ومن الخير أن أجلي موقفي من محاولة تحديد مفهوم الدعوة الإسلامية أنه ليس مسلكا تقليديا لما هو معروف عند المشتغلين بالدراسات المنطقية المتأثرين باستخدام الجنس والفصل. إن في حدودهم التامة أو رسومهم في التعاريف الخاصة بأبحاثهم وعلومهم.
ليس ذلك مسلكي، ولن يكون أبدا، فإنه لا يليق بذاتية الدعوة الإسلامية أن يتواضع فكر الباحث فيها وهو تحت ظلالها لتفترض من أفكار غير قرآنية أجناسا وفصولا يصنع به للدعوة الإسلامية حدودا أو رسوما توضح مفهومها.
ذلك لأن القضية من وجهة نظري: أن الاشتغال بالدعوة الإسلامية حتى في جانبها الفكري، ينبغي أن يكون بعيدا عن التبعية لاتجاهات
[ ٢٤ ]
أجنبية غريبة عن بيئة القرآن الكريم، بعيدة عن المنهج النبوي الكريم، ناشزة عن مقياس ومقومات الروح الإسلامية السليمة.
وإنه في رأيي؛ لمن الوهن في العقيدة أن يرجع في أبحاث إسلامية لا سيما في الدعوة الإسلامية إلى كتاب أو مرجع غير دستورها الأصيل الخالد: "القرآن الكريم، والسنة المطهرة". وما منطق اليونان الذي استعمر الفكر الإسلامي منذ تعريبه وشغف الناس به إلا فساد للفكر الإسلامي، قد أفسد علينا كثيرا من قضايا الفقه والأصول، حتى صارت صناعة التعريف أولى من تحصيل الأحكام وتطبيقها وصارت دراية ذلك أساسا لتقويم العالم، وميزانا لكتابته في تلك الفنون.
وما منطق اليونان على شهرته الممتدة إلا عبث، وانحراف عن الطريق السواء.
إن شأنه في ذلك شأن الفلسفة العقلية التي تبحث في الغيب، فتهوى في جهل سحيق.
وأشهر من تولى كبر هذا المنطق إنما هو "أرسطو" الذي يعتبره بعض المؤرخين أكبر عقلية فلسفية ظهرت على وجه التاريخ، وهو أيضا أشهر الذين انهار مذهبهم في عالم ما وراء الطبيعة، وكان إخفاق عقله هذا فيما يختص بمعرفة الغيب من أوضح الأدلة على أن عالم الغيب أسمى من أن يتناوله العقل البشري الخطاء١.
_________________
(١) ١ المنقذ من الضلال ص٥٨ تحقيق فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود، راجع كذلك ص١٤٥ وما قبلها من كتاب "التفكير الفلسفي في الإسلام".
[ ٢٥ ]
والدعوة الإسلامية مصدرها ما وراء الطبيعة أنها من وحي الله المعصوم إلى نبيه الخاتم المعصوم فهي لهذا أسمى وأجل.
هي بهذا أرفع وأقدس من المنطق البشري الخطاء على أن تلاميذ أرسطو لم يعجبوا بمنطق شيخهم، ويقول الأستاذ "سانت لانا" بعد أن ذكر الاعتراضات على مذهب أرسطو:
"إن ذلك حمل التلامذة من بعد موته على الإياس من الإلهيات، والتفرغ إلى علم الطبيعة وعلم الأخلاق، اختصوا بهما في القرن الثالث قبل الميلاد، حتى لقنوا بالطبيعيين"١.
فكيف يرضينا نحن الشباب المسلم بله الشبب من علماء الأزهر الشريف أن نأخذ من هذا العبث أجناسا وفصولا مخترعة من العقل البشري الناقص الخطاء لتكون تحديدا لمفهوم دعوة ربانية أساسها الوحي المعصوم؟
على أن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- لم يرتض هذا المنطق من قبل كآلة الفكر الإسلامي، فيقول:
"وربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيدة بمثل تلك البراهين، فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية، فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه"٢.
_________________
(١) ١ المنقذ من الضلال، ص٥٩. ٢ المنقذ من الضلال ص١٠٣.
[ ٢٦ ]
والإمام الشافعي -رضي الله تعالى عنه- يرفض المنطق اليوناني كمادة ثقافية للعقلية الإسلامية، فيقول:
"ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسططاليس"١.
والترتيب الذي صنعه أرسطو بالمنطق كان منسجما مع لغة اليونان التي تحتاج في مجال البرهان بألفاظها إلى منسق.
أما العربية ففيها من القواعد، وأساليب الشرط والجزاء وأدوات الترتيب والعطف والبيان والتمييز والأخبار ما يحكم الربط بين أجزائها، يحكم الربط في جرس موسيقي سليم، ويحكم الربط في التئام المعنى مؤديا غايته مثمرا نتائجه في صورة أبهى وأدق وأحكم من مقدمات أرسطو التي قد تكون كاذبة المضمون، والتي لا تفي بذاتها -ولو كانت صادقة- بالمقاصد الدينية على حد ما ذهب إليه الإمام الغزالي:
"أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة".
"لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل"٢.
فهل بعد هذا يلج داعية مسلم بابا من كتب هؤلاء القوم، سواء في مجال التقعيد الثقافي لفكرة الدعوة أو في مجالها التطبيقي؟
_________________
(١) ١ الإسلام والعقل ص٣٨ وما بعدها. ٢ المنقذ من الضلال ص١٠٣.
[ ٢٧ ]
فلا مفر إذن من الالتزام بالمنطق الإسلامي للحفاظ على ذاتية الدعوة الإسلامية بالعود إلى مصادرها الربانية التي عصمها الله ﵎.
ومن أوليات هذا الالتزام للتجرد من التبعية مطلقا، تجردا من التبعية في:
- الفكر.
- وفي المنهج.
- وفي القصد.
هذا التجرد يجب أن يكون مخلصا وخالصا لوجه الله وفاء لدينه الحنيف وامتثالا لشريعته الغراء.
يروي الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه- بإسناد صحيح عن سيدنا جابر -رضي الله تعالى عنه- أن سيدنا عمر بن الخطاب أتى النبي -ﷺ- بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي -ﷺ- قال: فغضب، وقال:
"أتتهوكون فيها يابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني".
ثم يقوم النبي -ﷺ- خطيبا ليحدد معالم التثقيف للفرد المسلم ومصادر تعليمه فيقول:
[ ٢٨ ]
"يا أيها الناس! إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارا وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكون ولا يغرنكم المتهوكون".
ثم أمر -ﷺ- بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا.
وتتكرر الحادثة ويتكرر نصح النبي -ﷺ- فيتضح أن الاستقلال بالدستورية الإسلامية في التفكير والتثقيف أمر واجب.
يروى أن جريرا قال: جاء أناس من المسلمين بكتب كتبوا فيها ما سمعوه من اليهود، فقال النبي -ﷺ: "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم، إلى ما جاء به غيره" ١.
فجعل ﵊ مجرد الميل إلى وحي آخر لنبي آخر يعتبر ضلالة في العرف الإسلامي فكيف بالجنوح إلى خارج دائرة الوحي الإلهي؟ كيف بالجنوح إلى دائرة الفكر البشري؟ كيف بالجنوح إلى منطق أرسطو الذي ما قدر لله حق قدره؟
وتتكرر الحادثة مرة أخرى -ثالثة- ويتكرر معها نصح النبي ﵊ فتتضح شرعية وجوب الاستقلال بالدستورية
_________________
(١) ١ الإسلام والإيمان ص١٨-٢١ راجع مسند الإمام أحمد ج٣ ص٣٨٧ مسند جابر.
[ ٢٩ ]
الإسلامية في التفكير والبحث، فعن الإمام الزهري -﵁- أن حفصة -رضي الله تعالى عنها- جاءت إلى النبي -ﷺ- بكتاب من قصص يوسف في كشف، فجعلت تقرؤه، والنبي -ﷺ- يتلون وجهه، ثم أعاد عليها ما سبق أن قال للآخرين، وهو:
"والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني ضللتم، وأنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم" ١.
ويستقر الأمر على هذا، على أن الذاتية الإسلامية في البحث منهج واجب.
فقد مر الصحابة يوما على جماعة من اليهود، وهم يتلون التوراة، فتخشع المسلمون فعاتبهم رسول الله -ﷺ- وتلا: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
"ج" مع الأستاذ البهي الخولي:
ولقد أحسن بهذا المنهاج الأستاذ البهي الخولي فعرف الدعوة الإسلامية تعريفا بعيدا عن دائرة المنطق البشري، ومهد لذلك بقوله: "فما هي الدعوة مجردة عن التعريف الفني والحد الاصطلاحي؟ ".
_________________
(١) ١ المرجع السابق، ورواية الفتح الكبير: "لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم أنا حظكم من النبيين وأنتم حظي من الأمم" ج٣ ص٤٩. راجع رواية الإمام أحمد ج٣ ص٣٣٨. ٢ الآية رقم ٥١ من سورة العنكبوت.
[ ٣٠ ]
فقد أدرك ببصيرة المسلم أن الدعوة الإسلامية، بتركيبها لا تنسجم ولا ينبغي أن تنسجم مع قيود المنطق واحترازاته فأطلقها من هذا العقال لأنها ربانية في وجهتها ومنهاجها.
إنها ربانية في كل شيء يتصل بها والمنطق الأرسطي بشرى في كل شيء.
ولهذا فقد عرفها الأستاذ البهي الخولي بتعريف خاص بعيد عن قيود المنطق فقال:
"هي نقل الأمة من محيط إلى محيط"١.
ثم يعلل ذلك بقوله:
"ومن ظنها غير ذلك فقد جهل نفسه ورسالته"٢.
إن الذاتية الإسلامية هي الموقف الطبيعي الذي يجب أن يمارسه وأن يلتزمه المسلم العادي بله الداعية ولعل في الحديث الشريف: "رضيت بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبسيدنا محمد -ﷺ- نبيا ورسولا" ٣.
ما يلزم المسلم باتباع هذه الذاتية، اتباعا في التفكير، وفي السلوك، وفي المشاعر، وفي البحث، ويزكي هذا الاتجاه قول الرسول -ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين" ٤.
_________________
(١) ١ تذكرة الدعاء ص٣٠ الأستاذ البهي الخولي. ٢ تذكرة الدعاء ص٣٠، ٣١. ٣ في رواية أبي داود: "من قال إذا أصبح، وإذا أمسى: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد -ﷺ- نبيا ورسولا، إلا كان حقا على الله أن يرضيه". ٤ أخرجه البخاري ومسلم.
[ ٣١ ]