إن القرآن الكريم يجيب على هذا التساؤل:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ .
الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن هي الأسلوب، وهو نوع الكلمة التي بلغ بها رسول الله -ﷺ- دعوة الله إلى الناس في جميع مراحلها.
وبمنتهى البساطة يدرك الداعية مقدار التواؤم بين المناهج السالفة وطريقة استخدامها في عملية التبليغ بهذا الأسلوب.
ففي المناهج وأسلوب أو نوع الكلمة المستخدمة في التبليغ عنصر أساسي جامع، وهو السلام المطلق والصبر الطويل، حتى يمكن للدعوة أن تبدو على حقيقتها في ثوبها الطبيعي وأهدافها السامية دون تزيين أو انحراف عن جادتها.
والحكمة التي توصف بها الكلمة التي تستخدم للتعبير عن مبادئ الدعوة هي في حيز قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٥٢ من سورة الفرقان.
[ ٣٤٢ ]
ففي القرآن الكريم كل شفاء وغناء يقول الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
يقول شيخنا العارف بالله الدكتور عبد الحليم محمود:
ولكن القرآن لم يكن يلقي القول على علاته وإنما يأتي بالقضية مبرهنا عليها بالدليل تلو الدليل، فيرضي العقل ويطمئن النفس ويقود الضمير إلى الإذعان٢.
ويقول الإمام الغزالي في كتابه "إلجام العوام": فأدلة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان.
بل أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع، والرجل القوي وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة، ويمرضون بها أخرى ولا ينتفع بها الصبيان أصلا٣.
ففي القرآن الكريم كل كفاية؛ لتوصيل دعوة الله، وتحقيق وحدات المنهج يقول شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود:
إن رسول الله -ﷺ- والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم لا لعجز منهم عن ذلك، فلو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه ولخاضوا في تحرير الأدلة خوضا يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض وإذا عارضوا اليهود
_________________
(١) ١من الآية رقم ٨٢ من سورة الإسراء. ٢ التفكير الفلسفي ص ٥٨. ٣ إلجام العوام ص٢٦٦ من مجموعة القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي.
[ ٣٤٣ ]
والنصارى عارضوهم بكلام الله ﷾ في أوثق نص من نصوصه المنزلة وهو القرآن١.
إن الحكمة هنا هي كما استخدمها رسول الله -ﷺ- مع الحصين.
لقد كان الحصين رجلا تعظمه قريش وتجله، فأرسلوه إلى رسول الله -ﷺ- ليكلمه حتى ينتهي عن دعوته، فلما جاء إلى النبي -ﷺ- قال: "أوسعوا للشيخ".
فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرها؟ فقال رسول الله -ﷺ: "يا حصين! كم تعبد من آله؟ "، قال: سبعة في الأرض وواحد في السماء، فقال: "فإذا أصابك الضر لمن تدعو؟ "، قال: الذي في السماء، قال: "فإذا هلك المال من تدعو؟ " قال: الذي في السماء، قال: "فيستجيب لك وحده وتشرك به؟ أسلم تسلم"، فأسلم، فقال رسول الله -ﷺ- لأصحابه شيعوه إلى منزله٢.
والحكمة من الأسلوب الذي واجه به النبي -ﷺ- عتبة بن ربيعة لما عرض على رسول الله -ﷺ- أشياء حتى إذا فرغ منها ما ناقشها رسول الله -ﷺ- ولا جادله فيها، ولكن قال له: "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم. قال: "اسمع مني"، فتلا رسول الله -ﷺ- ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ
_________________
(١) ١ التفكير الفلسفي ص١١٩. ٢ الحلبية ج١ ص٣١٨.
[ ٣٤٤ ]
الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ومضى رسول الله -ﷺ- يقرؤها، فلما سمع بها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه١ حتى انتهى رسول الله -ﷺ- وقام عتبة، وقد تغيرت معالم وجدانه وتقاسيم وجهه، وقال فيه قومه لما رأوه من بعيد: "نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به".
نعم، لقد جاءهم بوجه رق للإسلام ولقد قال لهم صراحة: "والله لقد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل، وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به"٢.
والحكمة كأسلوب ووصف الكلمة التي تنتقل بها الدعوة هي أسلوب يؤدي به الداعية رسالته دون فضل يتحدث به أو شهوة في شهرة يعرف بها، وليس له منة على الدعوة، بل الله يمن عليه أن هداه إلى الإيمان.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٤. ٢ السيرة لابن كثير ج١ ص٥٥٠، السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٤، ذكر في الخازن ج٤ ص١٢٤، والطبري ج١٤ ص١٩٤، وتفسير المراغي ج١٤ ص١٦١ وابن كثير ج٢ ص٥٩٠، الألوسي ج١٤ ص٢٥٤، وفي غيرها من كتب التفسير معاني للحكمة ولكني أطلقها من كل عقال لتجمع كل وصف يراد منها حسبما هي طبيعة القرآن الكريم.
[ ٣٤٥ ]
إن النظر في أحوال المخاطبين وظروفهم والقدر الذي ينبغي أن يستخدمه الداعية كل مرة في تبليغ رسالته بحيث لا يثقل ولا يشق بالتكاليف قبل أن تستعد النفوس للتحمل الشامل للدعوة، وطريقة المخاطبة والتنويع في الأسلوب حسب مقتضيات الأحوال هو الحكمة التي تريدها الدعوة في العصر الحديث كبديل للحماس المتزايد والاندفاع الملتهب الذي يتجاوز حدود الحكمة فيضر الدعوة على السواء١.
وهي في أدق موازينها؛ العيش في الجو القرآني والهدي النبوي الكريم.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٤ ص١١٠.
[ ٣٤٦ ]