ثمَّ فرض صَوْم رَمَضَان سنة إِحْدَى١ قبل صرف الْقبْلَة بعام.
غَزْوَة بواط ٤
ثمَّ خرج رَسُول اللَّه ﷺ فِي ربيع الآخر٣ إِلَى تَمام٤ عَام من مقدمه الْمَدِينَة، وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة السَّائِب بْن عُثْمَان بْن مَظْعُون، حَتَّى بلغ بواط من نَاحيَة رضوى. ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وَلم يلق حَربًا.
غَزْوَة الْعَشِيرَة ٥
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة ربيع الآخر وَبَعض جُمَادَى٦ الأولى ثمَّ خرج
_________________
(١) ١ الْمَشْهُور أَن فرض صَوْم رَمَضَان كَانَ على رَأس ثَمَانِيَة عشر شهرا من الْهِجْرَة، وَأَن صرف قبْلَة الصَّلَاة عَن بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة كَانَ قبله بِشَهْر أَو بشهرين، وَانْظُر الطَّبَرِيّ ٢/ ٤١٧. ٢ انْظُر فِي هَذِه الْغَزْوَة ابْن هِشَام ٢/ ٢٤٨ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٣ والطبري ٢/ ٤٠٥، ٤٠٧ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ١٣٥، وَابْن حزم ص١٠٢، وَابْن سيد النَّاس ١/ ٢٢٦، وَابْن كثير ٣/ ٢٤٦، والسيرة الحلبية ٢/ ١٦٦، والنويري ١٧/ ٤. وبواط: من جبال جُهَيْنَة قرب يَنْبع. وَكَانَ الرَّسُول فِي مِائَتَيْنِ من أَصْحَابه لطلب عير لقريش فِيهَا أُميَّة بن خلف. ٣ فِي ابْن هِشَام وَبَعض المصادر: فِي شهر ربيع الأول. ٤ هَكَذَا فِي الأَصْل، وَكَانَ ابْن عبد الْبر يكون أدق لَو قَالَ: فِي صدر السّنة الثَّانِيَة لِلْهِجْرَةِ، لِأَن الرَّسُول كَمَا مر بِنَا هَاجر إِلَى المدية وَنزل بهَا فِي ربيع الأول. ٥ انْظُر فِي هَذِه الْغَزْوَة ابْن هِشَام ٢/ ٢٤٨ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٤ والطبري ٢/ ٤٠٨ وأنساب الْأَشْرَاف ١/ ١٣٥ وصحيح البُخَارِيّ ٥/ ٧١ وَابْن حزم ص١٠٢ وَابْن سيد النَّاس ١/ ٢٢٦ وَابْن كثير ٣/ ٢٤٦ والنويري ١٧/ ٥ والسيرة الحلبية ٢/ ١٦٧ وَقد خرج الرَّسُول لهَذِهِ الْغَزْوَة فِي مائَة وَخمسين وَيُقَال فِي مِائَتَيْنِ من الْمُهَاجِرين يعْتَرض عيرًا لقريش. ويروى أَنه كنى عليا فِيهَا بِأبي تُرَاب، وَكَانَ قد رَآهُ نَائِما وعلق بِهِ بعض التُّرَاب. ٦ فِي ابْن سعد أَن هَذِه الْغَزْوَة كَانَت فِي جمادي الْآخِرَة وَأَنه حمل لِوَاء رَسُول الله فِيهَا حَمْزَة بن عبد الْمطلب. وَأَنه كَانَت بِسَبَبِهَا وقْعَة بدر الْكُبْرَى.
[ ٩٧ ]
غازيا واستخلف على الْمَدِينَة أَبَا سَلمَة بْن عَبْد الْأسد. وَأخذ على طَرِيق إِلَى الْعَشِيرَة، فَأَقَامَ هُنَالك بَقِيَّة جُمَادَى الأولى وليالي من جُمَادَى الْآخِرَة. ووادع فِيهَا بني مُدْلِج. ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة، وَلم يلق حَربًا.
غَزْوَة بدر الأولى ١
وَلما انْصَرف رَسُول اللَّهِ ﷺ من الْعَشِيرَة لم يُقِمْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا عشر لَيَال أَو نَحْوهَا، حَتَّى أغار كرز٢ بْن جَابر الفِهري على سرح٣ الْمَدِينَة. فَخرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طلبه حَتَّى بلغ وَاديا يُقَال لَهُ: سفوان فِي نَاحيَة بدر. وَفَاته كرز، فَرجع إِلَى الْمَدِينَة.
بَعْثُ سعد بْن أبي وَقاص ٤
وَقد كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بعث فِي حِين خُرُوجه لطلب كرز بْن جَابر سعد بْن أبي وَقاص فِي ثَمَانِيَة٥ رَهْط من الْمُهَاجِرين، فَبلغ إِلَى الخرار٦. ثمَّ رَجَعَ [إِلَى] الْمَدِينَة وَلم يلق حَربًا. وَقيل٧ إِنَّمَا بَعثه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طلب كرز بْن جَابر الفِهري.
_________________
(١) ١ انْظُر فِي هَذِه الْغَزْوَة ابْن هِشَام ٢/ ٢٥١ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٤ والطبري ٢/ ٤٠٦ وَمَا بعْدهَا وَابْن حزم ص١٠٣ وَابْن سيد النَّاس ١/ ٢٢٧ وَابْن كثير ٣/ ٢٤٧ والنويري ١٧/ ٥ والسيرة الحلبية ٢/ ١٧٠ وَبدر: بِئْر على أَربع مراحل من الْمَدِينَة. وَقد سمت بعض المصادر هَذِه الْغَزْوَة باسم غَزْوَة سفوان. ٢ هُوَ كرز بن جَابر بن حسيل بن لاحب الفِهري الْقرشِي وَقد أسلم بعد هَذَا الْحَادِث وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة وَحسن إِسْلَامه واشترك فِي بعض الحروب تَحت لِوَاء الرَّسُول، وَقتل يَوْم فتح مَكَّة سنة ثَمَان لِلْهِجْرَةِ قَتله الْمُشْركُونَ، وَكَانَ فِي خيل خَالِد بن الْوَلِيد. انْظُر الِاسْتِيعَاب ص٢٣٠. ٣ السَّرْح: الْإِبِل والأغنام. ٤ انْظُر فِي هَذَا الْبَعْث ابْن هِشَام ٢/ ٢٥١، وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٣ وَابْن حزم ص١٠٣ وَابْن سيد النَّاس ١/ ٢٢٥ والنويري ١٧/ ٣. وَقَالَ ابْن هِشَام: ذكر بعض أهل الْعلم أَن بعث سعد هَذَا كَانَ بعد بعث حَمْزَة. وَمن ثمَّ جعله بعض أهل السّير على رَأس تِسْعَة أشهر فِي السّنة الأولى لِلْهِجْرَةِ، كَمَا جعلُوا بعث حَمْزَة كَمَا قدمنَا فِي رَمَضَان. وَقد جعله ابْن عبد الْبر كَمَا هُوَ وَاضح فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الثَّانِيَة لِلْهِجْرَةِ. ٥ فِي بعض المراجع: أَنه كَانَ فِي عشْرين رجلا من الْمُهَاجِرين. ٦ الخرار: من الأودية بَين الْمَدِينَة وَمَكَّة. ٧ بشير ابْن عبد الْبر إِلَى اخْتِلَاف الروَاة فِي هَذَا الْبَعْث. فقد قَالَ بَعضهم إِنَّه كَانَ فِي طلب كرز. وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّه كَانَ فِي طلب عير لقريش كَانَت تحمل بعض عروضهم، وَيُقَال إِن الرَّسُول عهد إِلَيْهِ أَن لَا يُجَاوز الخرار.
[ ٩٨ ]
بَعْثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جحش [وسَرِيَّتِهِ] ١
وَلما رَجَعَ رَسُول اللَّه ﷺ مِنَ طلب كرز بْن جَابر، وَتُعْرَفُ تِلْكَ الْخَرْجَةُ ببدر الأولى، أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّة جُمَادَى الْآخِرَة ورجبا. وَبعث فِي رَجَب عَبْد اللَّهِ بْن جحش بْن رِئَاب وَمَعَهُ ثَمَانِيَة٢ رجال من الْمُهَاجِرين، وهم: أَبُو حُذَيْفَة بْن عتبَة، وعكاشة بْن مُحصن، وَعتبَة بْن غَزوَان، وَسُهيْل بْن بَيْضَاء الفِهري، وَسعد بْن أبي وَقاص، وعامر بْن ربيعَة٣، وواقد بْن عَبْد اللَّهِ التَّمِيمِي٤، وخَالِد بْن البكير اللَّيْثِيّ٥.
وَكتب لعبد اللَّه بْن جحش كتابا وَأمره أَن لَا ينظر فِيهِ، وَلَا يستكره أحدا من أَصْحَابه، وَكَانَ أَمِيرهمْ. فَفعل عَبْد اللَّهِ بْن جحش مَا أمره بِهِ، فَلَمَّا فتح الْكتاب وقرأه وجد فِيهِ:
"إِذا نظرت فِي كتابي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تنزل نَخْلَة٦ بَين مَكَّة والطائف فترصد بهَا قُريْشًا، وَتعلم لنا من أخبارهم"*.
_________________
(١) ١ زِيَادَة من ر، وَانْظُر فِي هَذَا الْبَعْث ابْن هِشَام ٢/ ٢٥٢ وَابْن سعد ج٢ ق١ ص٥ والطبري ٢/ ٤١٠ وَابْن حزم ص١٠٤ وَابْن سيد النَّاس ١/ ٢٢٧ وَابْن كثير ٣/ ٢٤٨ والنويري ١٧/ ٦. ٢ فِي بعض المراجع: فِي اثنى عشر رجلا من الْمُهَاجِرين. ٣ هَكَذَا فِي ر وَابْن هِشَام وَبَقِيَّة المراجع، وَفِي الأَصْل: أبي ربيعَة. ٤ هَكَذَا فِي ر وَابْن هِشَام وَبَقِيَّة المراجع، وَفِي الأَصْل: التَّيْمِيّ. ٥ زَاد ابْن سعد على هَؤُلَاءِ الثَّمَانِية الْمِقْدَاد بن عَمْرو. ٦ نَخْلَة: مَوضِع على لَيْلَة من مَكَّة. * قلت: فِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه جَوَاز شَهَادَة التَّقْلِيد، وَهِي مَسْأَلَة خلاف بَين الْعلمَاء: إِذا قَالَ لَهُ اشْهَدْ على بِمَا فِيهِ وَلَا تَقْرَأهُ. فَقيل يَصح ذَلِك، وَقيل لَا. وَظَاهر هَذَا الحَدِيث صِحَّته. وَفِيه أَيْضا جَوَاز تراخي الْقبُول عَن الْإِيجَاب. وَفِيه جَوَاز العقد وَالتَّوْلِيَة على الْأَمر الْمَجْهُول حِين العقد بِخِلَاف عُقُود الْمُعَاوَضَات كالإجراءات وَنَحْوهَا. وَلَو قَالَ فِي الْإِجَارَات: استأجرتك بِكَذَا على أَن تعْمل لي بِمُقْتَضى مَا فِي هَذَا الْكتاب وَلَا تَقْرَأهُ إِلَّا بعد كَذَا لما جَازَ، لِأَن الْغرَر لَا يحْتَمل فِي الْمُعَاوضَة. وَفِيه من السياسة كتمان مَا يضر إعلانه قبل وقته. وَيَأْخُذ بِهَذَا الْأَدَب كثير من الْمُلُوك فِي كثير من الْأَحْوَال. وَأخذ مِنْهُ أصل حسن فِي صِحَة الْإِجَازَة والمناولة واعتماد الْمجَاز على ذَلِك وَإِن لم يعرف مَا الْكتاب قَالَ السُّهيْلي [الرَّوْض الْأنف ٢/ ٥٩]: لَكِن شَرطه على مُقْتَضى هَذَا الحَدِيث أَن يسْتَمر الْكتاب بيد الْمجَاز، وَأَن لَا يستعيده الْمُجِيز، وَهَذَا غير لَازم. وَمَتى صَحَّ للمجاز أَن النُّسْخَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ وَقت الْإِجَازَة والمناولة لم تبدل وَلم تغير اكْتفى بذلك. وقرائن الْأَحْوَال فِيهِ محكمَة [لَا] تلْزم على سِيَاق مَا الْتزم السُّهيْلي أَن لَا يخرج الْكتاب من يَد الْمجَاز إِلَى أحد أبدا. وَهَذَا العسف لَا يَقُول بِهِ غَيره.
[ ٩٩ ]
فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب قَالَ سمعا وَطَاعَة. ثمَّ أخبر أَصْحَابه بذلك وَأَنه لَا يستكره أحدا مِنْهُم وَأَنه ناهض لوجهه [مَعَ] من طاوعه وَأَنه إِن لم يطعه أحد مضى وَحده، فَمن أحب الشَّهَادَة فلينهض وَمن كره الْمَوْت فَليرْجع. فَقَالُوا: كلنا نرغب فِيمَا ترغب، وَمَا منا أحد إِلَّا وَهُوَ سامع مُطِيع لرَسُول اللَّه ﷺ. ونهضوا مَعَه. فسلك على الْحجاز. وشرد لسعد بْن أبي وَقاص وَعتبَة بْن غَزوَان جمل كَانَا يعتقبانه١، فتخلفا فِي طلبه. وَنَفَذَ عبد الله بن حجش مَعَ سَائِرهمْ لوجهه. حَتَّى نزل بنخلة. فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا٢ وتجارة فِيهَا عَمْرو [بْن] الْحَضْرَمِيّ وَاسم الْحَضْرَمِيّ عَبْد اللَّهِ بْن عباد من الصدف، والصدف بطن من حَضرمَوْت -وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُغيرَة، وَأَخُوهُ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُغيرَة المخزوميان، وَالْحكم بْن كيسَان مولى بني الْمُغيرَة. فتشاور الْمُسلمُونَ وَقَالُوا: نَحن فِي آخر يَوْم من رَجَب الشَّهْر الْحَرَام، فَإِنْ نَحن قتلناهم هتكنا حُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام، وَإِن تركناهم اللَّيْلَة دخلُوا الْحرم. ثمَّ اتَّفقُوا على لقائهم. فَرمى وَاقد بْن عَبْد اللَّهِ التَّمِيمِي عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ [بِسَهْم] فَقتله، وأسروا عُثْمَان بْن عَبْد اللَّهِ وَالْحكم بْن كيسَان، وَأَفْلَتَ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّهِ. ثمَّ قدمُوا بالعير والأَسِيرَيْنِ. وَقَالَ لَهُم عَبْد اللَّهِ بْن جحش: اعزلوا مِمَّا غنمنا الْخمس لرَسُول اللَّهِ ﷺ، فَفَعَلُوا. فَكَانَ أول خمس٣ فِي الْإِسْلَام، ثمَّ نزل الْقُرْآن: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خمسه﴾ . فَأَقَرَّ اللَّه وَرَسُوله فِعْلَ عَبْد اللَّهِ بْن جحش فِي ذَلِك، ورضيه وسنه للْأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَهِي أول غنيمَة غنمت فِي الْإِسْلَام، وَأول أسيرين، وَعَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ أول قَتِيل. وَأنكر رَسُول اللَّه قتل عَمْرو بْن الخضرمي فِي الشَّهْر الْحَرَام، فَسُقِطَ فِي أَيدي الْقَوْم، فَأنْزل اللَّه ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُم عَن دينه
_________________
(١) ١ يعتقبان الْبَعِير: يتناوبان ركُوبه. ٢ فِي بعض الرِّوَايَات: تحمل زبيبا وأدما وتجارة. ٣ وَيُقَال: بل وقف الرَّسُول غَنَائِم هَذِه السّريَّة أَو هَذَا الْبَعْث حَتَّى رَجَعَ من بدر. فَقَسمهَا مَعَ غَنَائِم بدر وَأعْطى كل قوم حَقهم.
[ ١٠٠ ]
فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ *.
وَقبل رَسُول اللَّه ﷺ الْفِدَاء فِي الْأَسِيرين، فَأَما عُثْمَان بْن عَبْد اللَّهِ فَمَاتَ بِمَكَّة كَافِرًا، وَأما الحكم بْن كيسَان فَأسلم وَأقَام مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتشْهد ببئر مَعُونَة. وَرجع سعد وَعتبَة إِلَى الْمَدِينَة سَالِمَيْنِ.
صرف الْقبْلَة ١
وصرفت الْقبْلَة عَن بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة فِي السّنة الثَّانِيَة على رَأس سِتَّة عشر شهرا، وَقيل سَبْعَة عشر شهرا من مقدم رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، وَذَلِكَ قبل بدر بشهرين. وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي الصَّلَاة بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة هَل كَانَت إِلَى الْكَعْبَة أَو إِلَى بَيت الْمُقَدّس؟ وَالرِّوَايَات بِالْوَجْهَيْنِ فِي كتاب التَّمْهِيد وَفِي كتاب الاستذكار٢. وَرُوِيَ أَن أول من صلى إِلَى الْكَعْبَة حِين صرفت الْقبْلَة عَن بَيت الْمُقَدّس أَبُو سعيد بْن الْمُعَلَّى، وَذَلِكَ أَنه سمع رَسُول اللَّه ﷺ يخْطب بتحويل الْقبْلَة، فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ إِلَى الْكَعْبَة.
_________________
(١) * قلت: فِي هَذَا الحَدِيث "أَي حَدِيث الْغَزْوَة" دَلِيل على تسويغ الِاجْتِهَاد فِي زَمَنه ﵇، فَإِن عبد الله بن جحش أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى قسْمَة الْغَنِيمَة كَمَا شَاءَ، وَتَخْصِيص الرَّسُول ﷺ بالخمس. فصوب الْحق اجْتِهَاده وأمضاه فَإِن قلت: كَيفَ أنكر النَّبِي ﷺ قَتلهمْ لمن قَتَلُوهُ فِي الشَّهْر الْحَرَام ثمَّ نزل الْقُرْآن بتصويب فعلهم؟ قلت: لم يصوب الْقُرْآن شَيْئا أنكرهُ الرَّسُول ﵇، وَلكنه قرر أَن الْقِتَال مُنكر كَمَا أنكرهُ الرَّسُول ﵇، وَلكنه قرر أَيْضا أَن فعل الْجَاهِلِيَّة أَشد نكرا. لِأَن فعلهم الْكفْر وَقطع الطَّرِيق على الْحجَّاج وإثارة الْفِتْنَة، فَقطع الله احتجاجهم على الْمُسلمين بِأَن الْجَاهِلِيَّة أولى بالإنكار وأجدر برد الْأَعْذَار وَالله الْمُسْتَعَان. ١ انْظُر فِي صرف الْقبْلَة ابْن هِشَام ٢/ ٢٥٧ وَابْن سعد ج١ ق٢ ص٣ وصحيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٥/ ٩ وصحيح البُخَارِيّ ١/ ٨٤ والطبري ٢/ ٤١٥ وَابْن حزم ص١٠٦ وَابْن سيد النَّاس ١/ ٢٣٠ وَابْن كثير ٣/ ٢٥٢ والنويري ١٦/ ٣٩٧. ٢ نقل ابْن سيد النَّاس الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة واختلافها فِي أَن الرَّسُول كَانَ أول مَا صلى يسْتَقْبل الْكَعْبَة وَهُوَ لَا يزَال بِمَكَّة ثمَّ تحول عَنْهَا فِي الْمَدِينَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس. وَقيل إِنَّه تحول عَنْهَا وَهُوَ لَا يزَال بِمَكَّة. وَقيل بل كَانَ يُصَلِّي فِي مَكَّة مُسْتَقْبلا بَيت الْمُقَدّس حَتَّى صرفه الله عَنهُ فِي الْمَدِينَة إِلَى الْكَعْبَة. وَاسْتحْسن ابْن عبد الْبر قَول من قَالَ أَنه كَانَ بِمَكَّة يصلى مُسْتَقْبل الْقبْلَتَيْنِ مَعًا يَجْعَل الْكَعْبَة بَينه وَبَين بَيت الْمُقَدّس انْظُر ابْن سيد النَّاس ١/ ٢٣٦.
[ ١٠٢ ]