وَكَانَت وقْعَة أحد يَوْم السبت لِلنِّصْفِ٢ من شَوَّال من السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة. فَلَمَّا كَانَ من الْغَد يَوْم الْأَحَد أَمر رَسُول اللَّه ﷺ بِالْخرُوجِ فِي إِثْر الْعَدو، وعهد أَن لَا يخرج مَعَه إِلَّا من حضر المعركة، فاستأذنه جَابر بْن عَبْد اللَّهِ فِي أَن يفسح لَهُ فِي الْخُرُوج مَعَه، فَفعل وَكَانَ أَبوهُ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن حرَام مِمَّن اسْتشْهد يَوْم أحد فِي المعركة.
فَخرج الْمُسلمُونَ على مَا بهم من الْجهد والقرح٣، وَخرج رَسُول اللَّه ﷺ مُرْهِبًا٤ لِلْعَدو، حَتَّى بلغ موضعا يدعى حَمْرَاء الْأسد على رَأس ثَمَانِيَة٥ أَمْيَال من الْمَدِينَة فَأَقَامَ بِهِ يَوْم الْإِثْنَيْنِ٦، وَالثُّلَاثَاء، وَالْأَرْبِعَاء، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَإِنَّمَا خرج بهم رَسُول اللَّهِ ﷺ مُرْهِبًا لِلْعَدو وليظنوا أَن بهم قُوَّة وَأَن الَّذِي أَصَابَهُم لم يُوهِنهُمْ عَن عدوهم٧.
وَكَانَ معبد بْن أبي معبد الْخُزَاعِيّ قد رأى خُرُوج رَسُول اللَّه ﷺ وَالْمُسْلِمين إِلَى حَمْرَاء الْأسد، وَلَقي أَبَا سُفْيَان وكفارَ قُرَيْش بِالرَّوْحَاءِ، فَأخْبرهُم بِخُرُوج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبهمْ، ففت ذَلِك فِي أعضاد قُرَيْش، وَقد كَانُوا أَرَادوا الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة، فكسرهم خُرُوجه ﷺ، فتمادوا إِلَى مَكَّة.
وظفر رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي خُرُوجه بِمُعَاوِيَة بْن الْمُغيرَة بْن الْعَاصِ بْن أُميَّة، فَأمر بِضَرْب عُنُقه صبرا، وَهُوَ وَالِد عَائِشَة أم عَبْد الْملك بْن مَرْوَان.
_________________
(١) ١ انْظُر فِي غَزْوَة حَمْرَاء الْأسد ابْن هِشَام ٣/ ١٠٧ والواقدي ٣٢٥ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٣٤ والطبري ٢/ ٥٣٤ وَابْن حزم ص١٧٥ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٣٧ وَابْن كثير ٤/ ٤٨ والنويري ١٧/ ١٢٦ والسيرة الحلبية ٢/ ٣٣٦. ٢ مر بِنَا فِي غَزْوَة أحد الْخلاف فِي تَحْدِيد يَوْمهَا من شَوَّال. ٣ الْقرح: الْجراح. ٤ على الرغم من جراحه وَكَانَ لِوَاء جَيْشه فِي أحد لَا يزَال معقودا فَدفعهُ إِلَى عَليّ وَقيل: بل إِلَى أبي بكر. ٥ وَيُقَال: هِيَ على عشرَة أَمْيَال من الْمَدِينَة. ٦ وَيُقَال: كَانُوا يوقدون فِي ليَالِي هَذِه الْأَيَّام من النيرَان خَمْسمِائَة نَار، حَتَّى يذهب صَوت معسكرهم فِي كل وَجه. ٧ وَفِي هَذِه الْغَزْوَة نزلت الْآيَتَانِ الكريمتان: ﴿الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول من بعد مَا أَصَابَهُم الْقرح للَّذين أَحْسنُوا مِنْهُم وَاتَّقوا أجر عَظِيم، الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل لم يمسسهم سوء وَاتبعُوا رضوَان الله وَالله ذُو فضل عَظِيم﴾ .
[ ١٥٨ ]
بعث ١ الرجيع
وَقدم على رَسُول اللَّه ﷺ فِي شهر صفر وَهُوَ آخر٢ السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة نفر من عضل والقارة وهم بَنو الْهون بْن خُزَيْمَة بْن مدركة، فَذكرُوا لَهُ أَنهم قد أَسْلمُوا وَرَغبُوا أَن يبْعَث مَعَهم نَفرا من الْمُسلمين يعلمونهم الْقُرْآن ويفقهونهم فِي الدَّين.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهم سِتَّة٣ رجال: مرْثَد بْن أبي مرْثَد الغنوي، وخَالِد بْن البكير اللَّيْثِيّ، وَعَاصِم بن ثَابت بن أبي الْأَفْلَح، وخبيب بْن عدي وهما من بني عَمْرو بْن عَوْف، وَزيد بْن الدثنة، وَعبد اللَّه بْن طَارق حَلِيف بني ظفر، وَأَمَّرَ عَلَيْهِم مرْثَد٤ بْن أبي مرْثَد.
فنهضوا مَعَ الْقَوْم حَتَّى إِذا صَارُوا بالرجيع وَهُوَ مَاء لهذيل بِنَاحِيَة٥ الْحجاز استصرخوا عَلَيْهِم هذيلا، وغدروا بهم. فَلم يَرُعِ الْقَوْم وهم فِي رحالهم إِلَّا الرِّجَال قد غشوهم وبأيديهم السيوف. فَأخذ الْمُسلمُونَ سيوفهم ليقاتلوهم، فأمنوهم، وأخبروهم أَنهم لَا أرب لَهُم فِي قَتلهمْ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ٦ أَن يُصِيبُوا بهم فدَاء من أهل مَكَّة.
فَأَما مرْثَد بْن أبي مرْثَد وَعَاصِم بْن ثَابت وخَالِد بْن البكير فَأَبَوا أَن يقبلُوا مِنْهُم قَوْلهم ذَلِك، وَقَالُوا: وَالله لَا قبلنَا لِمُشْرِكٍ عهدا أبدا، وقاتلوا حَتَّى قتلوا، رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِم. وَكَانَ عَاصِم بْن ثَابت قد قتل يَوْم أحد فتيين٧ من بني عَبْد الدَّار أَخَوَيْنِ أمهما سلافة بنت
_________________
(١) ١ انْظُر فِي هَذَا الْبَعْث ابْن هِشَام ٣/ ١٧٨ والواقدي ٣٤٤ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٣٩ وَالْبُخَارِيّ ٤/ ٦٧، ٥/ ١٠٣ والطبري ٢/ ٥٣٨ وَابْن حزم ص١٧٦ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ٤٠ وَابْن كثير ٤/ ٦٢ والنويري ١٧/ ١٣٣. ٢ هَكَذَا فِي ر وَجَمِيع المصادر، وَفِي الأَصْل: أول، وَهُوَ خطأ من النَّاسِخ. ٣ هَكَذَا فِي ابْن هِشَام نقلا عَن ابْن إِسْحَاق، وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَابْن سعد أَنهم كَانُوا عشرَة، وَفِي الْوَاقِدِيّ أَنهم كَانُوا سَبْعَة وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِيعَاب ص١٦٧، وَلم يذكر الروَاة أَسمَاء ثَلَاثَة أما الرَّابِع فَهُوَ معتب بن عبيد أَخُو عبد الله بن طَارق لأمه وَقد قتل مَعَ مرْثَد وصاحبيه. ٤ فِي البُخَارِيّ وَبَعض المصادر: أَنه أَمر عَلَيْهِم عَاصِم بن ثَابت. ٥ بَين عسفان وَمَكَّة. ٦ هَكَذَا فِي ر وَابْن حزم وَهُوَ هُنَا يُتَابع ابْن عبد الْبر، وَفِي الأَصْل: أَرَادوا. ٧ هما مسافع والجلاس كَمَا مر آنِفا.
[ ١٥٩ ]
سعد بْن شَهِيد، فنذرت إِنِ اللَّه أمكنها من رَأس عَاصِم لتشربن فِي قحفه١ الْخمر. فرامت بَنو هُذَيْل أَخذ رَأسه ليبيعوه من سلافة، فَأرْسل اللَّه ﷿ دونه الدَّبْرَ٢ فَحَمَتْهُ، فَقَالُوا إِن الدَّبْرَ سيذهب فِي اللَّيْل، فَإِذا جَاءَ اللَّيْل أخذناه. فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل أرسل اللَّه ﷿ سيلا لم ير مثله، فَحَمله، وَلم يصلوا إِلَى جثته وَلَا إِلَى رَأسه. وَكَانَ قد نذر أَن يمس مُشْركًا أبدا. فأبر اللَّه ﷿ قسمه، وَلم يروه، وَلَا وصلوا إِلَى شَيْء مِنْهُ، وَلَا عرفُوا لَهُ مسْقطًا. وَأما زيد بْن الدثنة وخبيب بْن عدي وَعبد اللَّه بْن طَارق فأعطوا بِأَيْدِيهِم٣، فأسروهم وَخَرجُوا بهم إِلَى مَكَّة. فَلَمَّا صَارُوا بمر٤ الظهْرَان انتزع عَبْد اللَّهِ بْن طَارق يَده من الْقرَان٥، ثمَّ أَخذ سَيْفه، واستأخر عَنهُ الْقَوْم، ورموه بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فقبره بمر الظهْرَان.
وحملوا خبيب بْن عدي وَزيد بْن الدثنة فباعوهما بِمَكَّة. وَقد ذكرنَا خبر خبيب وَمَا لَقِي بِمَكَّة عِنْد ذكر اسْمه فِي كتاب الصَّحَابَة٦، وصلب خبيب -﵀- بِالتَّنْعِيمِ٧، وَهُوَ الْقَائِل حِين قدم ليصلب:
وَلست أُبَالِي حِين أقتل مُسلما على أَي جنب كَانَ فِي اللَّه مصرعي٨
وَذَلِكَ فِي ذَات الْإِلَه وَإِن يَشَأْ يُبَارك على أوصال شلو ممزع٩
فِي أَبْيَات قد ذكرتها عِنْد ذكره فِي كتاب الصَّحَابَة. وَهُوَ أول من سنّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْد الْقَتْل. وَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان١٠ بْن حَرْب: أَيَسُرُّكَ يَا خبيب أَن مُحَمَّدًا عندنَا بِمَكَّة
_________________
(١) ١ القحف: مَا انْفَلق من الجمجمة. ٢ الدبر: النَّحْل. ٣ أعْطوا بِأَيْدِيهِم: كِنَايَة عَن انقيادهم. ٤ مر الظهْرَان: وَاد قرب مَكَّة. ٥ الْقرَان: الْقَيْد. ٦ انْظُر الِاسْتِيعَاب ص١٦٧ حَيْثُ يذكر صلب عقبَة بن الْحَارِث بن نَوْفَل لَهُ؛ ثأرا لِأَبِيهِ الْمَقْتُول ببدر وَمَا أظهر خبيب فِي صلبه من قُوَّة إيمَانه. ٧ التَّنْعِيم: مَوضِع خَارج الْحرم فِي الْحل. ٨ رُوِيَ الشّطْر الثَّانِي هَكَذَا: على أَي شقّ كَانَ لله مصرعي، وَرُوِيَ: على أَي حَال كَانَ فِي الله مضجعي. ٩ أوصال: أَعْضَاء. شلو هُنَا: جَسَد. ١٠ روى هَذَا الْخَبَر بَين أبي سُفْيَان وَابْن الدثنة.
[ ١٦٠ ]
تضرب عُنُقه وَأَنَّك سَالم فِي أهلك؟ فَقَالَ: وَالله مَا يسرني أَنِّي سَالم فِي أَهلِي وَأَن يُصِيب مُحَمَّدًا شَوْكَة تؤذيه. وابتاع زيد بْن الدثنة صَفْوَان بْن أُميَّة، فَقتله بِأَبِيهِ١.
بَعْثُ ٢ بِئْر مَعُونَة
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بُجَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُنَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بن أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَار يسمعُونَ الْقُرْآن نَاحِيَةً مِنَ الْمَدِينَةِ يَحْسَبُ أَهْلُوهُمْ أَنَّهُمْ فِي الْمَسْجِدِ وَيَحْسَبُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ أَنَّهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ، فَيُصَلُّونَ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى إِذَا قَارَبَ الصُّبْحُ احْتَطَبُوا الْحَطَبَ وَاسْتَعْذَبُوا الْمَاءَ فَوَضَعُوهُ عَلَى أَبْوَابِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: فَبَعَثَهُمْ جَمِيعًا إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ، فَاسْتُشْهِدُوا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ على قَتلتهمْ أَيَّامًا.
قَالَ سُنَيْدٌ: وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَن ابْن جريح، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الأَنْصَارِيَّ أَحَدَ بَنِي النَّجَّارِ -وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ- فِي ثَلاثِينَ٣ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَخَرَجُوا فَلَقَوْا عَامِرَ٤ بْنَ الطُّفَيْلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلابٍ عَلَى بِئْرِ مَعُونَةَ وَهِيَ مِنْ مِيَاهِ٥ بَنِي عَامِرٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَأَصْحَابُهُ إِلا ثَلاثَةَ من نَفَرٍ كَانُوا فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ لَهُمْ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلا الطَّيْرُ تَحُومُ فِي السَّمَاءِ يَسْقُطُ مِنْ خَرَاطِيمِهَا عَلَقُ٦ الدَّمِ، فَقَالَ أَحَدُ النَّفَرِ: قُتِلَ أَصْحَابُنَا، وَالرَّحْمَنِ. وَذَكَرَ سُنَيْدٌ تَمَامَ الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ وَفِي بَنِي النَّضِيرِ٧، وَسِيَاق ابْنِ إِسْحَاق لخبرهم
_________________
(١) ١ هُوَ أُميَّة بن خلف. ٢ انْظُر فِي بعث مئر مَعُونَة ابْن هِشَام ٣/ ١٩٣ والواقدي ٣٣٧، ٣٧٨، وَابْن سعد ج٢ ق ١ ص ٣٦ وَالْبُخَارِيّ / ١٠٣ والطبري ٢/ ٥٤٥ وَابْن حزم ص ١٧٨ وَابْن سيد ٢/ ٤٦ وَابْن كثير ٤/ ٧١ والنويري ١٧/ ١٣٠. ٣ سَيذكرُ ابْن عبد الْبر عَن ابْن إِسْحَاق أَنهم كَانُوا أَرْبَعِينَ، وَقيل كَانُوا سبعين، وَفِي البُخَارِيّ أَنهم كَانُوا ثَلَاثِينَ. ٤ أحد فرسَان الْعَرَب المعلمين. وَكَانَ عدوا لِلْإِسْلَامِ وَللَّه وَرَسُوله. ٥ بِالْقربِ من حرَّة بني سليم. ٦ علق الدَّم هُنَا: قطعه المتجمدة. ٧ يُرِيد الْغَزْوَة التالية.
[ ١٦١ ]
أحسن وَأبين، قَالَ ابْن إِسْحَاق:
وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة شَوَّال وَذَا الْقعدَة وَذَا الْحجَّة وَالْمحرم، ثمَّ بعث أَصْحَاب بِئْر مَعُونَة فِي صفر فِي آخر تَمام السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة، على رَأس أَرْبَعَة أشهر من أحد. وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا برَاء١ الْكلابِي من بني كلاب بْن ربيعَة بْن عَامر بْن صعصعة وَيعرف بملاعب الأسنة واسْمه عَامر بْن مَالك بْن جَعْفَر بْن كلاب وَفد على رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى الْإِسْلَام، فَلم يسلم وَلم يبعد، وَقَالَ: يَا مُحَمَّد لَو بعثت رجَالًا من أَصْحَابك إِلَى أهل نجد فدعوهم إِلَى أَمرك لرجوت أَن يَسْتَجِيبُوا لَك. فَقَالَ ﵇: "إِنِّي أخْشَى عَلَيْهِم أهل نجد"، فَقَالَ أَبُو برَاء: أَنا لَهُم جَار. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو السَّاعِدِيّ -وَهُوَ الَّذِي يعرف بالمعنق٢ ليَمُوت، لَقَبٌ غَلَبَ عَلَيْهِ، وَالْأَكْثَر يَقُولُونَ: أعنق ليَمُوت- فِي أَرْبَعِينَ رجلا من الْمُسلمين، وَقد قيل فِي سبعين رجلا من خِيَار الْمُسلمين، مِنْهُم الْحَارِث بْن الصمَّة، وَحرَام بْن ملْحَان -أَخُو أم سليم٣ وَأم حرَام٤- وَعُرْوَة بْن أَسمَاء بْن الصَّلْت السّلمِيّ، وَنَافِع بْن بديل بْن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ، وعامر بْن فهَيْرَة مولى أبي بكر الصّديق. وَأَمَّرَ على جَمِيعهم المنذرَ بْنَ عَمْرو.
فنهضوا حَتَّى نزلُوا بِئْر مَعُونَة بَين أَرض بني عَامر وحرة بني سليم وَهِي إِلَى حرَّة بني سليم أقرب ثمَّ بعثوا مِنْهَا حرَام بْن ملْحَان بِكِتَاب رَسُول اللَّه إِلَى عَدو اللَّه عَامر بْن الطُّفَيْل. فَلَمَّا أَتَاهُ لم ينظر فِي كِتَابه، حَتَّى عدا عَلَيْهِ فَقتله. ثمَّ استصرخ عَلَيْهِم بني عَامر، فَأَبَوا أَن يُجِيبُوهُ، وَقَالُوا: لن نخفر أَبَا برَاء وَقد عقد لَهُم عقدا وجوارا. فاستصرخ قبائل من بني سليم: عصية وَرِعْلًا وذكوان، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك. فَخَرجُوا حَتَّى غشوا الْقَوْم فأحاطوا بهم فِي رحالهم. فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أخذُوا سيوفهم ثمَّ قَاتلُوا، حَتَّى قتلوا، عَن آخِرهم٥ إِلَّا كَعْبَ بن زيد أَخا بني النجار، فَإِنَّهُم تَرَكُوهُ وَبِه رَمق. وَارْتثَّ٦
_________________
(١) ١ كَانَ من فرسَان قومه وشجعانهم وَهُوَ عَم عَامر بن الطُّفَيْل. ٢ المعنق: المسرع: لقب بذلك لمسارعته إِلَى الشَّهَادَة. ٣ هِيَ أم أنس بن مَالك. ٤ هِيَ زَوْجَة عبَادَة بن الصَّامِت. ٥ انْظُر فِيمَن اسْتشْهدُوا يَوْم بِئْر مَعُونَة ابْن سيد النَّاس ٢/ ٤٦. ٦ ارتث: حمل من المعركة جريحا.
[ ١٦٢ ]
من بَين الْقَتْلَى وعاش حَتَّى قتل يَوْم الخَنْدَق شَهِيدا ﵀.
وَكَانَ فِي سرح١ الْقَوْم عَمْرو بْن أُميَّة الضمرِي وَرجل من الْأَنْصَار من بني عَمْرو بْن عَوْف وَهُوَ الْمُنْذر بْن مُحَمَّد بْن عقبَة بْن أحيحة بن الجلاح، فَنظر الطير تحوم٢ على الْعَسْكَر، فَقَالَا: وَالله إِن لهَذِهِ الطير لشأنا، فَأَقْبَلَا لينظرا فَإِذا الْقَوْم فِي دِمَائِهِمْ، وَإِذا الْخَيل الَّتِي أَصَابَتْهُم واقفة. فَقَالَ: أرى أَن نلحق برَسُول اللَّهِ ﷺ فنخبره الْخَبَر. فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: مَا كنتُ لأرغب عَن موطن قتل فِي الْمُنْذر بْن عَمْرو ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل، وَأخذُوا عَمْرو بْن أُميَّة أَسِيرًا. فَلَمَّا أخْبرهُم أَنه من مُضر أطلقهُ عَامر بْن الطُّفَيْل وجز ناصيته، وَأعْتقهُ عَن رَقَبَة زعم أَنَّهَا كَانَت على أمه. وَخرج٣ عَمْرو بْن أُميَّة حَتَّى إِذا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ٤ من صدر قناة٥ أقبل رجلَانِ من بني عَامر -وَقيل من بني سليم- حَتَّى نزلا مَعَه فِي ظلّ هُوَ فِيهِ، وَكَانَ مَعَهُمَا عقد من رَسُول اللَّه ﷺ وَلم يعلم بِهِ عَمْرو بْن أُميَّة. وَكَانَ قد سَأَلَهُمَا حِين نزلا: مِمَّن أَنْتُمَا؟ قَالَا: من بني عَامر. فأمهلهما، حَتَّى إِذا نَامَا عدا عَلَيْهِمَا، فَقَتَلَهُمَا، وَهُوَ يرى أَنه قد أصَاب مِنْهُمَا ثَأْره من بني عَامر فِيمَا أَصَابُوا من أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ. فَلَمَّا قدم عَمْرو بْن أُميَّة على رَسُول اللَّه ﷺ وَأخْبرهُ الْخَبَر قَالَ: "لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ كَانَ لَهُمَا مِنِّي جِوَارٌ، لأَدِيَنَّهُمَا" ٦ هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا.
فَبلغ أَبَا برَاء مَا صنع عَامر بْن الطُّفَيْل فشق عَلَيْهِ إخفاره إِيَّاه. وَقَالَ حسان بْن ثَابت يحرض أَبَا برَاء على بْن الطُّفَيْل:
بني أم الْبَنِينَ ألم يرعكم وَأَنْتُم من ذوائب أهل نجد٧
تَهَكُّمُ عَامر بِأبي برَاء ليخفره وَمَا خطأ كعمد
أَلا أبلغ ربيعَة ذَا المساعي فَمَا أَحْدَثْتَ فِي الْحدثَان بعدِي٨
أَبوك أَبُو الحروب أَبُو برَاء وخالك ماجد حكم بْن سعد٩
أم الْبَنِينَ هِيَ أم أبي برَاء من بني عَامر بْن صعصعة. فَحمل ربيعَة بْن أبي برَاء على عَامر بْن الطُّفَيْل، فطعنه بِالرُّمْحِ، فَوَقع فِي فَخذه، فأشواه١٠، وَوَقع عَن فرسه. فَقَالَ: هَذَا عمل أبي برَاء، إِن مت فدمي لِعَمِّي فَلَا يتبعن بِهِ، وَإِن أعش فسأرى رَأْيِي.
_________________
(١) ١ السَّرْح: الرعاء. ٢ هَكَذَا فِي ابْن حزم، وَفِي الأَصْل: تحرم على مَوْضِعه وَالْخَيْل الَّتِي أَصَابَتْهُم. ٣ هَكَذَا فِي الأَصْل وَابْن هِشَام، وَفِي ابْن حزم وَغَيره: وَرجع. ٤ القرقرة: هِيَ قرقرة الكدر على ثَمَانِيَة يرد من الْمَدِينَة. ٥ قناة: وَاد يَأْتِي من الطَّائِف وَيصب فِي قرقرة الكدر. ٦ أدينهما: أؤدي دِيَتهمَا. وَقد جَاءَ الرَّسُول خبر هَذَا الْبَعْث وَبعث الرجيع فِي وَقت وَاحِد فَوجدَ عَلَيْهِم جَمِيعًا وجدا شَدِيدا وظل ثَلَاثِينَ صباحا يَدْعُو على رعل وذكوان وَعصيَّة وَبني لحيان الهذليين لما عصوا الله وَرَسُوله وسفكوا من دِمَاء الْمُسلمين. ٧ سميت بِأم الْبَنِينَ لِأَنَّهَا ولدت خَمْسَة أَبنَاء نجباء فُرْسَانًا وهم طفيل وَرَبِيعَة وَأَبُو برَاء عَامر ملاعب الأسنة وَعبيدَة الوضاح وَمُعَاوِيَة معوذ الْحُكَمَاء. الذوائب: الأعالي والأعاظم. ٨ ربيعَة: يُرِيد ربيعَة بن أبي برَاء. المساعي: المكارم: الْحدثَان: النوائب والنوازل. ٩ حكم بن سعد من الْقَيْن بن جسر ويبدو أَن أم ربيعَة كَانَت مِنْهُم. ١٠ أشواه: أصَاب أَطْرَافه وَأَخْطَأ مَقْتَله.
[ ١٦٣ ]