ثمَّ أَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بعد انْصِرَافه من حِصَار الطَّائِف ذَا الْحجَّة وَالْمحرم وصفرا وربيعا الأول وربيعا الآخر وجمادى الأول وجمادي الْآخِرَة. وَخرج فِي رَجَب من سنة تسع بِالْمُسْلِمين إِلَى غَزْوَة الرّوم، وَهِي آخر غزَاة غَزَاهَا ﷺ بِنَفسِهِ. وَكَانَ خُرُوجه إِلَى غزوته تِلْكَ فِي حر شَدِيد [وَحين٢ طَابَ] أول الثَّمر وَفِي عَام جَدب.
وَكَانَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يكَاد يخرج غازيا إِلَّا وَرَّى٣ بِغَيْرِهِ إِلَّا غَزْوَة تَبُوك، فَإِنَّهُ بَينهَا للنَّاس لبعد الْمسَافَة وَنَفَقَة المَال والشُّقَّةِ وَقُوَّة الْعَدو الْمَقْصُود إِلَيْهِ. فَتَأَخر الْجد بْن قيس من بني سَلمَة، وَكَانَ مُتَّهمًا بالنفاق فَاسْتَأْذن رسولَ اللَّه ﷺ فِي الْبَقَاء وَهُوَ غَنِي قوي فَأذن لَهُ، وَأعْرض عَنهُ فَنزلت فِيهِ٤: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ . وَكَانَ نفر من الْمُنَافِقين٥ يَجْتَمعُونَ فِي بَيت سويلم الْيَهُودِيّ عِنْد جاسوم٦ يثبطون النَّاس عَن الْغَزْو فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلْحَة بْن عبيد اللَّه فِي نفر، وَأمرهمْ أَن يحرقوا عَلَيْهِم الْبَيْت، فَفعل ذَلِك طَلْحَة، فاقتحم الضَّحَّاك بْن خَليفَة، وَكَانَ مَعَهم فِي الْبَيْت، جِدَار الدَّار، فَوَقع، فَانْكَسَرت رجله. وفر ابْن أُبَيْرِق وَكَانَ مَعَهم.
وَأنْفق نَاس من الْمُسلمين واحتسبوا٧، وَأنْفق عُثْمَان ﵁ نَفَقَة عَظِيمَة جهز بهَا جمَاعَة من المعسرين فِي تِلْكَ الْغَزْوَة. وَرُوِيَ أَنه حمل فِي تِلْكَ الْغُزَاة على تِسْعمائَة
_________________
(١) ١ انْظُر فِي غَزْوَة تَبُوك ابْن هِشَام ٤/ ١٥٩ والواقدي ٤٢٥ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص١١٨ وَالْبُخَارِيّ ٦/ ٢ والطبري ٣/ ١٠٠ وَابْن حزم ص٢٤٩ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٢١٥ وَابْن كثير ٥/ ٢ والنويري ١٧/ ٢٥٢. ٢ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام وَغَيره، أَي أَن الْوَقْت كَانَ شَدِيد الْحَرَارَة وَكَانَ النَّاس يحبونَ الْمقَام فِي ثمارهم وظلالهم. ٣ ورى: كنى. ٤ هَكَذَا فِي ر وَفِي الأَصْل: فيهم. ٥ هَكَذَا فِي ر وَابْن هِشَام وَغَيره، وَفِي الأَصْل: الْمُسلمين. ٦ جاسوم: بِئْر كَانَت للهيثم بن التيهَان بِالْمَدِينَةِ. ٧ احتسبوا: جعلُوا مَا أنفقوه حسبَة لله يطْلبُونَ بِهِ الْأجر وَالثَّوَاب.
[ ٢٣٨ ]
بعير وَمِائَة فرس وجهزهم حَتَّى لم يفقدوا عقَالًا وَلَا شكالا١، وَرُوِيَ أَنه أنْفق فِيهَا ألف دِينَار.
وَفِي هَذِه الْغَزْوَة أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البكاؤن وهم سَبْعَة: سَالم بْن عُمَيْر [من بني٢ عَمْرو] بْن عَوْف، وعلبة بْن زيد أَخُو بني حَارِثَة، وَأَبُو ليلى عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب من بني مَازِن بْن النجار، وَعَمْرو بْن الْحمام من بني سَلمَة، وَعبد اللَّه بْن الْمُغَفَّل الْمُزنِيّ وَقيل: بل هُوَ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو الْمُزنِيّ، وهرمي بْن عَبْد اللَّهِ أَخُو بني وَاقِف وعرباض بْن سَارِيَة الْفَزارِيّ. فاستحملوا٣ رَسُول اللَّه ﷺ، فَلَمْ يَجدوا عِنْده مَا يحملهم عَلَيْهِ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَن لَا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ. فسموا البكائين. وَذكروا أَن ابْن يَامِين بْن عُمَيْر٤ النضري حمل أَبَا ليلى وَعبد اللَّه بْن مُغفل على نَاضِح٥ لَهُ يعتقبانه٦، وزودهما تَمرا كثيرا. وَاعْتذر الْمُخَلفُونَ من الْأَعْرَاب، فعذرهم رَسُول اللَّه ﵇.
وَخرج رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَضرب عسكره على بَاب الْمَدِينَة، وَاسْتعْمل عَلَيْهَا مُحَمَّد بْن مسلمة، وَقيل: بل سِبَاع بْن عرفطة، وَقيل: بل خلف عَلَيْهَا عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ الأثبت: أَن رَسُول الله خلف عليا فِي غَزْوَة تَبُوك، فَقَالَ المُنَافِقُونَ: استثقله، فَذكر ذَلِك عَليّ رضوَان اللَّه عَلَيْهِ لرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي خبر سعد، فَقَالَ: "كذبُوا، إِنَّمَا خلفتك لما تركت ورائي، فَارْجِع فَاخْلُفْنِي فِي أَهلِي وَأهْلك، فَأَنت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي". والْآثَار بذلك متواترة صِحَاح قد ذكرت كثيرا مِنْهَا فِي غير هَذَا الْموضع.
وَخرج عَبْد الله بن أبي سلول بعسكره، فَضَربهُ على بَاب الْمَدِينَة أَيْضا، فَكَانَ عسكره فِيمَا زَعَمُوا لَيْسَ بِأَقَلّ العسكريين، وَهُوَ يظْهر الْغُزَاة مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ،
_________________
(١) ١ هَكَذَا فِي ابْن حزم، وَفِي الأَصْل ور: شَيْئا. وشكال الدَّابَّة مَا تشد بِهِ قَوَائِمهَا، وعقال الْبَعِير مَا يشد بِهِ ذراعه مَعَ وظيفه عِنْد بروكه. ٢ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. ٣ استحملوه: طلبُوا مِنْهُ مَا يحملهم عَلَيْهِ من الْإِبِل. ٤ هَكَذَا فِي الأَصْل ور وَابْن هِشَام، وَفِي بعض المراجع: عَمْرو. ٥ الناضح: الْبَعِير يستقى عَلَيْهِ. ٦ بعتقبانه: يتبادلانه ويتناوبانه.
[ ٢٣٩ ]
فَلَمَّا نَهَضَ رَسُول اللَّه ﷺ تخلف عَبْد الله بْن سلول فِيمَن تخلف من الْمُنَافِقين وَأهل الريب، وَكَانُوا نيفا وَثَمَانِينَ رجلا، خَلَّفَهُمْ سُوءُ نياتهم ونفاقهم.
وتخلف فِي هَذِه الْغُزَاة من صالحي الْمُسلمين ثَلَاثَة١ رجال، وهم: كَعْب بْن مَالك الشَّاعِر من بني سَلمَة، ومرارة بْن ربيعَة وَيُقَال ابْن الرّبيع عَمْرو بْن عَوْف، وهلال بْن أُميَّة الوَاقِفِي. فافتقدهم رَسُول اللَّه ﷺ بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ، فَقيل لَهُ: تخلفوا. فَعجب من ذَلِك، وَعز عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يعرف إِيمَانهم وفضلهم.
ونهض ﷺ، فخطر٢ على حجر ثَمُود٣، فَأمر أَصْحَابه أَن لَا يتوضئوا من بِئْر ثَمُود، وَلَا يعجنوا خبْزًا بِمَائِهَا، وَلَا يستعملوا شَيْئا مِنْهُ، فَقيل لَهُ: بِأَن قوما عجنوا مِنْهُ، فَأمر بالعجين، فَطرح لِلْإِبِلِ علفا. وَأمرهمْ أَن لَا يستعملوا مَاء بِئْر النَّاقة فِي كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَأمر أَصْحَابه ﵇ بِأَن لَا يدخلُوا بيُوت ثَمُود، وَقَالَ: "لَا تدْخلُوا [بيُوت] ٤ هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبين إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ [خشيَة] أَن يُصِيبكُم مثل مَا أَصَابَهُم". ونهاهم أَن يخرج أحدهم مُنْفَردا، فَخرج رجلَانِ من بني سَاعِدَة، كل وَاحِد مِنْهُمَا مُنْفَرد عَن صَاحبه، أَحدهمَا يُرِيد الْغَائِط، فَخُنِقَ فَأُخْبِرَ النَّبِي ﵇، فَدَعَا لَهُ، فشفي وَالْآخر خرج فِي طلب بعير لَهُ فَأَخَذته الرّيح ورمته فِي جبل طَيء، فَردته بعد ذَلِك إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ. وعطش النَّاس فِي تِلْكَ الْغُزَاة عطشا شَدِيدا، فَدَعَا رَسُول اللَّه ﷺ ربه فَأرْسل٥ عَلَيْهِم سَحَابَة ارتووا مِنْهَا وَدَوَابُّهُمْ وَإِبِلُهُمْ٦، وَأخذُوا حَاجتهم [من المَاء] .
وأضل ﷺ نَاقَته، وَقَالَ من فِي قلبه نفاق: مُحَمَّد يَدعِي أَن٧ خبر السَّمَاء يَأْتِيهِ
_________________
(١) ١ فِي ابْن هِشَام ومصادر أُخْرَى أَنهم كَانُوا أَرْبَعَة بِزِيَادَة أبي خَيْثَمَة غير أَنَّهَا تعود فَتذكر مسارعته إِلَى الرَّسُول وانتظامه فِي سلك الْجَيْش. ٢ خطر: مر وَسَار. ٣ حجر ثَمُود: هِيَ الْمَعْرُوفَة الْآن باسم مَدَائِن صَالح. ٤ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. ٥ فِي الأَصْل ور: فَأنْزل، وَقد اخترنا رِوَايَة ابْن هِشَام. ٦ هَكَذَا فِي ر. وَفِي الأَصْل: وردوا بهم وإبلهم. ٧ فِي الأَصْل: على أَن.
[ ٢٤٠ ]
[و] لَا يدْرِي أَيْن نَاقَته١ فَنزل الْوَحْي بِمَا قَالَ هَذَا الْقَائِل على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَدَعَا أَصْحَابه، فَأخْبرهُم بقول الْقَائِل، وَأخْبرهمْ أَن اللَّه ﷿ قد عرفه بِموضع نَاقَته وَأَنَّهَا فِي مَوضِع كَذَا قد تعلق خطامها بشجرة، فابتدروا الْمَكَان الَّذِي وصف ﵇، فوجدوها هُنَالك. وَقيل إِن قَائِل ذَلِك القَوْل زيد بْن اللصيت القينقاعي وَكَانَ منافقا، وَقيل إِنَّه تَابَ بعد ذَلِك، وَقيل لم يتب، وَالله أعلم.
وَفِي هَذِه الْغُزَاة ذكرُوا أَن رَسُول اللَّه ﷺ، رأى أَبَا ذَر يمشي فِي نَاحيَة الْعَسْكَر وَحده، فَقَالَ: "يرحم اللَّه أَبَا ذَر يمشي وَحده، وَيَمُوت وَحده، وَيبْعَث وَحده". فَكَانَ، كَمَا قَالَ ﷺ: مَاتَ بالربذة٢ وَحده، وَأخرج بعد أَن كفن إِلَى الطَّرِيق يلْتَمس من يُصَلِّي عَلَيْهِ، فصادف إقبال ابْن مَسْعُود من الْكُوفَة فصلى عَلَيْهِ، وَكَانَ مِمَّن سمع هَذَا الحَدِيث، فَحدث بِهِ يَوْمئِذٍ أَيْضا.
وَنزل الْقُرْآن من سُورَة بَرَاءَة وَسورَة الْأَحْزَاب بفضيحة الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا يخذلون الْمُسلمين، وَتَابَ من أُولَئِكَ مخشن٣ بْن حمير، ودعا اللَّه أَن يكفر عَنهُ بِشَهَادَة يخفي بهَا مَكَانَهُ، فَقتل يَوْم٤ الْيَمَامَة وَلم يُوجد لَهُ أثر.
[بعث٥ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى أكيدر دومة٦]
وَبعث رَسُول اللَّه ﷺ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى أكيدر بْن عَبْد الْملك صَاحب دومة، وَقَالَ لَهُ: "يَا خَالِد إِنَّك ستجده يصيد الْبَقر". فَأَتَاهُ خَالِد لَيْلًا٧ وَقرب من حصنه وَأرْسل اللَّه تَعَالَى بقر الْوَحْش فَأَتَت تحك حَائِط الْقصر بقرونها، فنشط أكيدر ليصيدها. وَخرج فِي اللَّيْل، فَأَخذه خَالِد، وَبعث بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ، فَعَفَا عَنهُ النَّبِي
_________________
(١) ١ هَكَذَا فِي ابْن هِشَام وَغَيره وَفِي الأَصْل ور: حَيْثُ. ٢ الربذَة: مَوضِع قرب الْمَدِينَة. ٣ قَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال مخشى. ٤ هُوَ أشهر أَيَّام الرِّدَّة وَفِيه قتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب. ٥ انْظُر فِي هَذَا الْبَعْث ابْن هِشَام ٤/ ١٦٩ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٢٢٠ والنويري ١٧/ ٣٥٦. ٦ دومة: هِيَ دومة الجندل، قَرْيَة كَانَت بشمالي نجد، وَقد مر بِنَا التَّعْرِيف بهَا فِي غَزْوَة دومة الجندل. ٧ قَالَ ابْن سعد: إِنَّه كَانَ فِي أَرْبَعمِائَة وَعشْرين فَارِسًا وَأَنه صَالح أكيدر دومة على ألفي بعير وَثَمَانمِائَة شَاة وَأَرْبَعمِائَة درع وَأَرْبَعمِائَة رمح.
[ ٢٤١ ]
﵇، ورده إِلَى حصنه بعد أَن صَالحه على الْجِزْيَة. وَصَالح يحنة بْن رؤبة صَاحب أَيْلَة١ على الْجِزْيَة.
[العودة من تَبُوك]
وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بتبوك بضع عشرَة لَيْلَة، وَلم يتجاوزها٢، ثمَّ انْصَرف وَكَانَ فِي طَرِيقه مَاء قَلِيل، فَنهى أَن يسْبق أحد إِلَى المَاء، فَسبق إِلَيْهِ رجلَانِ، فاستنفدا مَا فِيهِ، فسبهما رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّه أَن يَقُول. ثمَّ وضع يَده فِي المَاء ودعا الله فِيهِ الْبركَة، فَجَاشَتْ الْعين بِمَاء عَظِيم كفى الْجَيْش كُله. وَأخْبر ﵇ أَن ذَلِك الْموضع سَيُمْلأُ جِنَانًا. فَكَانَ كَذَلِك. وَبنى رَسُول اللَّه ﷺ بَين تَبُوك وَالْمَدينَة مَسَاجِد كَثِيرَة نَحْو سِتَّة عشر مَسْجِدا، أَولهَا مَسْجِد بناه بتبوك وَآخِرهَا بِذِي خشب٣.
مَسْجِد الضرار
وَكَانَ أهل مَسْجِد الضرار قد أَتَوْهُ وَهُوَ متجهز إِلَى تَبُوك، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّه إِنَّا قد بنينَا مَسْجِدا لذِي الْعَيْلَةِ٤ وَالْحَاجة والليلةِ الْمَطِيرَة، وَإِنَّا نحب أَن تَأْتِينَا فَتُصَلِّي فِيهِ، فَقَالَ لَهُم: "أَنا فِي شغل السّفر، وَإِذا انصرفت فسيكون" ٥ فَلَمَّا انْصَرف رَسُول اللَّه ﷺ أَمر فِي مُنْصَرفه بهدم مَسْجِد الضرار: أَمر بذلك مَالك بْن الدخشم ومعن بْن عدي وَعَاصِم بْن عدي أَخَاهُ وَأمر بإحراقه، وَقَالَ لَهُم: "اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله، فَاهْدِمُوهُ وأحرقوه" فَخَرجُوا مُسْرِعين. وَأخرج مَالك بْن الدخشم من منزله شعلة من نَار. ونهضوا فأحرقوا الْمَسْجِد وهدموه وَكَانَ الَّذين بنوه: خذام بْن خَالِد من بني عبيد بْن زيد أحد بني
_________________
(١) ١ أَيْلَة: كَانَت ثغرا على خليج الْعقبَة أَو بِقُرْبِهِ. وَجَاء فِي صلح الرَّسُول لَهُ وللأكيدر أَنه صالحهما أَيْضا على تَبُوك وتيماء بِحَيْثُ تدفعان الْجِزْيَة. ٢ فِي ابْن سعد: أَن الرَّسُول أَقَامَ على تَبُوك عشْرين لَيْلَة. ٣ ذُو خشب: على مرحلة من الْمَدِينَة. ٤ الْعيلَة: الْفقر، وَفِي ابْن هِشَام: الْعلَّة. ٥ فسيكون: لم يُصَرح الرَّسُول بِمَا سَيكون، وَكَأَنَّهُ انتوى هدم الْمَسْجِد مُنْذُ سمع بِهِ، لِأَن من اتخذوه أَرَادوا بِهِ ستر غايتهم من التَّفْرِقَة بَين الْمُسلمين.
[ ٢٤٢ ]
عَمْرو بْن عَمْرو بْن عَوْف وَمن دَاره أخرج مَسْجِد الضرار، ومعتب بْن قُشَيْر من بني ضبيعة بْن زيد، وَأَبُو حَبِيبَة بْن الأزعر من بني ضبيعة١ بْن زيد، وَعباد بْن حنيف أَخُو سهل بْن حنيف من بني عَمْرو بْن عَوْف، وَجَارِيَة بْن عَامر وابناه: مجمع وَزيد ابْنا جَارِيَة، ونبتل بْن الْحَارِث من بني ضبيعة، وبحزج وَهُوَ من بني ضبيعة، وبجاد بْن عُثْمَان من بني ضبيعة [ووديعة٢ بْن ثَابت] من بني أُميَّة بْن زيد. وثعلبة بْن حَاطِب مَذْكُور فيهم، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ قد شهد بَدْرًا.
وَمَات عَبْد الله ذُو البجاد [ين] الْمُزنِيّ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَتَوَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر غسله وَدَفنه، وَنزل رَسُول اللَّه ﷺ فِي قَبره، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي رَاض عَنهُ، فارض عَنهُ".
[حَدِيث ٣ كَعْب بْن مَالك وَأَصْحَابه المتخلفين]
وَأما اخْتِصَار حَدِيث كَعْب بْن مَالك وَأَصْحَابه الَّذين تخلفوا عَن رَسُول اللَّه ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك لغير رِيبَة فِي الدَّين وَلَا تُهْمَة نفاق إِلَّا مَا كَانَ من علم اللَّه فِي إِظْهَار حَالهم وَالزِّيَادَة فِي فَضلهمْ، روينَاهُ من طرق صَحِيحَة لَا أحصيها كَثْرَة عَن ابْن شهَاب، وخرجه المصنفون وَأَصْحَاب المساند. ذكره ابْن شهَاب عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدثهُ، قَالَ: سَمِعت أبي كَعْب بن مَالك، قَالَ، فَذكر الحَدِيث، وَفِيه قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلا مِنْ تَبُوكَ ثَابَ إِلَيَّ لُبِّي وَعَلِمْتُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ مَا لَمْ يُرْضِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي تَخَلُّفِي عَنْهُ. فَقُلْتُ أَكْذِبُهُ، وتذكرت مَا يكون الْكَذِبِ الَّذِي أَخْرُجُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتَّجِهْ لِي. فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَطَلَّ٤
_________________
(١) ١ هَكَذَا فِي ر وَابْن هِشَام وَغَيره، وَفِي الأَصْل: صعصعة. ٢ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. ٣ انْظُر فِي هَذَا الحَدِيث ابْن هِشَام ٤/ ١٧٥ وصحيح البُخَارِيّ ٦/ ٣ وَسنَن أبي دَاوُد ١/ ٢٧٧ وراجع فِي أَسمَاء الثَّلَاثَة الَّذين تخلفوا عَن تَبُوك المحبر لِابْنِ حبيب ص٢٨٤. ٤ أطل: أشرف وَقرب.
[ ٢٤٣ ]
قَادِمًا زَاحَ١ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَلِمْتُ أَنِّي لَا أَنْجُو مِنْهُ إِلا بِالصِّدْقِ. فَلَمَّا صَبَّحَ٢ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة نَزَلَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ جَلَسَ فَجَاءَ الْمُتَخَلِّفُونَ، فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ. وَجِئْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، وَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفَكَ؟ ألم أكن ابتعت ظهر ك؟ " ٣ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِكَ لَرَجَوْتُ أَنْ أُقِيمَ عِنْدَهُ عُذْرِي لأَنِّي أُعْطِيتُ جَدَلا٤ وَلَكِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي إِنْ كَذَبْتُكَ الْيَوْمَ أَطْلَعَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ٥ غَدًا، فَفَضَحْتُ نَفْسِي. فَوَاللَّهِ مَا كَانَ لِيَ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْكَ، وَمَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا هَذَا فَقَدْ صَدَقَكُمْ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ" فَقُمْتُ وَمَعِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي: بَنِي سَلَمَةَ يَقُولُونَ: مَا عَلِمْنَاكَ أَتَيْتَ قَطُّ غَيْرَ هَذَا الذَّنْبِ، أَفَلا اعْتَذَرْتَ إِلَيْهِ فَيَسَعَكَ مَا وَسِعَ الْمُتَخَلِّفِينَ؟ وَكَانَ يَكْفِيكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَنْصَرِفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَكْذِبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ لَقِيَ مِثْلَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرِي؟ قَالُوا: [نَعَمْ] ٦ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَقَالِكَ، وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَمْرِيُّ وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَصَمَتُّ حِينُ ذَكَرُوهُمَا لِي. وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ خَاصَّةً٧ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي نَفْسِي وَالأَرْضُ الَّتِي أَنَا فِيهَا. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ بِالأَسْوَاقِ لَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلا أَسْمَعُهُ يَرُدُّ عَلَيَّ، فَأَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي هَلَّ رَدَّ فِي نَفْسِهِ. وَكُنْتُ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، فَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ٨ جِدَار "حَائِط" أبي
_________________
(١) ١ زاح: ذهب. ٢ صبح الْمَدِينَة: دَخلهَا صباحا. ٣ الظّهْر: الدَّابَّة. وَفِي البُخَارِيّ: "ألم تكن قد ابتعت ظهرك". ٤ جدلا: فصاحة ولسنا وَقُوَّة حجَّة. ٥ عَلَيْهِ: أَي على الْكَذِب. ٦ زِيَادَة من ابْن هِشَام وصحيح البُخَارِيّ. ٧ خَاصَّة: أَي من المتخلفين. ٨ تسورت: عَلَوْت.
[ ٢٤٤ ]
قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَادَ١ عَلَى السَّلامِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ نَشَدْتُكَ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ فَنَاشَدْتُهُ ثَانِيَةً، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ فَعُدْتُ فَوَثَبْتُ [فَتَسَوَّرْتُ] ٢ الْجِدَارَ، وَخَرَجْتُ. ثُمَّ غَدَوْتُ إِلَى السُّوقِ فَإِذَا رَجُلٌ يَسْأَلُ عَنِّي مِنْ نِبْطِ٣ الشَّامِ الْقَادِمِينَ بِالطَّعَامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ فَجَاءَنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كتاب مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، فَالْحَقْ بِنَا نواسك. فَعَمَدْتُ إِلَى تَنُّورٍ٤، فَسَجَرْتُ٥ فِيهِ الْكِتَابَ. وَأَقَمْتُ حَالِي حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ أَتَانِي، فَقَالَ لِي: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا؟ قَالَ: لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلا تَقْرَبْهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي فِيهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ مَا هُوَ قَاضٍ، وَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَائِعٌ لَا خَادِمَ لَهُ أَفَتَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ" قَالَتْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَيَّ، وَمَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِي هَذَا حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَرِهِ. وَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي خِدْمَةِ امْرَأَتِكَ فَقَدْ أَذِنَ لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ لِي وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ.
قَالَ: فَلَبِثْنَا فِي ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْكَلامِ مَعَنَا. فَلَمَّا صَلَّيْتُ [الصُّبْحَ] ٧ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَة وَأَنا قد ضَاقَتْ
_________________
(١) ١ فِي ر وصحيح البُخَارِيّ: مَا رد. ٢ زِيَادَة من ابْن هِشَام وَالْبُخَارِيّ. ٣ وَاضح مَا يدل عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَر من أَن أَنْبَاط فلسطين والأردن كَانُوا يسهمون فِي التِّجَارَة حَتَّى ظُهُور الْإِسْلَام وَكَأن الغساسنة وَغَيرهم يتخذونهم جواسيس لَهُم. ٤ تنور: موقد نَار. ٥ سجرته: أحرقته. ٦ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام وَالْبُخَارِيّ. ٧ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام، وَفِي البُخَارِيّ: فَلَمَّا صليت صَلَاة الْفجْر صبح خمسين لَيْلَة.
[ ٢٤٥ ]
عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ١ وَضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، فَأَنَا كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ قَدْ وَافَى عَلَى ظَهْرِ سَلْعٍ٢ [يُنَادِي٣ بِأَعْلَى صَوْتِهِ]: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فَخَرَرْتُ لِلَّهِ سَاجِدًا وَعَلِمْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ الْفَرَجُ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الْفَجْرَ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا. وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ حَتَّى وَافَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ.
فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَهُمَا، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَتَيَمَّمُ٤ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَتَلَقَّانِيَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنِي بِالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَحَيَّانِي وَهَنَّأَنِي، وَوَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ على رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ [لِي] ٥ وَوَجْهُهُ يَبْرُقُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اسْتَبْشَرَ كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَى اللَّهِ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" قُلْتُ: إِنِّي مُمْسِكٌ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ. وَكَانَ مَا نَزَلَ فِي شَأْنِي مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ٦ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ .
_________________
(١) ١ رَحبَتْ: اتسعت. ٢ سلع: جبل بِالْمَدِينَةِ. ٣ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. ٤ أتيمم: أقصد. ٥ زِيَادَة من ابْن هِشَام. ٦ وَفِي تَتِمَّة حَدِيث كَعْب بن مَالك تَعْلِيقا على قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾: وَلَيْسَ الَّذِي ذكر الله من تخليفنا عَن الْغَزْوَة وَلَكِن لتخليفه إيانا وإرجائه أمرنَا عَمَّن حلف لَهُ وَاعْتذر إِلَيْهِ فَقبل مِنْهُ. انْظُر ابْن هِشَام ٤/ ١٨١.
[ ٢٤٦ ]