وَأقَام رَسُول اللَّه ﷺ بعد رُجُوعه من الْحُدَيْبِيَة ذَا الْحجَّة وَبَعض الْمحرم وَخرج فِي بَقِيَّة مِنْهُ غازيا إِلَى خَيْبَر، وَلم يبْق من السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة إِلَّا شهر وَأَيَّام، واستخلف على الْمَدِينَة نميلَة٢ بْن عَبْد اللَّهِ اللَّيْثِيّ. وَذكر مُوسَى بْن عقبَة، قَالَ: لما قدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة مُنْصَرفه من الْحُدَيْبِيَة مكث عشْرين يَوْمًا أَو قَرِيبا٣ مِنْهَا ثمَّ خرج غازيا إِلَى خَيْبَر، وَكَانَ اللَّه ﷿ وعده إِيَّاهَا وَهُوَ بِالْحُدَيْبِية.
قَالَ أَبُو عمر: قَالَ اللَّه ﷿ فِي أهل الْحُدَيْبِيَة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ . فَلم يخْتَلف الْعلمَاء فِي أَنَّهَا الْبيعَة بِالْحُدَيْبِية. قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَقَتَادَة وَعِكْرِمَة وَغَيرهم: كَانَت الشَّجَرَة سَمُرَة٤ كَانَت الْحُدَيْبِيَة. وَعلم مَا فِي قُلُوبهم من الرِّضَا بِأَمْر الْبيعَة على أَن لَا يَفروا واطمأنت بذلك نُفُوسهم. ﴿وأثابهم فتحا قَرِيبا﴾: خَيْبَر، وَوَعدهمْ الْمَغَانِم فِيهَا ﴿ومغانم كَثِيرَة يأخذونها﴾ . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد فِي قَوْله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِم كَثِيرَة﴾ أَنَّهَا الْمَغَانِم الَّتِي تكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالُوا فِي قَوْله:
_________________
(١) ١ انْظُر فِي غَزْوَة خَيْبَر ابْن هِشَام ٣/ ٣٤٢ والواقدي ٣٨٩ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٧٧ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ١٦٩ وَالْبُخَارِيّ ٥/ ١٣٠ وصحيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٢/ ١٦٣ والطبري ٣/ ٥ وَابْن حزم ص٢١١ وَابْن سيد النَّاس ٢/ ١٣٠ وَابْن كثير ٤/ ١٨١ والنويري ١٧/ ٢٤٨. ٢ وَفِي رِوَايَة: سِبَاع بن عرفطة. ٣ هَكَذَا فِي ر وَفِي الأَصْل: وقريبا. ٤ السمرَة: شَجَرَة الطلح.
[ ١٩٦ ]
﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أحَاط الله بهَا﴾: فَارس وَالروم وَمَا افتتحوا إِلَى الْيَوْم، وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي ليلى. قَالَ: وَقَوله: ﴿فَتْحًا قَرِيبا﴾: خَيْبَر.
رَجَعَ الْخَبَر إِلَى ابْن إِسْحَاق، قَالَ: فَلَمَّا خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَر دفع رايته، وَكَانَت بَيْضَاء، إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب ﵁، وَأخذ طَرِيق الصَّهْبَاء١ إِلَى وَادي الرجيع، فَنزل بَين خَيْبَر وغَطَفَان لِئَلَّا يمدوهم، لِأَنَّهُ بلغه أَن غطفان تُرِيدُ إمداد يهود خَيْبَر. وَلما خَرجُوا لإمدادهم اخْتلفت كلمتهم. وأسمعهم اللَّه ﷿ حسا من ورائهم وهدا راعهم وأفزعهم فانصرفوا إِلَى دِيَارهمْ، فأقاموا بهَا. وَأَقْبل رَسُول اللَّه ﷺ حَتَّى أشرف على خَيْبَر مَعَ الْفجْر، وعمالهم غادون بِمساحِيهِمْ وَمَكَاتِلهمْ٢. فَلَمَّا رَأَوْا رَسُول اللَّه ﷺ والجيش نادوا: مُحَمَّد وَالْخَمِيس٣ مَعَه. وأدبروا هرابا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّه أكبر خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين". وتحصنت يهود فِي حصونهم وَكَانَت حصونا كَثِيرَة، فَكَانَ أول حصن افتتحوه حصنا يُسمى "نَاعِمًا" وَعِنْده قتل مَحْمُود بْن مسلمة أَخُو مُحَمَّد بْن مسلمة ألقيت عَلَيْهِ رحى فشدخته، ﵀، ثمَّ حصنا يدعى "القموص" وَهُوَ حصن بني أبي الْحقيق، وَمن سَبَايَا ذَلِك الْحصن كَانَت صَفِيَّة بنت حييّ بْن أَخطب -وَكَانَت تَحت كنَانَة بْن الرّبيع بْن أبي الْحقيق- أَصَابَهَا رَسُول اللَّه ﷺ وبِنْتَيْ عَم لَهَا، فوهب صَفِيَّة لدحية بْن خَليفَة الْكَلْبِيّ ثمَّ ابتاعها [مِنْهُ] ٤ بسبعة أرؤس، ثمَّ أردفها خَلفه، وَألقى عَلَيْهَا رِدَاءَهُ، فَعلم أَصْحَابه أَنه اصطفاها لنَفسِهِ، وَجعلهَا عِنْد أم٥ سليم حَتَّى اعْتدت وَأسْلمت، ثمَّ أعْتقهَا وَتَزَوجهَا، وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا. وَهَذِه مَسْأَلَة اخْتلف الْفُقَهَاء فِيهَا فَمنهمْ من جعل ذَلِك خُصُوصا لَهُ كَمَا خص بالموهوبة، وَمِنْهُم من جعل ذَلِك سنة لمن شَاءَ من أمته.
ثمَّ فتح حصن الصعب٦ بْن معَاذ وَلم يكن فِي حصون خَيْبَر أَكثر طَعَاما
_________________
(١) ١ الصَّهْبَاء: مَوضِع فِي الطَّرِيق من الْمَدِينَة إِلَى خَيْبَر، وَهِي على بعد ثَمَانِيَة برد مِنْهَا شمالا. ٢ الْمساحِي: الفئوس. المكاتل: الزنابيل. ٣ قيل: سمي الْجَيْش خميسا لِأَنَّهُ خَمْسَة أَقسَام: الْمُقدمَة والساقة والميسرة والميمنة وَالْقلب. ٤ زِيَادَة من ر ومصادر مُخْتَلفَة وَيدل عَلَيْهَا السِّيَاق. ٥ هِيَ أم سليم بنت ملْحَان أم أنس بن مَالك. ٦ هَكَذَا فِي ر وَابْن هِشَام وَغَيره من المصادر. وَفِي الأَصْل: ابْن الصعب.
[ ١٩٧ ]
وودكا مِنْهُ١. ووقف إِلَى بعض حصونهم فَامْتنعَ عَلَيْهِم فَتحه ولقوا فِيهِ شدَّة، فَأعْطى رايته أَبَا بكر الصّديق فَنَهَضَ بهَا وَقَاتل واجتهد وَلم يفتح عَلَيْهِ، ثمَّ أعْطى الرَّايَة عمر فقاتل ثمَّ رَجَعَ وَلم يفتح لَهُ وَقد جهد. فَحِينَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب اللَّه وَرَسُوله وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُوله، لَيْسَ بفرار، يفتح اللَّه ﷿ على يَدَيْهِ". فَلَمَّا أصبح دَعَا عليا، وَهُوَ أرمد، فتفل فِي عَيْنَيْهِ، ثمَّ قَالَ: "خُذ الرَّايَة فَامْضِ بهَا حَتَّى يفتح اللَّه بهَا عَلَيْك". ذكر هَذَا الْخَبَر ابْن إِسْحَاق٢. قَالَ: قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِي ﷺ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعثه رَسُول اللَّه ﷺ بِرَايَتِهِ إِلَى حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ وَقَاتَلَهُمْ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَأَلْقَى٣ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ، وَهُوَ يُقَاتِلُ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نفر معي سَيْفه وَأَنَا ثَامِنُهُمْ نَجْتَهِدُ عَلَى أَنْ يقلب ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ وَزِيَادٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَالأُمَوِيِّ٤ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْ جَابِرٌ خَيْبَرَ٥:
أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هُوَ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ بِخَيْبَرَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ لِهَذَا؟ " يَعْنِي: مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطْلُبُ الثَّأْرَ، قَتَلَ أَخِي بِالأَمْسِ. قَالَ: "فَقُمْ إِلَيْهِ" فَنَهَضَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَتَقَاتَلا، وَكَانَا يَسْتَتِرَانِ بِشَجَرَةٍ [فَجَعَلَ٦ أَحَدُهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ، كُلَّمَا لاذَ بِهَا مِنْهُ اقْتَطَعَ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ مِنْهَا] حَتَّى ذَهَبَتْ أَغْصَانُهَا [وَبَرَزَ٧ كل وَاحِد مِنْهُمَا
_________________
(١) ١ الودك: دسم اللَّحْم ودهنه. ٢ انْظُر فِي هَذَا الْخَبَر وتاليه ابْن هِشَام ٣/ ٢٤٩. ٣ فِي ابْن هِشَام: فطاح ترسه من يَده. وَفِي رِوَايَة: فَطرح ترسه من يَده. ٤ هُوَ سعيد بن يحيى الْأمَوِي، وَله كتاب فِي السّير. ٥ انْظُر فِي هَذَا الْخَبَر ابْن هِشَام ٣/ ٣٤٨. ٦ زِيَادَة من ابْن هِشَام سَاقِطَة من الأَصْل ور. ٧ زِيَادَة أَيْضا من ابْن هِشَام وَعبارَة ر: ثمَّ ضربه مرحب فعض سَيْفه بدرقة مُحَمَّد بن مسلمة.
[ ١٩٨ ]
لِصَاحِبِهِ، وَحَمَلَ مَرْحَبٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَضَرَبَهُ، فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ١ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا فَعَضَّتْ بِهِ وَأَمْسَكَتْهُ] وَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ، فَقَتَلَهُ. ثُمَّ انْصَرَفَ. ثُمَّ بَرَزَ أَخُو مَرْحَبٍ وَاسْمُهُ يَاسِرٌ، فَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ. هَذَا مَا ذكره ابْن إِسْحَاق فِي قتل مرحب الْيَهُودِيّ بِخَيْبَر. وَخَالفهُ غَيره، فَقَالَ: بل قَتله عَليّ بْن أبي طَالب، وَهُوَ الصَّحِيح عندنَا.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، [قَالَ]: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ [أَبِي] بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ: أَنّ النَّبِي ﷺ قَالَ لَمَّا نَزَلَ بِحِصْنِ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ اللِّوَاءَ غَدًا رَجُلا يُحِبُّ اللَّه وَرَسُوله، وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُوله" فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَطَاوَلَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَدَعَا عليا، وَهُوَ أرمد، فتفل فِي عَيْنَيْهِ، وَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ، وَنَهَضَ مَعَهُ النَّاس، فلقا أَهْلَ خَيْبَرَ، فَإِذَا مَرْحَبٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَرْتَجِزُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السَّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ٢
إِذَا السُّيُوفُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ٣
فَاخْتَلَفَ هُوَ وَعَلِيٌّ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى عَضَّ السَّيْفُ بِأَضْرَاسِهِ، وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَوْتَ ضَرْبَتِهِ، قَالَ: فَمَا تَتَامَّ النَّاسُ حَتَّى فَتَحُوا لَهُمْ.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ [قَالَ]: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ [قَالَ]: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ [قَالَ]: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ [قَالَ]: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدثنِي إِيَاس بن سَلمَة الأَكْوَعِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ٤:
لَمَّا خَرَجَ عَمِّي عَامِرُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى خَيْبَرَ بَارَزَ يَوْمًا مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ مَرْحَبٌ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أضْرب
_________________
(١) ١ الدرقة: ترس من جلد. ٢ شاكي السِّلَاح: شاهره. ٣ ستأتي رِوَايَة ثَانِيَة لهَذَا الْبَيْت. ٤ انْظُر فِي هَذَا الحَدِيث صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٢/ ١٧٤ وَمَا بعْدهَا.
[ ١٩٩ ]
وَقَالَ عَمِّي:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَرَجَعَ سيف [عَامر] على مَسَافَة فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ١ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَنِي إِلَى عَليّ بْن أبي طَالب، وَقَالَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يحب اللَّه وَرَسُوله، وَيُحِبهُ اللَّه وَرَسُولُهُ" قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَخَرَجَ مَرْحَبٌ يَخْطُرُ بِسَيْفِهِ، وَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السَّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
وَقَالَ عَليّ ﵁:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ٢
أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ٣
فَفَلَقَ رَأْسَ مَرْحَبٍ بِالسَّيْفِ، وَكَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدِ عَلِيٍّ.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَآخر مَا افْتتح رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ حصونهم الوطيح والسلالم.
وَقَالَ مُوسَى بْن عقبَة: حاصر رَسُول اللَّه ﷺ [حصون٤ خَيْبَر بضع عشرَة لَيْلَة، وَكَانَ بَعْضهَا صلحا وأكثرها عنْوَة، ذكر ذَلِك عَن ابْن شهَاب. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قسم رَسُول اللَّه أَرض خَيْبَر كلهَا لِأَنَّهُ غلب على جَمِيعهَا عنْوَة. وحاصر رَسُول اللَّهِ ﷺ] أهل خَيْبَر فِي حصنهمْ الوطيح حَتَّى إِذا أيقنوا بالهلكة سَأَلُوهُ أَن يسيرهم وَأَن يحقن لَهُم دِمَاءَهُمْ، فَفعل.
_________________
(١) ١ أَي أَنه مَاتَ. ٢ الحيدرة: الْأسد. ويروى الشّطْر الثَّانِي: كليث غابات شَدِيد قسوره. ٣ الصَّاع: مكيال صَغِير، والسندرة، مكيال كَبِير. وَفِي رِوَايَة: أكيلكم بِالسَّيْفِ كيل السندرة. وَالْمعْنَى أقتلكم قتلا ذريعا. ٤ زِيَادَة من ر.
[ ٢٠٠ ]
[مقاسم خَيْبَر وأموالها]
وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ قد حَاز الْأَمْوَال كلهَا: الشق١ ونطاة والكتيبة وَجَمِيع حصونهم إِلَّا مَا كَانَ من ذَيْنك [الحصنين] ٢ فَلَمَّا سمع بهم أهل فدك٣ قد صَنَعُوا مَا صَنَعُوا بعثوا إِلَى رَسُول اللَّه يسألونه أَن يسيرهم وَأَن يحقن لَهُم دِمَاءَهُمْ ويحلوا لَهُ الْأَمْوَال فَفعل. وَكَانَ فِيمَن مَشى بَين رَسُول اللَّه ﷺ وَبينهمْ فِي ذَلِك محيصة بْن مَسْعُود أَخُو بني حَارِثَة. قَالَ: فَلَمَّا نزل أهل خَيْبَر على ذَلِك سَأَلُوا رَسُول اللَّه أَن يعاملهم فِي الْأَمْوَال على النّصْف، فعاملهم، وَقَالَ لَهُم: "على أَنَّا إِذا شِئْنَا أَن نخرجكم أخرجناكم". فَصَالحه أهل فدك على مثل ذَلِك. وَكَانَت خَيْبَر فَيْئا بَين الْمُسلمين، وَكَانَت فدك خَاصَّة لرَسُول اللَّه ﷺ، لأَنهم لم يوجوفوا٤ عَلَيْهَا بخيل وَلَا ركاب.
قَالَ أَبُو عمر٥:
هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي أَرض خَيْبَر أَنَّهَا كَانَت عنْوَة كلهَا مَغْلُوبًا عَلَيْهَا بِخِلَاف فدك وَأَن رَسُول اللَّه ﷺ قسم جَمِيع٦ أرْضهَا على الْغَانِمين لَهَا الموجفين بِالْخَيْلِ والركاب، وهم أهل الْحُدَيْبِيَة. وَلم يخْتَلف الْعلمَاء [فِي] أَن أَرض خَيْبَر مقسومة، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا هَل تقسم الأَرْض إِذا غنمت الْبِلَاد أَو توقف؟ فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ٧: الإِمَام مُخَيّر بَين قسمتهَا كَمَا فعل رَسُول اللَّه ﷺ بِأَرْض خَيْبَر وَبَين إيقافها كَمَا فعل عمر بسواد الْعرَاق، وَقَالَ
_________________
(١) ١ هَذِه بعض حصون خَيْبَر. ٢ زِيَادَة من ر ومصادر مُخْتَلفَة وهما الوطيح والسلالم. ٣ فدك قَرْيَة كَانَت للْيَهُود شمَالي خَيْبَر. ٤ يوجفوا: يجتمعوا. ٥ نقل ابْن سيد النَّاس هَذِه الْفَقْرَة بِطُولِهَا عَن ابْن عبد الْبر: وعقب عَلَيْهَا بمناقشة وَاسِعَة، لما ذكره ابْن عبد الْبر من أَنَّهَا فتحت جَمِيعهَا عنْوَة وَأَنَّهَا قسمت جَمِيعهَا على الفاتحين وحدهم. وسننقل عَنهُ بعض تعقيباته فِيمَا يَلِي من الهوامش وَانْظُر الطَّبَرِيّ ٣/ ١٩ وَسنَن أبي دَاوُد ٢/ ٢٦ وَمَا بعْدهَا وَالرَّوْض الْأنف ٢/ ٢٤٦. ٦ قَالَ ابْن سيد النَّاس ٢/ ١٣٧: أما قَوْله: قسم جَمِيع أرْضهَا، فَإِن الحصنين المفتتحين أخيرا وهما الوطيح والسلالم لم يجر لَهما ذكر فِي القمسة. ٧ الْكُوفِيُّونَ: أَصْحَاب مَذْهَب أبي حنيفَة.
[ ٢٠١ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تقسم الأَرْض كلهَا كَمَا قسم رَسُول اللَّه ﷺ [خَيْبَر١] لِأَن الأَرْض غنيمَة كَسَائِر أَمْوَال الْكفَّار، وَذهب مَالك إِلَى إيقافها اتبَاعا لعمر، لِأَن الأَرْض مَخْصُوصَة من سَائِر الْغَنِيمَة بِمَا فعل عمر فِي جمَاعَة من الصَّحَابَة: فِي إيقافها لمن يَأْتِي بعده من الْمُسلمين. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَوْلا أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً إِلَّا قسمته سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَر سُهْمَانًا٢، وَهَذَا يدل على أَن أَرض خَيْبَر قسمت كلهَا سهمانا كَمَا قَالَ ابْن إِسْحَاق. وَأما قَول من قَالَ إِن خَيْبَر كَانَ بَعْضهَا صلحا وَبَعضهَا عنْوَة، فقد وهم وَغلط، وَإِنَّمَا دخلت عَلَيْهِ الشُّبْهَة بالحصنين اللَّذين أسلمهما أهلهما لحقن دِمَائِهِمْ. فَلَمَّا لم يكن أهل ذَيْنك الحصنين من الرِّجَال وَالنِّسَاء والذرية٣ لضرب من الصُّلْح، وَلَكنهُمْ لم يتْركُوا أَرضهم إِلَّا بالحصار والقتال، فَكَانَ حكم أَرض ذَيْنك الحصنين كَحكم سَائِر أَرض خَيْبَر كلهَا غنيمَة مَغْلُوبًا عَلَيْهَا عنْوَة مقسومة بَين أَهلهَا. وَرُبمَا شبه٤ على من قَالَ: إِن نصف خَيْبَر صلح وَنِصْفهَا عنْوَة بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ خَيْبَرَ [نِصْفَيْنِ٥: نِصْفًا لَهُ، وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ] النِّصْفَ لَهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ مَعَهُ، لأَنَّهَا قُسِمَتْ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ سَهْمًا، فَوَقَعَ سَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْهَا، وَوقع سَائِر النَّاس فِي بَاقِيهَا، وَكلهمْ مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة ثمَّ شهد خَيْبَر٦. وَلَيْسَت الْحُصُون الَّتِي أسلمها أَهلهَا [بعد٧ الْحصار والقتال صلحا، وَلَو كَانَت صلحا لملكها أَهلهَا] كَمَا يملك أهل الصُّلْح أراضيهم وَسَائِر أَمْوَالهم. فَالْحق فِي
_________________
(١) ١ زِيَادَة من ر، وَهِي هَكَذَا فِي ابْن سيد النَّاس. ٢ السهْمَان: جمع سهم. ٣ هَكَذَا فِي ابْن سيد النَّاس، وَفِي الأَصْل ور: أَنه فِي الرِّجَال والذرية والعيال. ٤ شبه عَلَيْهِ: دخلت عَلَيْهِ الشهبة. ٥ زِيَادَة من ر وَهِي هَكَذَا فِي ابْن سيد النَّاس. ٦ اعْترض ابْن سيد النَّاس على هَذِه الْعبارَة لِابْنِ عبد الْبر فَإِن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ كَانَ مِمَّن شهد الْحُدَيْبِيَة وَلم يشْهد خَيْبَر، وَقسم لَهُ الرَّسُول، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قسم لأهل السفينتين الَّذين جَاءُوا من الْحَبَشَة مِمَّن لم يشْهدُوا الْحُدَيْبِيَة وخيبر، كَمَا قسم للدوسيين والأشعريين الَّذين قدمُوا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْفَتْح. ٧ زِيَادَة من ر وَهِي هَكَذَا عِنْد ابْن سيد النَّاس.
[ ٢٠٢ ]
هَذَا وَالصَّوَاب مَا قَالَه ابْن إِسْحَاق١ دون مَا قَالَه مُوسَى وَغَيره عَن ابْن شهَاب. وَالله أعلم.
قَالَ أَبُو عمر:
قسم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، خَيْبَر، وَأخرج الْخمس٢ مِمَّا قسم، وَلم يقدر أَهلهَا٣ على عمارتها وعملها فَأقر الْيَهُود فِيهَا على الْعَمَل فِي النّخل وَالْأَرْض، وَقَالَ لَهُم: "أقركم مَا أقركم٤ اللَّه". ثمَّ أذن اللَّه لَهُ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ بإخراجهم، فَقَالَ: "لَا يبْقين دينان بِأَرْض الْعَرَب". وَقَالَ ﵇: "أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْحجاز". وَلم يكن بَقِي يَوْمئِذٍ بهَا مُشْرك وثنى -وَلَا بِأَرْض الْيمن أَيْضا- إِلَّا أسلم فِي سنة تسع وَسنة عشر. فَلَمَّا بلغ عمرَ بْنَ الْخطاب -﵁- فِي خِلَافَته قَوْله ﵇: "أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْعَرَب" أجلاهم عَنْهَا، فَأخذ الْمُسلمُونَ سِهَامهمْ فِي خَيْبَر، فتصرفوا فِيهَا تصرف المالكين.
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ الْمُتَوَلِي للْقِسْمَة بِخَيْبَر جَبَّار بْن صَخْر الْأنْصَارِيّ من بني سَلمَة، وَزيد بْن ثَابت من بني النجار، كَانَا حاسبين قاسمين. وَكَانَت قسْمَة خَيْبَر لأهل الْحُدَيْبِيَة: من حضر الوقيعة بِخَيْبَر وَمن لم يحضرها، لِأَن اللَّه أَعْطَاهُم ذَلِك فِي سفر الْحُدَيْبِيَة٥. وَلذَلِك قَالَ مُوسَى بْن عقبَة: لم يقسم من خَيْبَر شَيْء إِلَّا لمن شهد الْحُدَيْبِيَة، وروى ذَلِك عَن جمَاعَة من السّلف.
_________________
(١) ١ أَي أَن خَيْبَر فتحت كلهَا عنْوَة خلافًا لمُوسَى بن عقبَة وَغَيره مِمَّن قَالُوا بِأَن بَعْضهَا فتح صلحا وَبَعضهَا فتح عنْوَة، وَقد أورد ابْن سيد النَّاس آثارا مُخْتَلفَة تشهد لِابْنِ عقبَة وَأَن الوطيح والسلالم فتحا صلحا وَفتح بعض الكتيبة عنْوَة وَبَعضهَا صلحا، وحاول ابْن سيد النَّاس أَن يوفق بَين الرأيين، فَقَالَ أَن أهل هَذِه الْحُصُون نقضوا الصُّلْح، فَصَارَت جَمِيعهَا عنْوَة، ثمَّ خمسها الرَّسُول وَقسمهَا. ٢ كَمَا تنص الْآيَة الْكَرِيمَة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأن لله خمسه﴾ وَكَانَت الكتيبة هِيَ هَذِه الْخمس، ويستظهر ابْن سيد النَّاس أَن يكون مَا أعطَاهُ الرَّسُول لأهل السفينتين وللدوسيين والأشعريين من الكتيبة والوطيح والسلالم، وَكَأن هَذِه الْحُصُون هِيَ النّصْف الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ بشير بن يسَار فِي حَدِيثه وَالَّذِي حجزه الرَّسُول لما ينزل بِهِ من أُمُور الْمُسلمين. انْظُر ابْن سيد النَّاس ٢/ ١٤٠. ٣ أَهلهَا: أَي فاتحوها الَّذين ملكوها من الْمُسلمين. ٤ هَكَذَا فِي ر وَابْن هِشَام، وَفِي الأَصْل: "أقركم على مَا أقركم الله". ٥ إِشَارَة إِلَى قَول الله ﷿ الَّذِي افْتتح بِهِ هَذِه الْغَزْوَة: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ .
[ ٢٠٣ ]
قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَوَقع سهم رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَعمر وَعلي وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن بْن عَوْف وَعَاصِم بْن عدي وسهام بني سَلمَة وسهام بني حَارِثَة وَبني سَاعِدَة وَبني النجار وغفار وَأسلم وجهينة واللفيف، كلهَا وَقعت فِي الشق. وَوَقع سهم أبي بكر وَالزُّبَيْر وسهام بني بياضة وَبني الْحَارِث بْن الْخَزْرَج وَمُزَيْنَة بالنطاة، وَلِذِكْرِ سِهَامهمْ وأقسامهم مَوضِع غير هَذَا. وَكَانَ عبيد بْن أَوْس من بني حَارِثَة قد اشْترى يَوْمئِذٍ من سِهَام النَّاس سهاما كَثِيرَة، فَسمى يَوْمئِذٍ عبيد السِّهَام، وَاشْترى عمر بْن الْخطاب مائَة سهم من سِهَام الْمُسلمين، فَهِيَ صدقته الْبَاقِيَة إِلَى الْيَوْم.
وَأما فدك فَلم يُوجَفْ عَلَيْهَا بخيل وَلَا ركاب فَكَانَت كبني النَّضِير خَالِصَة لرَسُول اللَّهِ ﷺ.
وَمن الْعجب قَول من قَالَ إِن الكتيبة لم تفتح عنْوَة١ وَإِنَّهَا من صدقَات النَّبِي ﵇ إِلَّا أَن ينزل سهم النَّبِي ﵇ فِيهَا مَعَ الْمُؤمنِينَ وَإِلَّا فَلَا وَجه لقَوْله غير هَذَا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
وَفِي غَزْوَة خَيْبَر حرم رَسُول اللَّه ﷺ لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة، لم تخْتَلف الْآثَار فِي ذَلِك. وَاخْتلفت فِي حِين تَحْرِيم الْمُتْعَة٢ بعد إباحتها. وَقد ذكرنَا الْآثَار بذلك فِي التَّمْهِيد. وفيهَا أَهْدَت الْيَهُودِيَّة زَيْنَب بن [الْحَارِث٣ امْرَأَة] سَلام بْن مشْكم إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ [الشَّاة] ٤ المصلية٥ وسمت لَهُ مِنْهَا الذِّرَاع وَكَانَ أحبَّ اللَّحْم إِلَيْهِ ﷺ. فَلَمَّا تنَاول الذِّرَاع ولاكها لَفظهَا وَرمى بهَا، وَقَالَ: "إِنَّ هَذَا الْعَظْمَ يُخْبِرُنِي أَنَّهُ مَسْمُومٌ". وَدَعَا بِالْيَهُودِيَّةِ فَقَالَ: "مَا حَمَلَكِ عَلَى هَذَا؟ " فَقَالَت: أردْت أَن أعلم إِن كنت نَبيا، وَعلمت أَن اللَّه إِن أَرَادَ بَقَاءَك أعلمك. فَلم يَقْتُلهَا رَسُول اللَّه ﷺ. وَأكل من الشَّاة مَعَه بِشْرُ بْن الْبَراء بْن معْرور، فَمَاتَ من أَكلته تِلْكَ.
وَكَانَ الْمُسلمُونَ يَوْم خَيْبَر ألفا وَأَرْبَعمِائَة راجل ومائتي فَارس.
_________________
(١) ١ فِي ابْن سيد النَّاس ٢/ ١٣٧: أَكثر الكتيبة عنْوَة وفيهَا صلح. ٢ الْمُتْعَة، أَي زواج الْمُتْعَة. ٣ زِيَادَة من ابْن هِشَام: وَانْظُر فِي الْخَبَر صَحِيح البُخَارِيّ ٥/ ١٤١ وَالرَّوْض الْأنف ٢/ ٢٤٣. ٤ زِيَادَة من ر وَابْن هِشَام. ٥ المصلية: المشوية.
[ ٢٠٤ ]
تَسْمِيَة من اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم خَيْبَر
ربيعَة بن كثم بْن سَخْبَرَة الْأَسدي من بني غنم بْن دودان بْن أَسد بْن خُزَيْمَة، وثقف بْن عَمْرو، وَرِفَاعَة بْن مسروح. وَكلهمْ من بني أَسد، حلفاء لبني عَبْد شمس، ومسعود بْن ربيعَة الْقَارِي، من القارة، حَلِيف لني زهرَة.
وَعبد اللَّه بْن الهبيب، وَيُقَال ابْن أهيب اللَّيْثِيّ حَلِيف لبني أَسد بْن عبد الْعُزَّى بْن قصي وَابْن أختهم.
وَبشر بْن الْبَراء بْن معْرور من بني سَلمَة مَاتَ من أكله مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ الشَّاة المسمومة، وفضيل بْن النُّعْمَان من بني سَلمَة أَيْضا ومسعود بْن سعد بْن قيس الْأنْصَارِيّ الزرقي.
ومحمود بْن مسلمة بْن خَالِد أَخُو مُحَمَّد بْن مسلمة من الْأَوْس حَلِيف لبني عَبْد الْأَشْهَل.
وَأَبُو ضياح ثَابت بْن ثَابت بْن النُّعْمَان من بني عَمْرو بْن عَوْف من أهل قبَاء، ومبشر بْن عَبْد الْمُنْذر بْن دِينَار من بني مَالك بْن عَمْرو بْن عَوْف، والْحَارث بْن حَاطِب، وَأَوْس بْن قَتَادَة، وَعُرْوَة بْن مرّة١ بْن سراقَة، وَأَوْس بْن الْفَاكِه٢. وأنيف بْن حبيب، وثابت بْن وَاثِلَة٣ بْن طَلْحَة، وَالْأسود الرَّاعِي واسْمه أسلم وكل هَؤُلَاءِ من بني عَمْرو بني عَوْف.
وَمن بني غفار: عمَارَة بْن عقبَة بْن حَارِثَة أَصَابَهُ سهم فَقتله.
وَمِنْ أَسْلَمَ: عَامِرُ بن الْأَكْوَع٤.
_________________
(١) ١ فِي بعض المصارد: برة. ٢ فِي بعض المصادر: الْقَائِد. ٣ فِي ر وَابْن هِشَام: أثلة. ٤ عد ابْن عبد الْبر مِنْهُم فِي الِاسْتِيعَاب ص٣٨: أَوْس بن عَابِد.
[ ٢٠٥ ]