رسم يسحب إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟
بناء على هذه الخطة فقد استبعدنا ما كتبه المستشرقون عن الإسلام والدعوة حتى ولو كانوا مخلصين تمشيا مع طبيعة الدراسة الذاتية الإسلامية إلى أن يحين اللقاء في دور الدفاع لنلتقي بهم إن شاء الله.
_________________
(١) ١ صدر الموضوع في كتاب مستقل عن سلسلة البحوث الإسلامية بعنوان: بشائر النبوة الخاتمة.
[ ٣٧ ]
الكريم، أنه لا يتأتى مطلقا أن يبشر السابقون من الأنبياء بنبوة محمد -ﷺ- ويعلن ذلك المنصفون من أهل الكتاب ثم ندعي تجاهلا أو تعسفا أو استعلاء بالعقل: إن الرسالة الإسلامية فاجأت المجتمع الإنساني.
وقد كان لها عند اليهود قدر عظيم، وعند النصارى قسمات معروفة، وعند الروم علامات، وعند الحبشة دلائل، وفي العرب إجماع بامتياز محمد -ﷺ- خلقيا على جميع أبناء المجتمع قاطبة.
بل لقد هيأه الله جل شأنه لهذه الرسالة، وانتظرها الفطريون من الحنفاء، وأهل الذكر والمعرفة من الباحثين، كما ثبت أن الأحبار والرهبان والملوك والعظماء كانوا يتناقلون هذه الأخبار ويبحثون عن مولد هذا الدين الحنيف، وقد عاد زيد بن عمرو بن نفيل ليلحق به فمات دونه، وأرادها أمية لنفسه فضل لهواه، فثبت كذلك أن الاصطفاء منحة ربانية يهبها الله لمن يشاء من عباده: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ١، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٢.
وقد وهبها الله لحبيبه محمد -ﷺ- على تهيؤ بها دون ترقب وإن ظهرت بوادرها له فليست من رياضاته لاكتسابها بل سبقت له علامة من مانحها جل شأنه بعد أن هيأه الله فعشق أنوارها
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٧٥ من سورة الحج. ٢ من الآية رقم ١٢٤ من سورة الأنعام.
[ ٣٩ ]
فهداه إياها١، قال ابن عطاء: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا﴾ أي محبا لمعرفتي فهداك إلى طريق محبتي وسبيل مودتي، قال صاحب الشفاء: والضال هو المحب٢.
قال في المواهب اللدنية:
"ولو علم بالبشارات الحاصلة قبل ولادته وإخبار الكهنة، وبحيرا، وغيرهم بأنه نبي آخر الزمان لكن صانه الله سبحانه عن اعتقاد ما يخالف ما عنده تعالى من أنها لا تنال بطلب"٣.
على أن قضية الاكتساب للنبوة وعلمه أمر حادث ابتدعته دراسات علم الكلام وهو نظريات العقل في غير مجاله الطبيعي وما طلب واحد من السابقين طريق النبوة مع إدراكه لأوصاف النبي الخاتم حتى أمية بن الصلت ما كان يجتهد في العبادة طلبا للنبوة.
وذلك هو طريق الكسب المراد كلاميا بل اجتهد في معرفة انطباق الأوصاف الخاصة بالنبي الخاتم على صفات نفسه فلما علم أنه ليس هو يئس وانجدل في سريره لا ينام ولا يقوم طوال الليل.
وكان محمد -ﷺ- يربى لها وما كان يرجو أن يلقى إليه الكتاب إلا رحمة من ربه فقد أعده ربه فكانت له لا لغيره وكان هو لها لا لغيرها وكان قدرا مقدورا.
_________________
(١) ١ راجع الشفاء شرحيّ: علي القاري ونسيم الرياض ج٤١ ص٢١٣. ٢ الشفاء ج٤ ص٤٨. ٣ المواهب اللدنية ج١ ص٢٢٠.
[ ٤٠ ]
يقول الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي:
"والنبوة هبة الله لا تنال بالكسب لكن حكمة الله وعلمه قاضيان بأن تمنح للمستعد لها والقادر على حملها: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ومحمد -ﷺ- أعد لأن يحمل الرسالة للعالم أجمع، أحمره وأسوده، إنسه، وجنه، وأعد لأن يحمل رسالة أكمل دين، ولأن يختم به الأنبياء والرسل وليكون شمس الهداية وحده إلى أن تنفطر السماء، وتنكدر النجوم وتبدل الأرض غير الأرض والسموات١.
يقول شيخنا الإمام العارف بالله الدكتور عبد الحليم محمود حول إعداد الأنبياء للرسالة:
"يصطفيهم فيعدهم إعدادا خاصا قبل ميلادهم، يعدهم في أصلاب أجدادهم وآبائهم فيتخير الله ﷿ لهم الأجداد والآباء".
يقول الإمام البوصيري عن رسول الله -ﷺ:
لم تزل في ضمائر الكون تختا
ولك الأمهات والآباء
ويستمر مولانا في شرح هذه الحقيقة فيقول:
يعد سبحانه أوعيتهم -الجدات والأمهات- خَلْقا وخُلُقا، ويعد سبحانه الرسل بعد ميلادهم، وسطا وبيئة.
يعدهم على عينه ولتصنع على عيني
ويصطنعهم لنفسه واصطنعتك لنفسي
_________________
(١) ١ راجع مقدمة كتاب: حياة محمد لهيكل باشا.
[ ٤١ ]
ويقول -ﷺ- عن كل ذلك فيما رواه الإمام مسلم: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
لقد رسم الله ماضيهم البعيد ورسم حاضرهم الذي عاشوه طفولة فشبابا فكهولة فشيخوخة منذ الأزل١.
فضاع بذلك صلف العقل الكلامي الذي اشتط في بحث الاكتساب في طلب النبوة، وبقي للنبوة مكانها الرباني: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ومناقشة العلاقات بين الأنبياء وربهم في مرحلة الإعداد لهم أو الإيحاء إليهم ليست من حق العقل البشري أيما كان ذكاؤه وعلمه؛ لأنها مرحلة ذاتية بين مقامين دونهما مقام العقل حتى ولو كان في سامق قمم الاتزان والفطنة.
لقد نزل الوحي بالنبوة وكانت ﴿اقْرَأْ﴾ إعلانا واضحا للاصطفاء ورجف فؤاده -ﷺ- بها غبطة٢، فقد تم اللقاء والإقبال وارتاحت سريرته لهذا الاصطفاء وتأهب لهذا العمل الجليل، وهو به جد سعيد، لقد فتر الوحي بعد بدء إعلان النبوة ليتشوق النبي الكريم إلى لقائه، بعد أن تستقر غبطته باصطفائه، وذلك تقدير الله لحياة نبيه ثم تتابع الوحي ونزلت مواصفات العمل النبوي تزكيته:
_________________
(١) ١ راجع الإسلام والعقل ص١٠٥، ١٠٦، دار الكتب الحديثة. ٢ راجع المواهب اللدنية ج١ ص٢٢١.
[ ٤٢ ]
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ١.
فأوجز الله فيها تزيكة لحاله، وأساسا لدعوته.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ استمر على ما أعددناك به من الكمال النفسي الفذ الذي هيأناك به للرسالة.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ استمر على ما أودعناكه من السلوك السامي الذي درجت عليه من الصغر وشرحنا لك به صدرك.
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ بلغ دين الله دون النظر إلى متاع دنيوي فقد وجدناك عائلا فأغنيناك.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أساس تبليغ دعوتك هو الصبر على أذى البشر إرضاء لوجه الله، فهل كان ذلك تبليغ مستندا على أسس وقواعد؟
أو كان مستندا فقط على العون الإلهي بالمعجزات؟
نعم، إن كل حركة في الوجود حتى طرفة العين وخلجة النفس تسيرها إرادة الله جل شأنه.
ولكن هل كانت الدعوة الإسلامية في مكة تعمل دون مناهج؟
لقد كانت الدعوة الإسلامية في مكة تعمل في داخل مجتمع بشري له تقاليده وعاداته وأنظمته وتفكيره، فهل واجهت الدعوة الإسلامية هذا المجتمع بقوة المعجزات التي تقهر العقل فقط؟
_________________
(١) ١ الآيات رقم ١-٦ من سورة المدثر.
[ ٤٣ ]
لقد سبقت الدعوة الإسلامية جميع نظريات الإصلاح الاجتماعي في العصر الحديث بما وضعته من مناهج لبناء مجتمع الدعوة الإسلامية.
فقد استخدمت الدعوة:
١- مناهج لإثبات الوحدانية وللعمل مع الجماعة.
٢- ولفن التبليغ ومراحله.
ومعنى هذا أن النبي -ﷺ- لم ينقل دعوة الله ولم يبلغها للناس جزافا ولا اتكالا على عصمته وتأييد الله له فذلك فهم العجزة وهمة القعيد المتواكل ولكنه -ﷺ- نقلها بالأسلوب الفطن الواعي الذي رسم للعمل الإصلاحي في مستقبل الإنسانية كلها قواعد العمل البناء الذي يحترم ظروف جميع الناس ويداوي بالتؤدة والمودة لا بالقسوة والثورة والجبروت، ويود استجابة من صميم القلب لتنساب جوارح الناس استسلاما في تنفيذ أوامر الله وتلك هي مستويات العمل الفاضل لبناء المجتمع الفاضل وذلك ما حققته الدعوة في هذا الدور الجليل.
ويمكن باختصار أن نقول أن الجو الديني قبل الإسلام في الجزيرة العربية ينقسم إلى قسمين رئيسيين:
١- جو منحرف في التوحيد، عنده إسراف بكثرة الآلهة أو منحرف السلوك في العبادة.
[ ٤٤ ]
ويشمل هذا الجو الديانة اليهودية على قلة نفوذها وضعف تأثيرها١، والديانة المسيحية على تعقدها وغموضها وقلة خطرها وضعف جاذبيتها٢ ثم الوثنية بأصنامها ووثنها ونصبها وهي العقيدة العامة الشاملة للشعب العربي.
وهذا الجو فيه إيمان بالله غير أنه إيمان واسع مبذر في معنى إدراكه الألوهية وإيمان منحرف في توجهه بالعبادة إلى الله.
ب- ثم كان هناك جو خافت لبعض الملاحدة الذين يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ وأولئك يمثلون المرض الخبيث وهم حثالة تافهة لا وزن لها في نظر العلم والأخلاق٣.
وقد ذكر في الشفاء أنه على حد هذا المنطق فأولئك القوم لم يكونوا منكرين للخالق، وعبادته.
ولا يلزم من قول بعضهم حيث قالوا:
﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، إن الدهر خالقهم إذ لم يقل به أحد منهم، بل أرادوا به أن طول الزمان ودورة الدوران يقتضي أن يحيا بعضنا ويموت بعضنا فنسبوا بعض الأفعال إلى الدهر٤.
_________________
(١) ١ التاريخ الإسلامي العام دكتور علي إبراهيم حسن ص١٥٧. ٢ حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، عباس العقاد، دار القلم، ط ثالثة، ص٥٢، ٥٣. راجع تاريخ الإسلام، دكتور حسن إبراهيم حسن، سنة ١٩٦١، ص٥٧٤، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج١ ص١، ٢، راجع الشفاء ج٣ ص٢٩٩، ٣٠٠، شرح نسيم الرياض. ٣ الإسلام والإيمان ص٢١٤. ٤ شرح على القاري ج٣ ص٢٩٩.
[ ٤٥ ]
ويرشح لهذا أن هذا الاتجاه لم يرد تصويره في القرآن الكريم كله إلا مرتين في سورة: "المؤمنون" آية رقم ٣٧، وفي سورة الجاثية١ آية رقم ٢٤ وهذا مما يقوي وجهة النظر القائلة بأن هؤلاء حثالة ليس لها قيمة في المجتمع، أو أنه رأي فطري لجماعة تخاف البعث لسوء الحساب، وهم مع عدم إنكارهم الخالق ينكرون البعث.
جاءت الدعوة الإسلامية إذن وهناك جو مسرف في توحيد الله ضل أصحابه طريق العبادة الصحيحة.
وهناك حفنة تافهة وحثالة متعفنة من المنحرفين عن الفطرة، فقدمت الدعوة الإسلامية لهؤلاء جميعا منهجا ليصلوا إلى الحق في التوحيد ولينزهوا الله جل شأنه عن كل ما سواه مما يشركونه مع جلاله ﷾ هذا المنهج صالح للنوع الواحد بكل خطواته، وخطوة منه صالحة لنوع واحد من البشر.
ذلك لأن القرآن يبني الإنسان من جميع نواحيه النفسية والعقلية والخلقية فهو يخاطبه بكل ما يؤسس فيه عوامل الخير:
يخاطبه نفسيا ووجدانيا.
يخاطبه عقليا وذهنيا.
ويخاطبه عاطفيا إن بالترغيب أو بالتهديد٢.
_________________
(١) ١ راجع معجم الألفاظ والأعلام القرآنية للأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم ج٢ ص٢١٤ ط ثانية ١٩٦٩ المعجم المفهرس للمرحوم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ص٢٦٤، ٢٧٨. ٢ راجع حول هذا الحياة الوجدانية والعقيدة الدينية دكتور محمود حب الله ص٢٨٧.
[ ٤٦ ]
لهذا قام المنهج القرآني على أربعة مراحل، قد تصلح كلها لنوع واحد من الناس وقد تصلح مرحلة واحدة منها لنوع وأخرى لنوع آخر.
وهذه المراحل هي:
أولا: تصوير العقيدة العربية قبل الإسلام.
ثانيا: دعوة المعاندين إلى التجرد من المواريث الثقافية التي تبعدهم عن التفكير السليم في التوصل إلى الحقيقة.
ثالثا: دعوة المعاندين للتفكير بالمشاهدة في آثار قدرة الله جل شأنه وتعريفهم طريقة استخدام هذا المنهج.
رابعا: بعث الوجدان الفطري بالترغيب أو بالترهيب.
تلك هي المراحل الأربع التي رسم بها القرآن الكريم المنهج لمعاندي الدعوة الإسلامية في عهدها المكي وبيانها كالآتي:
[ ٤٧ ]