في مكة المكرمة كانت ظاهرة اشتراك القيادة التي أعدها ورباها سيدنا رسول الله -ﷺ- قوية الدلالة على منهجيتها في العمل للدعوة.
فسيدنا أبو بكر ﵁ يدعو إلى الإسلام كل من يتوسم فيه خيرا ويعرف عنه صلاحا من أمره، لقد كرس جهده الكريم لنشر الدعوة الإسلامية، وقاد أصدقاءه إلى مركز الإرشاد إلى سيدنا رسول الله -ﷺ- ليعلمهم الإسلام، ويتلو عليهم القرآن، ويمنحهم من فيوضات النبوة قبسا ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.
وكان النجاح حليف سيدنا أبي بكر ﵁، فقد أسلم بدعايته عثمان بن عفان.
[ ٣٠٤ ]
والزبير بن العوام.
وسعد بن أبي وقاص١.
وكان يتحمل مؤنة الضيوف الذين يفدون على رسول الله -ﷺ- فقد كانت له ضيافات لا يفعلها أحد، وعندما سمع قصة أبي ذر الغفاري، وأنه بات عديدا من الأيام يعيش على ماء زمزم استأذن رسول الله -ﷺ- في أن يستضيفه عنده. يقول في الحلبية:
"إن أبا بكر قال يا رسول الله ائذن لي في إطعامه الليلة، قال أبو ذر: فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أول طعام أكلته"٢.
قال الطبري في تاريخه:
"ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة الصديق، فلما أسلم أظهر إسلامه ودعا إلى الله ﷿ وإلى رسوله، قال: وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما كان فيهم من خير أو شر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه، وتجاربه، وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه وجلس إليه فأسلم على يديه
_________________
(١) ١ راجع السيرة لابن هشام ج١ ص٢٥٠، ٢٥١، الحلبية ج١ ص٣١٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٥٥٩. ٢ الحلبية ج١ ص٣٠٩، ٣١٦، دلائل البيهقي ج١ ص٤٥٧، محمد رسول الله أتين دينه ١١٧.
[ ٣٠٥ ]
فيما بلغني عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله -ﷺ- حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلوا وصدقوا برسول الله -ﷺ"١.
ولقد كانت أعمال أبي بكر رضي الله تعالى عنه للدعوة الإسلامية أبعد من نشرها بالموعظة والحكمة والبيان والشرح، وأبعد من إيواء الضيوف فقد تجاوزت أريحيته الكريمة هذه الحدود، فوظف ثروته لشراء العبيد الذين ارتفعوا بقلوبهم المؤمنة على مستوى أسيادهم الأحرار الذين غاظهم هذا السمو العقلي، والروحي في إيمان عبيدهم، فراحوا يسمونهم العذاب ألوانا وأشكالا.
يقول ابن هشام:
"ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم،
عامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وأم عيسى، ولبيبة جارية بني مؤمل المؤملية، وزنيرة".
وذكر في شرح المواهب اللدنية أنه أعتق:
أبا فكيهة، وأم بلال٢.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج١ ص٣١٧، راجع المواهب اللدنية ج١ ص٣٤٥، ٣٤٦، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤١٨، راجع الدرر ص٤٠، ٤١. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣١٧ ٣١٧، المواهب ج١ ص٢٦٦-٢٦٩، الحلبية ج١ ص٣٣٦، الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٦-٧٠، الدرر ص٥٤٧، المحبر ص١٨٣، ١٨٤، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٩٣.
[ ٣٠٦ ]
وتستمر هذه الأريحية القائدة تعمل للدعوة بذكائها وجاهها ومالها، فأبو بكر رضي الله تعالى عنه هو الذي اشترى راحلة السفر لهجرة رسول الله -ﷺ- ودفع ثمن أرض المسجد الأول الذي أسس على التقوى من أول يوم في المدينة المنورة.
ويوم تبوك تبرع بكل ما يملكه وما ترك لأولاده إلا الله ورسوله. قال فيه النبي -ﷺ:
"إن أَمنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر" ١.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٨ ص١٣، الفتح الكبير ج١ ص٣٧٥.
[ ٣٠٧ ]