١٦٤ والسيرة الحلبية ٢/ ٣٦٤. ٣ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. ٤ وَقيل: زيد بن حَارِثَة. ٥ غَارونَ: غافلون. ٦ مَاء لبني المصطلق بَينه وَبَين الْفَرْع نَحْو من يَوْم، وَبَين الْفَرْع وَالْمَدينَة ثَمَانِيَة برد. ٧ قديد: قَرْيَة كَانَت لخزاعة كَثِيرَة الْبَسَاتِين، على الطَّرِيق من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة.
[ ١٨٨ ]
وَتَزَوجهَا. وَشهِدت عَائِشَة ﵂ تِلْكَ الْغُزَاة، قَالَت: مَا هُوَ إِلَّا أَن وقفت جوَيْرِية بِبَاب الخباء تستعين رَسُول اللَّه ﷺ فِي كتَابَتهَا، فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فرأيتُ على وَجههَا مرحة وحسنا، فأيقنت أَن رَسُول اللَّه ﷺ إِذا رَآهَا أَعْجَبته، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كَلمته، فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ: "أَو خير من ذَلِك أَن أؤدي كتابتك وأتزوجك". قَالَت: وَمَا رَأَيْت أعظم بركَة على قَومهَا مِنْهَا، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن علم الْمُسلمُونَ بِأَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تزَوجهَا، فأعتقوا كل مَا بِأَيْدِيهِم من سبي بني المصطلق، وَقَالُوا: أَصْهَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١، وَأسلم سَائِر بني المصطلق.
وَقد اخْتلف فِي وَقت هَذِه الْغُزَاة، قيل: كَانَت قبل الخَنْدَق وَقُرَيْظَة٢، وَقيل: كَانَت بعد ذَلِك وَهُوَ الصَّوَاب إِن شَاءَ اللَّه. وَقتل فِي هَذِه الْغُزَاة هِشَام بْن صبَابَة اللَّيْثِيّ خطأ، أَصَابَهُ رجل من الْأَنْصَار من رَهْط عبَادَة لم يعرفهُ، وظنه من الْمُشْركين٣.
وَفِي هَذِه الْغُزَاة قَالَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل؛ وَذَلِكَ لشر وَقع بَين جَهْجَاه بْن مَسْعُود الْغِفَارِيّ -وَكَانَ أَجِيرا لعمر بْن الْخطاب ﵁- وَبَين سِنَان بْن وبر٤ الْجُهَنِيّ حَلِيف بني عَوْف بْن الْخَزْرَج، فَنَادَى جَهْجَاه الْغِفَارِيّ: يَا للمهاجرين، ونادى الْجُهَنِيّ: يَا للْأَنْصَار٥. وَبَلَّغَ زيدُ بْنُ أرقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَةَ عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول، فأنكرها ابْن أبي، فَأنْزل اللَّه ﷿ [فِيهِ] سُورَة الْمُنَافِقين، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لزيد بْن أَرقم: "وَفَتْ أُذُنُكَ يَا غُلَام" ٦، وَأخذ بأذنه. وتبرأ عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أُبَيِّ من فعل أَبِيه وأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُول اللَّه أَنْت وَالله الْعَزِيز وَهُوَ الذَّلِيل، أَو قَالَ: أَنْت الْأَعَز وَهُوَ
_________________
(١) ١ وَاضح أَن اقتران الرَّسُول بجويرية لم يكن لجمالها كَمَا ظنت السيدة عَائِشَة، وَإِنَّمَا كَانَ سياسة مِنْهُ ليعتق الْمُسلمُونَ من بِأَيْدِيهِم من نسَاء الْقَوْم وليستعطف عَشَائِرهمْ حَتَّى يدخلُوا فِي الْإِسْلَام وفعلا دخلُوا فِيهِ وتمت عَلَيْهِم نعْمَة رَبهم. ٢ هُوَ قَول ابْن سعد إِذْ ذكر أَنَّهَا كَانَت فِي شعْبَان سنة خمس من الْهِجْرَة لليلتين خلتا مِنْهُ، بَيْنَمَا ذكر أَن غَزْوَة الخَنْدَق كَانَت فِي ذِي الْقعدَة من نفس السّنة. ٣ فِي هَذِه الْغَزْوَة نزلت آيَة التَّيَمُّم، انْظُر ابْن سيد النَّاس ٢/ ١٠٢-١٠٣. ٤ فِي الِاسْتِيعَاب ص٥٨١ سِنَان بن تيم وَيُقَال ابْن وبر، وَكَانَ سَبَب الشَّرّ ازدحامها على المَاء. ٥ فِي الصَّحِيح أَن الرَّسُول ﷺ لما سمع بِهَذَا التنادي وَتلك الدعْوَة قَالَ: "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة" يَعْنِي أَنَّهَا خبيثة؛ لِأَنَّهَا من دَعْوَى العصبية الْجَاهِلِيَّة، وَقد جعل الله الْمُؤمنِينَ أخوة وحزبا وَاحِدًا وَأمة وَاحِدَة. ٦ كَانَ غُلَاما حَدثا، فَقَالَ بعض الْأَنْصَار لرَسُول الله حدبا على ابْن أبي ودفعا عَنهُ: عَسى أَن يكون الْغُلَام وهم فِي حَدِيثه.
[ ١٨٩ ]
الْأَذَل، وَإِن شِئْت -وَالله- لنخرجنه من الْمَدِينَة. وَقَالَ سعد١ بْن عبَادَة: يَا رَسُول اللَّه إِن هَذَا رجل يحملهُ حسده على النِّفَاق، فَدَعْهُ إِلَى عمله، وَقد كَانَ قومه على أَن يُتَوِّجُوهُ بالخرز قبل قدومك الْمَدِينَة ويقدموه على أنفسهم، فَهُوَ يرى أَنَّك نزعت ذَلِك مِنْهُ، وَقد خَابَ وخسر إِن كَانَ يضمر خلاف مَا يظْهر، وَقد أظهر الْإِيمَان فَكِلْهُ٢ إِلَى ربه. وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول: يَا رَسُول اللَّه بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ قتل أبي فَإِن كنت تُرِيدُ ذَلِك فمرني بقتْله، فوَاللَّه إِن أَمرتنِي بقتْله لأقتلنه، وَإِنِّي أخْشَى يَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِن قَتله غَيْرِي أَن لَا أَصْبِر عَن طلب الثأر فأقتلَ بِهِ مُسلما فأدخلَ النَّار، وَقد علمت الْأَنْصَار أَنِّي من أبر أبنائها بِأَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه ﷺ خيرا، ودعا لَهُ، وَقَالَ لَهُ: "بر أَبَاك وَلَا يرى مِنْك إِلَّا خيرا" *. فَلَمَّا وصل رَسُول اللَّه ﷺ والمسلمون إِلَى الْمَدِينَة من تِلْكَ الْغُزَاة وقف عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي لِأَبِيهِ بِالطَّرِيقِ، وَقَالَ: وَالله لَا تدخل الْمَدِينَة حَتَّى يَأْذَن لَك رَسُول اللَّه ﷺ بِالدُّخُولِ، فَأذن رَسُول اللَّه ﷺ بِدُخُولِهِ.
وَفِي هَذِه الْغُزَاة قَالَ أهل الْإِفْك فِي عَائِشَة ﵂ مَا قَالُوا، فبرأها اللَّه مِمَّا قَالُوا، وَنزل الْقُرْآن ببراءتها٣.
وَرِوَايَة من روى أَن سعد بْن معَاذ رَاجع فِي ذَلِك سعد بْن عبَادَة وهم وَخطأ٤، وَإِنَّمَا تراجع فِي ذَلِك سعد بْن عبَادَة مَعَ أسيد بْن حضير، كَذَلِك ذكر ابْن إِسْحَاق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن عبيد الله بْن عَبْد اللَّهِ وَغَيره، وَهُوَ الصَّحِيح، لِأَن سعد بْن معَاذ مَاتَ فِي منصرف
_________________
(١) ١ فِي بعض الرِّوَايَات أَن هَذَا الحَدِيث كَانَ بَين أسيد بن حضير وَالرَّسُول. ٢ كُله: دَعه. * وَذكر بعض الْعلمَاء الْحِكْمَة الَّتِي لأَجلهَا قدم الله إِسْلَام الْأَجَانِب على إِسْلَام الْأَقَارِب حَتَّى بلغ من الْأَجَانِب أَن يقتل أحدهم أَبَاهُ إيثارا لله وَلِرَسُولِهِ كَمَا وعد عبد الله من نَفسه، فَقَالَ: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَنه لَو تقدّمت الْأَقَارِب لقَالَ الْمُلْحِدُونَ: قوم أَرَادوا الْفَخر لأَنْفُسِهِمْ فَقدم الله الْأَجَانِب تتريها لمنصب النُّبُوَّة من هَذِه القالة. وَالله أعلم. "وَانْظُر فِي مَوَاقِف عبد الله من أَبِيه ودلالته على حسن إيمَانه الرَّوْض الْأنف ٢/ ٢١٧ وَمَا بعْدهَا". ٣ وَذَلِكَ فِي الْآيَات الْعشْر بسور النُّور: ﴿إِن الَّذين جَاءُوا بالإفك عصبَة مِنْكُم لَا تحسبوه شرا لكم بل هُوَ خير لكم لكل امْرِئ مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن الله رءوف رَحِيم﴾ . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب ص٧٦٦: أَمر النَّبِي ﷺ بالذين رموا عَائِشَة بالإفك حِين نزل الْقُرْآن ببراءتها فجلدوا الْحَد ثَمَانِينَ فِيمَا ذكر جمَاعَة من أهل السّير وَالْعلم بالْخبر. ٤ انْظُر البُخَارِيّ ٥/ ١١٦ وَمَا بعْدهَا والطبري ٢/ ٦١٠.
[ ١٩٠ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من بني قُرَيْظَة لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك، وَلم يدْرك غَزْوَة الْمُريْسِيع١ وَلَا حضرها.
وَقدم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، فَقدم عَلَيْهِ مقيس بْن صبَابَة مظْهرا لِلْإِسْلَامِ وطالبا لدين أَخِيه هِشَام بْن صبَابَة، فَأمر لَهُ ﵇ بِالدِّيَةِ، فَأَخذهَا، ثمَّ عدا على قَاتل أَخِيه، فَقتله، وفر إِلَى مَكَّة كَافِرًا، وَهُوَ أحد الَّذين أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِم فِي حِين دُخُول مَكَّة.
ثمَّ بعث رَسُول اللَّه ﷺإِلَى بني المصطلق بعد إسْلَامهمْ بِأَكْثَرَ من عَاميْنِ الْوَلِيد بْن عقبَة بْن أبي معيط مُصدقا٢ لَهُم، فَخَرجُوا ليتلقوه، فَفَزعَ مِنْهُم، وَظن أَنهم يريدونه بِسوء، فَرجع عَنْهُم. وَأخْبر رَسُول اللَّه ﷺ- أَنهم ارْتَدُّوا وَمنعُوا الزَّكَاة وهموا بقتْله. فَتكلم الْمُسلمُونَ فِي غزوهم، فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ قدم وافدهم مُنْكرا لرجوع مصدقهم عَنْهُم دون أَن يَأْخُذ صَدَقَاتهمْ [وَأَنَّهُمْ] إِنَّمَا خَرجُوا إِلَيْهِ مكرمين لَهُ، فأكذبه الْوَلِيد بْن عقبَة، فَأنْزل اللَّه ﷿: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ يَعْنِي الْوَلِيد بْن عقبَة ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة ﴾ الْآيَة.
عمْرَة ٣ الْحُدَيْبِيَة
فَأَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ، بِالْمَدِينَةِ مُنْصَرفه من غَزْوَة بني المصطلق رَمَضَان٤ وشوالا، وَخرج فِي ذِي الْقعدَة٥ مُعْتَمِرًا، فاستنفر الْأَعْرَاب الَّذين حول الْمَدِينَة، فَأَبْطَأَ عَنهُ أَكْثَرهم. وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ بِمن مَعَه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَمن اتبعهُ من الْعَرَب،
_________________
(١) ١ هَذَا على قَول من قَالَ إِنَّهَا كَانَت بعد غَزْوَة بني قُرَيْظَة. أما من يَقُول كَابْن سعد أَنَّهَا كَانَت قبلهَا فَإِنَّهُ يسْقط عِنْده اعْتِرَاض ابْن عبد الْبر. ٢ مُصدقا: جَامعا لِلزَّكَاةِ. ٣ انْظُر فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة ابْن هِشَام ٣/ ٣٢١ والواقدي ٣٨٣ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٦٩ وَالْبُخَارِيّ ٥/ ١٢١ وصحيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٢/ ١٣٥ والطبري ٢/ ٦٢٠ وَابْن حزم ص٢٠٧ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ١١٣ وَابْن كثير ٤/ ١٦٤ والنويري ١٧/ ٢١٧. وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر سمي بهَا الْمَكَان وَقيل شَجَرَة حدباء سمي بهَا على التصغير، وَقيل: قَرْيَة قريبَة من مَكَّة. ٤ فِي الأَصْل: أَيْضا فِي شَوَّال: وَهُوَ تَصْحِيف من نَاسخ. ٥ عِنْد ابْن سعد: يَوْم الِاثْنَيْنِ لهِلَال ذِي الْقعدَة.
[ ١٩١ ]
وجميعهم نَحْو ألف وَأَرْبَعمِائَة، وَقيل ألف وَخَمْسمِائة١.
وسَاق مَعَه الْهَدْي٢، وَأحرم رَسُول اللَّهِ ﷺ، بِعُمْرَة٣ ليعلم النَّاس أَنه لم يخرج لِحَرْب٤ فَلَمَّا بلغ خُرُوجه قُريْشًا خرج جمعهم صَادِّينَ لرَسُول اللَّهِ ﷺ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَدخُول مَكَّة وَأَنه إِن قَاتلهم قَاتلُوا دون ذَلِك، وَقدمُوا خَالِد٥ بْن الْوَلِيد فِي خيل إِلَى كرَاع٦ الغميم، فورد الْخَبَر بذلك إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بعسفان٧، فسلك طَرِيقا يخرج مِنْهُ فِي ظُهُورهمْ٨ وَخرج إِلَى الْحُدَيْبِيَة من أَسْفَل مَكَّة، وَكَانَ دَلِيله فِيهِ رجلا من أسلم فَلَمَّا بلغ ذَلِك خيل قُرَيْش الَّتِي مَعَ خَالِد جرت إِلَى قُرَيْش تعلمهمْ بذلك.
وَلما وصل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَة بَركت نَاقَته ﷺ، فَقَالَ النَّاس: خَلأَتْ٩ خَلأَتْ، فَقَالَ النَّبِي ﵇: "مَا خلأت، وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِن حَبسهَا حَابِس ١٠ الْفِيل عَن مَكَّة، لَا تَدعُونِي قُرَيْش الْيَوْم إِلَى خطة يسألونني فِيهَا صلَة رحم إِلَّا أَعطيتهم إِيَّاهَا"، ثمَّ نزل ﷺ هُنَالك، فَقيل: يَا رَسُول اللَّه لَيْسَ بِهَذَا الْوَادي مَاء، فَأخْرج ﵇ سَهْما من كِنَانَته، فَأعْطَاهُ رجلا من أَصْحَابه، فَنزل فِي قليب١١ من تِلْكَ الْقلب، فغرزه فِي جَوْفه، فَجَاشَ المَاء الرواء١٢ حَتَّى كفى جَمِيع أهل الْجَيْش. وَقيل إِن الَّذِي نزل بِالسَّهْمِ فِي القليب نَاجِية بْن جُنْدُب بْن عُمَيْر الْأَسْلَمِيّ وَهُوَ سائق بدن١٣ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ، وَقيل: نزل بِالسَّهْمِ فِي القليب الْبَراء بْن عَازِب.
_________________
(١) ١ وَقيل: سَبْعمِائة، وَقيل: ألف وَخَمْسمِائة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ، وَقيل: ألف وثلاثمائة. ٢ الْهَدْي: هدي الْكَعْبَة، هُوَ مَا يضحى بِهِ عِنْدهَا، وَيُقَال أَنه كَانَ سبعين نَاقَة. ٣ وَاضح أَنه أحرم بِالْعُمْرَةِ فِي ذِي الحليفة. مِيقَات أهل الْمَدِينَة. ٤ إِنَّمَا خرج زَائِرًا للكعبة ومعظما. ٥ وَيُقَال: بل قدمُوا عِكْرِمَة بن أبي جهل. ٦ كرَاع الغميم: مَوضِع بَين رابغ والجحفة فِي اتجاه الْمَدِينَة. ٧ عسفان: قَرْيَة بن الْمَدِينَة وَمَكَّة. ٨ يُقَال: سلك بهم طَرِيقا وعرا شَدِيد الوعورة. ٩ خلأت: حرنت. ١٠ أَي الله ﷻ. ١١ قليب: بِئْر. ١٢ المَاء الرواء: المَاء العذب السائغ. ١٣ الْبدن: جمع بَدَنَة وهى النَّاقة تنحر بِمَكَّة.
[ ١٩٢ ]
ثمَّ جرت الرُّسُل والسفراء بَين رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَين كفار قُرَيْش، وَطَالَ التراجع والتنازع إِلَى أَن جَاءَهُ سُهَيْل بْن عَمْرو العامري، فقاضاه١ على أَن ينْصَرف ﵇ عَامه ذَلِك، فَإِذا كَانَ من قَابل أَتَى مُعْتَمِرًا وَدخل هُوَ وَأَصْحَابه مَكَّة بِلَا سلَاح حاشا السيوف فِي قربهَا فيقيم بهَا ثَلَاثًا وَيخرج. وعَلى أَن يكون بَينه وَبينهمْ صلح عشرَة أَعْوَام يتداخل فِيهَا النَّاس ويأمن بَعضهم بَعْضًا، على أَن من جَاءَ من الْمُسلمين إِلَى الْكفَّار مُرْتَدا لم يردوه إِلَى الْمُسلمين.
فَعظم ذَلِك على الْمُسلمين حَتَّى كَانَ لبَعْضهِم فِيهِ كَلَام. وَكَانَ رَسُول اللَّهِ، ﷺ، أعلم بِمَا علمه اللَّه من أَنه سَيجْعَلُ للْمُسلمين فرجا، فَقَالَ لأَصْحَابه: "اصْبِرُوا فَإِن اللَّه يَجْعَل هَذَا الصُّلْح سَببا إِلَى ظُهُور دينه" فأنس النَّاس إِلَى قَوْله بعد نفار مِنْهُم. وَأَبَى سُهَيْل بْن عَمْرو أَن يُكْتَبَ فِي صدر صحيفَة الصُّلْح من مُحَمَّد رَسُول الله. قَالَ لَهُ: لَو صدقناك بذلك مَا دفعناك عَمَّا تُرِيدُ، وَلَا بُد أَن يُكْتَبَ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ٢ فَقَالَ لعَلي -وَكَانَ كَاتب صحيفَة الصُّلْح-: "امح يَا عَليّ، واكتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ". وأبى عَليّ أَن يمحو بِيَدِهِ "رَسُول٣ اللَّه" فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اعرضه عَليّ" فَأَشَارَ إِلَيْهِ٤، فمحاه -ﷺ- بِيَدِهِ، وَأمره أَن يكْتب: من مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ.
وأتى أَبُو جندل بْن سُهَيْل٥ يَوْمئِذٍ بأثر كتاب الصُّلْح، وَهُوَ يرسف فِي قيوده، فَرده -ﷺ- على أَبِيه، فَعظم ذَلِك على الْمُسلمين، فَأخْبرهُم ﷺ وَأخْبر أَبَا جندل أَن اللَّه سَيجْعَلُ لَهُ فرجا ومخرجا. وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ قَدْ بعث عُثْمَان بْن عَفَّان إِلَى مَكَّة رَسُولا٦، فجَاء خبر إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَن أهل مَكَّة قَتَلُوهُ، فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ
_________________
(١) ١ قاضاه هُنَا: صَالحه. ٢ كَأَن قد أمْلى الرَّسُول: "بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله". وواضح أَنه أَبى الْبَسْمَلَة وَوصف مُحَمَّد بِأَنَّهُ رَسُول الله. ٣ فِي الأَصْل: مُحَمَّد رَسُول الله. ٤ فَأَشَارَ إِلَيْهِ: أَي إِلَى مَكَان رَسُول الله فِي الصَّحِيفَة. ٥ أَي سُهَيْل بن عَمْرو، وَكَانَ أَبُو جندل قد آمن بِاللَّه وَرَسُوله، وَيُقَال أَنه رَجَعَ مَكَّة فِي جوَار مكرز بن حَفْص. ٦ أَي قبل عقد هَذَا الصُّلْح.
[ ١٩٣ ]
حِينَئِذٍ الْمُسلمين للمبايعة على الْحَرْب والقتال لأهل مَكَّة. وَرُوِيَ أَنه بايعهم على أَن لَا يَفروا. وَهِي بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة١ الَّتِي أخبر اللَّه ﷿ أَنه رَضِي عَن الْمُبَايِعين لرَسُول اللَّهِ ﷺ تحتهَا٢، وَأخْبر رَسُول اللَّه ﷺ أَنهم لَا يدْخلُونَ النَّار. وَضرب رَسُول اللَّه ﷺ بِيَمِينِهِ على شِمَاله لعُثْمَان [وَقَالَ٣: "هَذِه عَن عُثْمَان"] فَهُوَ كمن شَهِدَهَا.
ذكر وَكِيع، عَن إِسْمَاعِيل بْن أبي خَالِد، عَن الشّعبِيّ، قَالَ: أول من بَايع رَسُول اللَّه ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَبُو سِنَان الْأَسدي. وَذكر ابْن هِشَام عَن وَكِيع. كَانَت قُرَيْش قد جَاءَ مِنْهُم نَحْو سبعين أَو ثَمَانِينَ رجلا للإيقاع بِالْمُسْلِمين وانتهاز الفرصة فِي أَطْرَافهم، فَفطن الْمُسلمُونَ لَهُم فَخَرجُوا، فَأَخَذُوهُمْ أسرى. وَكَانَ ذَلِك والسفراء يَمْشُونَ بَينهم فِي الصُّلْح. فَأَطْلَقَهُمْ رَسُول اللَّه، فهم الَّذين يسمون العتقاء، وإليهم ينْسب العتقيون فيمَ يَزْعمُونَ، وَمِنْهُم مُعَاوِيَة وَأَبوهُ فِيمَا ذكرُوا.
فَلَمَّا تمّ الصُّلْح بَين رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَين أهل مَكَّة الَّذِي تولى عقده لَهُم سُهَيْل بْن عَمْرو على مَا ذكرُوا، أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺالْمُسلمين أَن ينحروا ويحلوا. فَفَعَلُوا بعد توقف كَانَ بَينهم أغضب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ﵇: "لَو نحرت لنحروا". فَنحر رَسُول اللَّه ﷺ- هَدْيه، فنحروا بنحره. وَحلق رَسُول اللَّه -ﷺ- رَأسه، ودعا للمحلقين ثَلَاثًا وللمقصرين وَاحِدَة٤. قيل إِن الَّذِي حلق رَأسه ﷺ يَوْمئِذٍ خرَاش بْن أُميَّة بْن الْفضل الْخُزَاعِيّ.
ثمَّ رَجَعَ رَسُول اللَّه -ﷺ- إِلَى الْمَدِينَة، فَأَتَاهُ أَبُو بَصِير بْن أسيد بْن جَارِيَة الثَّقَفِيّ حَلِيف لبني زهرَة هَارِبا من مَكَّة مُسلما، وَكَانَ مِمَّن حبس بِمَكَّة مَعَ الْمُسلمين، فَبعث فِيهِ الْأَزْهَر بْن [عَبْد] ٥ عَوْف عَم عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف والأخنس بن شريق الثَّقَفِيّ رجلا
_________________
(١) ١ كَانَت شَجَرَة طلح وَهِي السمرَة. ٢ وَذَلِكَ قَوْله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ . ٣ زِيَادَة من بعض المصادر. "انْظُر ابْن حزم ص٢١٠". ٤ عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس: حلق رجال يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَقصر آخَرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يرحم الله المحلقين" قَالُوا: يَا رَسُول الله والمقصرين؟ قَالَ: "يرحم الله المحلقين" قَالُوا: يَا رَسُول الله والمقصرين؟ قَالَ: "يرحم الله المحلقين" قَالُوا والمقصرين: قَالَ: "يرحم الله الْمُقَصِّرِينَ". ٥ زِيَادَة من ر والاستيعاب وَغَيره.
[ ١٩٤ ]
من بني عَامر بْن لؤَي وَمولى لَهُم. فَأتيَا النَّبِي ﵇، فأسلمه إِلَيْهِمَا على مَا عقد فِي الصُّلْح. فاحتملاه، فَلَمَّا صَارُوا بِذِي الحليفة١ قَالَ أَبُو بَصِير لأحد الرجلَيْن: أرى سَيْفك هَذَا سَيْفا جيدا فأرنيه، فَلَمَّا أرَاهُ إِيَّاه ضرب [بِهِ] العامري فَقتله وفر الْمولى فَأتى النبيَّ ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "هَذَا رجل مذعور وَلَقَد أصَاب هَذَا ذعر". فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ أخبرهُ بِمَا وَقع. وَقَالَ: غدر بِنَا وبينما هُوَ يكلمهُ إِذْ وصل أَبُو بَصِير، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه قد وفت ذِمَّتك وأطلقني اللَّه ﷿، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: "وَيْلُمِّهِ مِسْعَرَ ٢ حَرْبٍ لَو كَانَ لَهُ رجال، أَو قَالَ أَصْحَاب". فَعلم أَبُو بَصِير أَنه سيرده فَخرج حَتَّى أَتَى سيف٣ الْبَحْر، موضعا يُقَال لَهُ الْعيص٤ من نَاحيَة ذِي الْمَرْوَة على طَرِيق قُرَيْش إِلَى الشَّام، فَجعل يقطع على رفاقهم٥.واستضاف إِلَيْهِ قوما من الْمُسلمين الفارين عَن قُرَيْش، مِنْهُم أَبُو جندل بْن سُهَيْل، فَجعلُوا لَا يتركون لقريش عيرًا وَلَا ميرة وَلَا مارا إِلَّا قطعُوا بهم. فَكتبت فِي ذَلِك قُرَيْش إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا نرى أَن تضمهم إِلَيْك إِلَى الْمَدِينَة، فقد آذونا.
وَأنزل اللَّه تَعَالَى بعد ذَلِك الْقُرْآن بِفَسْخ الشَّرْط الْمَذْكُور فِي رد النِّسَاء٦، فَمنع رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ ردهن، ثمَّ نزلت سُورَة٧ بَرَاءَة، فنسخ ذَلِك كُله، ورد على كل ذِي عهد عَهده وَأَن يمهلوا أَرْبَعَة أشهر، وَمن لم يستقم على عَهده لَا يستقام لَهُ. وَهَاجَرت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بْن أبي معيط، فَأتى أَخَوَاهَا: عمَارَة والوليد فِيهَا، ليردوها، فَمنع اللَّه ﷿ من رد النِّسَاء الْمُؤْمِنَات إِلَى الْكفَّار إِذا امتحن٨ فوجدن مؤمنات. وَأخْبر أَن ذَلِك لَا يحل. وَأمر الْمُؤمنِينَ أَيْضا أَن يمسكوا بعصم الكوافر٩، وَلَا ينكحوا المشركات، يَعْنِي الوثنيات، حَتَّى يُؤمن.
_________________
(١) ١ ذُو الحليفة: مِيقَات أهل الْمَدِينَة كَمَا سلف وَهِي على بعد سَبْعَة أَمْيَال مِنْهَا. ٢ مسعر حَرْب: موقد حَرْب. ٣ سيف الْبَحْر: ساحله. ٤ الْعيص وَذُو الْمَرْوَة: من أَرض جُهَيْنَة. ٥ على رفاقهم: أَي على الْمُسَافِرين مِنْهُم. ٦ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا﴾ . ٧ انْظُر أَوَائِل هَذِه السُّورَة. ٨ كَانَ الامتحان أَن تستحلف الْمَرْأَة المهاجرة أَنَّهَا مَا هَاجَرت ناشزا وَلَا هَاجَرت إِلَّا لله وَرَسُوله. فَإِذا حَلَفت لم ترد. ورد صَدَاقهَا إِلَى بَعْلهَا. انْظُر الرَّوْض الْأنف ٢/ ٢٣٠. ٩ وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى بِنَفس الْآيَة السالفة: ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ . والعصم: جمع عصمَة، وَهِي الْحَبل وَالسَّبَب. وَكَانَ مِمَّن طلق عمر بن الْخطاب، طلق امْرَأَته قريبَة بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَتَزَوجهَا بعده مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وهما على شركهما بِمَكَّة، وطلق أم كُلْثُوم الْخُزَاعِيَّة وَهِي أم ابْنه عبد الله فَتَزَوجهَا أَبُو جهم بن حُذَيْفَة بن غَانِم رجل من قومه وهما على شركهما.
[ ١٩٥ ]