حِين اطَّلَعت فِي دَار الْكتب المصرية على مخطوطة: "كتاب الدُّرَر فِي اخْتِصَار الْمَغَازِي وَالسير "لِابْنِ عبد الْبر" وَوجدت الزبيدِيّ اللّغَوِيّ تَملكهَا ووقفها مَعَ مَا وَقفه من الْكتب لانتفاع طلاب الْعلم بهَا. وَلَيْسَ ذَلِك فَحسب، فقد وجدت عَلَيْهَا تعليقات للعلامة المؤرخ شمس الدَّين السخاوي، حِينَئِذٍ عرفت أَنَّهَا مخطوطة نفيسة. وحاولت أَن أجد من الْكتاب مخطوطات أُخْرَى للمقابلة، وَلم يكْتب لي الظفر بِشَيْء من ذَلِك فاكتفيت بِأَن المخطوطة موثقة ومضيت أحققها وأعدها للنشر، مستعينا بِمَا وجدته من الْأُصُول الَّتِي ذكرهَا ابْن عبد الْبر فِي الْكتاب، وَأَيْضًا من الْفُرُوع الَّتِي استمدت مِنْهُ ونقلت عَنهُ، وَقد بسطت القَوْل فِي ذَلِك بمقدمة الطبعة الأولى.
ونشرت الْكتاب -بتحقيقي- لجنة إحْيَاء التراث الإسلامي بِالْمَجْلِسِ الْأَعْلَى للشئون الإسلامية فِي سنة ١٣٨٦ لِلْهِجْرَةِ، وَلم تكد تدخل سنة ١٣٩٠ حَتَّى كَانَت قد نفدت تِلْكَ النشرة. وَلم يلبث معهد المخطوطات بجامعة الدول الْعَرَبيَّة أَن عثر على مخطوطة مِنْهُ فِي الخزانة الْعَامَّة بالرباط، وبادر إِلَى تصويرها. وصورها لي مشكورا، ووجدتها مخطوطة مُتَأَخِّرَة رُبمَا رجعت إِلَى الْقرن الْحَادِي عشر الهجري، وَهِي بِخَط مغربي وَغير موثقة، وَبهَا بَيَاض فِي غير ورقة وَهُوَ وَاضح فِي ظهر الورقة الأولى المصورة فِي هَذِه الطبعة الثَّانِيَة، وَبهَا مَا لَا يكَاد يُحْصى من التصحيفات وسواقط الْكَلِمَات، وَلم أر إِثْبَات ذَلِك فِي الهوامش، إِذْ لَيْسَ فِي إثْبَاته فَائِدَة. ويتضح من مقدمتها أَنَّهَا ترجع إِلَى أم أُخْرَى غير أم المخطوطة الموثقة الَّتِي نشرتها فِي الطبعة الأولى، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تخْتَلف عَنْهَا بِزِيَادَات قَليلَة رَأَيْت إِثْبَاتهَا، كَمَا أثبت مِنْهَا بعض تصحيحات قَليلَة. ورمزت إِلَى تِلْكَ النُّسْخَة فِي الهوامش بالحرف "ر".
وَكنت قد لاحظت فِي المخطوطة الموثقة الَّتِي نشرتها أَنه تَتَرَدَّد فِي بعض صفحاتها كلمة "قلت" ويليها تعقيبات على كَلَام ابْن عبد الْبر، وَقد تُوضَع مَكَان كلمة "قلت" كلمة
[ ٣ ]
"فَائِدَة" أَو كلمة "هَا هُنَا لَطِيفَة". وَذكر التعقيب فِي أمكنة قَليلَة بِدُونِ إِشَارَة تسبقه تدل على أَوله، غير أَنه يعلن دَائِما عَن نَفسه بِمَا يَنْتَهِي بِهِ من العلامات الدَّالَّة على انْتِهَاء التعقيب مثل: "عَاد الْكَلَام" أَو "يرجع الْكَلَام" أَو "وَالله أعلم" أَو "وَالْحَمْد لله" أَو "وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق". وَذكرت فِي مُقَدّمَة الطبعة الأولى أَن هَذِه التعقيبات إِمَّا أَنَّهَا كَانَت مَكْتُوبَة على هَامِش الأَصْل الَّذِي نقلت عَنهُ المخطوطة وأدمجها فِيهَا النَّاسِخ لَهَا، وَإِمَّا أَن يكون النَّاسِخ هُوَ الْعَالم الديني الَّذِي أضَاف تِلْكَ التعقيبات.
وَكَثِيرًا: مَا خشيت أَن يكون تقديري لبدء هَذِه التعقيبات ونهايتها غير دَقِيق، إِذْ كنت رَأَيْت فصلها عَن الْكتاب ووضعها فِي هوامشه، حَتَّى أُعِيد إِلَيْهِ نسقه الَّذِي صاغه بِهِ ابْن عبد الْبر. وَحين عرض صنيعي على النُّسْخَة الجديدة وجدتني مصيبا فِيمَا عدا مَوَاضِع قَليلَة ظَنَنْت فِيهَا أَحْيَانًا أَن التعقيب من متن الْكتاب، أَو أَنه لَيْسَ من مَتنه. وبالمعارضة على المخطوطة الجديدة رد الْكتاب فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع إِلَى نسقه، وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت، وَإِلَيْهِ أنيب.
شوقي ضيف
الْقَاهِرَة فِي أول شعْبَان سنة ١٤٠٣هـ.
[ ٤ ]