ولما أسلم أبو ذر الغفاري قال له النبي -ﷺ:
"اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك، فأخبرهم يأتوني، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل" ١.
يقول البيهقي:
فقال رسول الله -ﷺ:
"إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله أن ينفعهم بك وبأجرك فيهم؟ ".
فانطلق أبو ذر بهذه الشحنة من التوجيه النبوي يدعو إلى الله.
قال البيهقي يحكي جهاده وتنفيذه لما أمر به النبي -ﷺ:
فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا فقال لي: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت، قال: فما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت قال: ثم احتملنا حتى أتينا قومنا غفار، فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله -ﷺالمدينة وكان يؤمهم خفاف بن أيما بن رحضة الغفاري، قال: وكان سيدهم يومئذ، وقال بقيتهم إذا قدم رسول الله -ﷺ- المدينة فأسلم بقيتهم.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣١٦.
[ ٣٠٩ ]
وجاءت أسلم، فقالت: يا رسول الله أخواننا، نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلمنا، فقال رسول الله -ﷺ: "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله" ١.
هكذا تبدو أهمية نشر القيادة في أنحاء الجزيرة العربية وتبدو أهمية مساهمتها في العمل للدعوة الإسلامية فقد خفف الطفيل بن عمرو الدوسي وأبو ذر الغفاري عن مركز الإرشاد في مكة أعباء ثقل العمل في تلك الديار وكانوا رصيدا بشريا محترما عندما هاجر الرسول -ﷺ- إلى المدينة فكانوا بذور شجر يترعرع في سرعة، وينمو بقوة في ظلال النبوة الكريمة عندما أذن الله لرسوله -ﷺ- بالهجرة ليستبدل منهجا جديدا بعد أن وضعت لبنة البناء العظيم للأمة الإسلامية في مكة المكرمة.
وهكذا يبدأ التبليغ بإعداد القيادة في مدة أعوام ثلاثة من العمل السري للدعوة، ويتم فيها عليا تواؤم الدعوة مع الطبيعة الإنسانية فلا يبقى لمعترض تعلة فقد آمن بيت الرسول -ﷺ- جميعا.
وآمن صديقه أبو بكر، وغلامه زيد، والمنتظرون لبعثته الشريفة منذ زمن، مثل: ورقة، وبحيرا، ونسطيرا، وعلماء النصارى،
_________________
(١) ١ راجع دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٥٧-٤٥٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٤٧-٤٥١، صحيح مسلم باب في فضائل أبي ذر ﵁ ج١٩١٩ فتح الباري ج٨ ص١٧٤، ١٧٥، الحلبية ج١ ص٣١٦-٣١٧.
[ ٣١٠ ]
فلم يبق لواحد من بعد ذلك شبهة اعتراض لو كان ما يدعو إليه محمد حقا لكان أولى الناس به زوجه وغلام بيته وصديقه١.
أما وقد آمن هؤلاء جميعا وآمن معهم خلق آخر بدعوتهم إياهم، فقد انسد باب الافتراض والتعلة وأغلق كل ثقب شيطاني للالتواءات الإبليسية التي يتذرع بها المطمسون عن نور الحقيقة المحجوبون عن خيرات الإسلام، وبات الحق واضحا يدلل على وضوحه وصدقه إيمان السيدة خديجة منذ اللحظة الأولى، وإيمان ورقة منذ أن علم بالوحي إلى رسول الله -ﷺ- وإيمان الصديق ساعة أن دعى دون كبوة أو تردد، وإيمان علي دون مشورة أبي طالب، وإيمان زيد بن حارثة دون بحث أو نظر، وإيمان الطفيل رغم الدسيسة وإيمان أبي ذر وتحديه لمجتمع مكة.
وبذلك فقد اكتمل للدعوة في كل موطن قيادة تعمل وتجاهد في سبيل نشر الإسلام الحنيف وهي تثق في لحظة الظهور التي وعدهم بها رسول الله -ﷺ.
ومن هنا فقد حان للدعوة بعد هذا أن تأخذ طريقها للانطلاق والظهور، فأذن الله جل شأنه لنبيه أن يصدع بما يوحي إليه، فابتداء الركب النوراني يأخذ مراحله الثلاثة:
لعشيرته الأقربين.
للعرب.
للعالمين جميعا.
_________________
(١) ١ راجع فقه السيرة ص٩٩ محمد رسول الله -ﷺ- اثين دينه ص١١٧.
[ ٣١١ ]
فتسلسلت مراحل التبليغ؛ لتكون كل واحدة منها كالتمهيد، التقديم لما بعدها أخذا بالتدرج الذي انتهجته الدعوة في كل عمل تشريعي يبني ويهذب ويعلم.
وما أحوج الدعوة الإسلامية هنا في جنوب شرقي آسيا إلى مثل هذه القيادة؛ لتحد من الإسراف في عبادة الأصنام التي ما زالت تشكل جاهلية كاملة في مفهوم العقيدة حيث تكثر وتتعدد دور عبادة الأصنام للهنود والصينيين والسيلانيين وينفق على بنائها مال كثير١، إن الأصوات التي تعلو هنا بإنشاء دولة إسلامية لما تعرف بعد، إن أول خطوة يجب أن تتخذ هي إنهاء سلطة الأصنام وتنزيه عبادة الله جل شأنه من هذا الشرك التافه الذي لا يتفق مع كرامة الإنسان ووظيفته ولا يتلائم مع منطق العقل ومشاعر الوجدان.
ولو أن الدراسات التي تجري هنا في جنوب شرقي آسيا تعتمد على طبيعة منهج الدعوة الإسلامية لاتخذت سياسة إعداد القيادة أسلوبا جديا لمناهضة الأصنام التي تملأ الشوارع والحقول، وتفسد على الناس علاقتهم بالله الحق الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء قدير.
إن مرحلة بناء القيادة جزء أساسي في منهج العمل مع الجماعة لنشر الدعوة، وهو في نفس الوقت مرحلة أساسية لتبليغ الدعوة قبل الجهر بها حتى تجد الفكرة لها أنصارا يحمونها، ويدافعون عنها، ويضحون
_________________
(١) ١ وافتنا وزارة التعمير والإنشاء بإحصائية سرية عن قيمة المبالغ التي تنفق على بيوت الأصنام، ولولا أنها سرية لنشرتها.
[ ٣١٢ ]
من أجلها فيضمن لها بذلك قاعدة في داخل المجتمع تعمل لها، وتدعو إليها، وتخفف عن الداعية الرائد كثيرا من الأعباء.
وأن ذلك لمن أحوج ما تحتاج إليه الدعوة في العصر الحديث. قيادة تؤمن في صدق وإخلاص بأن الله غايتها، والرسول زعيمها، والقرآن الكريم وحده هو دستورها، والجهاد الخالص لوجه الله سبيلها، والموت في سبيل الله أسمى أمانيها، وإذا وجدت تلك القيادة فيومها يبدأ الطريق إلى تحقيق رسالة الإسلام التي تتركز في قوله تعال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٩ من سورة محمد.
[ ٣١٣ ]