﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١.
إنها أول ما نزل على الإطلاق تبدأ باسم الله. وتوجه الرسول -ﷺ- أول ما توجهه في بعثه رسولا يبلغ دعوة الله التي اختير لها، وتوجهه وقد اتثقت بالوحي صلته بالملأ الأعلى، توجهه إلى أن يقرأ باسم ربه، فهو مصدر الخير كله والكمال كله ولا تتحقق للإنسان ذاتيته البشرية المعتدلة إلا إذا كان فعله وعمله من عند ربه وابتغاء وجه ربه، فيتحول بذلك خط التاريخ كله تحولا ما وقع قط، ولن يقع مثله فيما بعد أبدا.
وكان ﴿اقْرَأْ﴾ مفرق الطريق بين علم الضلالة الجاهلية ولو كانت في أرقى حضارات المادية وبين علم الربوبية، فإن فيه النقلة البعيدة من الظلام إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الشك إلى اليقين، فإن مصدر التعليم الرباني هو الله ﷻ، منه يستمد الإنسان كل ما يعلم وكل ما يفتح به من أسرار هذا الوجود، وأسرار نفسه وأسرار الحياة التي يعيشها.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١-٥ من سورة العلق.
[ ٢٧٧ ]
من ذلك المصدر الوحيد باسم ربك يتلقى البشر علمهم في أول لقاء مشهود بين الوحي والرسول النبي؛ ليبدأ في تعليم البشر إياها.
ولقد كانت هذه الحقيقة التي تلقاها قلب الرسول النبي -ﷺ- في اللحظة الأولى المشهودة هي التي ظلت تصرف شعوره ولسانه وعمله واتجاهاته طول حياته بوصفها قاعدة الإيمان الأولى:
﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وقد عرف العلماء السابقون هذه الحقيقة، أن الرسول النبي الذي سيحمل العلم الرباني إلى البشرية كلها هو المنعوت في كتبهم بسمات خاصة.
وقد نطق بالرسالة من قبل مجيئها راهب في الطريق هو "جرجيس": بحيرا مترهب نصراني على ما يرويه صاحب التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول -ﷺ:
فجاء الراهب وهم يحملون رحالهم فصار يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي -ﷺ- وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول الله رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين١.
_________________
(١) ١ التاج ج٣ ص٢٤٧.
[ ٢٧٨ ]
وتتكرر المقالة من راهب آخر هو "نسطورا" على ما رواه صاحب السيرة الحلبية:
فدنا إلى النبي -ﷺ- سرا من ميسرة، وقبل رأسه وقدمه وقال:
آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكره الله في التوراة، ثم قال: يا محمد! قد عرفت فيك العلامات كلها خلا خصلة واحدة وأوضح لي عن كتفك، فأوضح له فإذا هو بخاتم النبوة يتلألأ فأقبل عليه يقبله ويقول:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى بن مريم١.
وقد نطق بتلك الوحدة بين الرسالة والنبوة "ورقة بن نوفل" وهو عالم جليل، في الأديان قال في الحلبية:
فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فإني أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، فإنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك، ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك٢.
والروايات في كتب السنة والسيرة تفيد أن الحجر كان يلقي السلام على رسول الله -ﷺ- قبل البعثة بصفة الرسالة.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص١٥٨. ٢ الحلبية ج١ ص٢٨٠.
[ ٢٧٩ ]
قال في التاج:
وقال علي رضي الله تعالى عنه: كنت مع النبي -ﷺ- بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول:
السلام عليك يا رسول الله.
وابن هشام يؤكد هذه الرواية في سيرته، يقول:
كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر رسول الله -ﷺ- بحجر ولا شجر إلا قال:
السلام عليك يا رسول الله.
قال ابن كثير في سيرته:
قال: "فرفعت رأسي إلى السماء، فأنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول الله وأنا جبريل، فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي، وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها
_________________
(١) ١ التاج ج٣ ص٢٤٩. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٣٤، راجع الوفا ج١ ص١٦١.
[ ٢٨٠ ]
فقالت: يا أبا القاسم! أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ؟ ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة"١.
لقد كان مفهوم النبوة والرسالة متحدا في الماصدق، متحدا في الوظيفة التي بعث من أجلها خير المرسلين وخاتم النبيين؛ لأن العقل في هذه المرحلة كان يتلقى معلوماته من ثقافته العربية التي ليس فيها هرأ المنطق الأرسطي.
ويؤكد وحدة الرسالة والنبوة مفهوما وماصدقا ما رواه الإمام مسلم ﵁ في باب إسلام عمرو بن عبسة، وهو يسأل النبي -ﷺ- عن معنى النبي، فقال له رسول الله ونص الفقرة من الحديث الشريف.
فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: "نبي"، فقلت: وما نبي؟ قال: "أرسلني الله"، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء"، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حر وعبد"، فقلت: إني متبعك٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٠٣، ٤٠٤. ٢ مسلم ج١ ص٥٦٩ حديث رقم ٨٣٢، راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٤٢، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٢١.
[ ٢٨١ ]
وما دام الاستعمال قديما قد جرى على اتحاد النبوة والرسالة في الماصدق والمفهوم وصح عن سيدنا رسول الله -ﷺ- تفسيره كلمة "نبي" بمعنى "رسول"، فلماذا جنح العلماء إلى المفارقة بينهما؟
ليجنح علماء الكلام١ إلى التفرقة بين الرسول والنبي بعموم وخصوص مطلق، فإنهم قد جهلوا بترك لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطو.
ولكن لماذ يجنح إلى هذه التفرقة علماء السيرة؟
لقد قال في السيرة الحلبية:
يا ليتني فيها جذعا، أي يا ليتني في زمن الدعوة إلى الله، أي إظهارها الذي جاء به بناء على تأخر الدعوى التي هي الرسالة عن النبوة٢.
وهو تفسير مراعي الحد المنطقي ولهذا أعاد الضمير في كلمة "فيها" إلى الدعوة ولو أنه أعاده على ما يفهم من السياق وهي المعارك التي ستدور بين النبي -ﷺ- وبين الكفار، والتي يتمناها ورقة لينصر الله نصرا مؤزرا، "لكان أجود وأفضل واللغة تجريه والقرآن نفسه يسمح به في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاء﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أصول الدين أبو اليسر البزدوي ص٢٢٢، كتاب الفقه الأكبر ص٥٨. ٢ الحلبية ج١ ص٢٧٧، ٢٩٨. ٣ تفسير الطبري ج٢٣ ص١٥٥، روح المعاني ج٢٣ ص١١٢، الخازن والبغوي ج٦ ص٥٥، راجع شذور الذهب ص٣٢ تحقيق الشيخ محيي الدين.
[ ٢٨٢ ]
وكذلك في المواهب اللدنية يجعل الرسالة متأخرة على النبوة، فيقول: نبوته ﵊ كانت متقدمة على إرساله؛ لأن نزول ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إنما كان بعد النبوة١.
وكان يمكن التسليم بهذا التفسير لو افتتحت السورة بيا أيها النبي قم فأنذر، لكنها لم تفتتح بذلك بل بـ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ .
والمدثر هو صاحب الرسالة التي يؤمر بتليغها بقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ويدل على ترجيح هذا التفسير أسلوب صاحب المواهب وشارحها، وهو يرى مقالة ورقة، يقول:
إنه -أي ورقة- قال: أبشر فأنا أشهد -أقر وأذعن- أنك الرسول الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل تأكيد زيادة في تطمينه، وأنك ستؤمر بالجهاد -علم ذلك من الكتب القديمة لتبحره في علم النصرانية- وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك. وفي آخر هذا الحديث: فلما توفي، قال -ﷺ: "لقد رأيت القيس في الجنة عليه ثياب الحرير؛ لأنه آمن بي وصدقني"، فهذا تصريح منه بتصديقه برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم٢.
ولكن الذي يؤسف أن الشارح يستدرك على هذا الشرح الطبيعي المتسق مع الذاتية الإسلامية بقوله:
لكن يجوز أنه قاله قبل الرسالة لعلمه بالقرائن٣.
_________________
(١) ١ المواهب اللدنية ج١ ص٢٣٧. ٢ المواهب ج١ ص٢٤٢. ٣ المواهب ج١ ص٢٤٢، ٢٤٣.
[ ٢٨٣ ]
وهل القرائن التي كانت مصدر شهادة ورقة لديها تفرقة بين النبي والرسول؟ مع العلم بأن التفرقة حديثة لما دخل لسان أرسطو في لغة العرب فأفسد منطق المسلمين١.
ولقد عقد القاضي عياض ﵁ في كتاب الشفا فصلا عن النبوة والرسالة، وذكر اختلاف العلماء التقليدي في حقيقة النبي والرسول٢، وسار فيه على النمط الذي سلكه علماء الكلام مع أنه قد ذكر في جملة عابرة له معنى لطيفا لو سار عليه في توضيح مفهوم النبوة والرسالة، لكان أقرب للذاتية الإسلامية؛ لأنه يفيد الوحدة بين الرسالة والنبوة، وكان أبعد عن لسان أرسطو الذي جهل الناس به.
قال القاضي عياض:
وحط الله عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم.
ففي العبارة توضيح لمصدر الإرسال ولوظيفته.
فالنبوة تأخذ عن الله الوحي.
والرسالة تبلغ الناس ما جاءهم من عند الله.
وكذلك هو اتحاد الماصدق والمفهوم من حيث التبليغ، إذ هو يحتاج إلى مصدر يأخذ عنه وجهة ينقل إليها، وذلك هو ما يفهم من تفسير النبي -ﷺ- "نبي" بمعنى "رسول" في حديث
_________________
(١) ١ الإسلام والعقل ص٤٣، ٤٨. ٢ الشفا ج٢ ص٤٥١، ٤٥٤، ج١ ص١٤٦، ٣١٧.
[ ٢٨٤ ]
إسلام عمرو بن عبسة الذي رواه مسلم، وعلى هذا فقد كانت ﴿اقْرَأْ﴾ و﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ حقيقتان لمصدر الوحي والجهة التي سينقل إليها.
فالنبوة اصطفاء من عند الله.
والرسالة نقل ما أوحي إلى الناس.
وكلاهما كالنور وشعاعه.
وكلاهما في الجسد الواحد كاليد اليمنى واليد اليسرى تعطي وتأخذ.
وما جهل الناس بالاختلاف في حقيقة النبوة والرسالة إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطو١.
لقد قال الحجر له قبل البعثة:
السلام عليك يا رسول الله.
وقال الراهب.
أشهد أنك رسول الله.
وقال له ورقة:
أشهد أنك نبي مرسل٢.
_________________
(١) ١ الإسلام والعقل ص٣٤، ٤٨. ٢ راجع الوفا ج١ ص١٦١، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٠٣، السيرة لابن هشام ج١ ص٢٣٤، المواهب ج١ ص٢١٩.
[ ٢٨٥ ]
وقال له جبريل:
يا محمد أنت رسول وأنا جبريل.
وقالت خديجة ﵂:
والله إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
والإضافة إلى الأمة فيها معنى الرسالة.
وقال هو -ﷺ- نبي يعني رسول الله.
فدل ذلك على أن الرسالة والنبوة متحدان في الماصدق. وليس من المعقول أن يكون هناك نبي غير رسول. فمهمة الأنبياء هي توحيد الله الذي يتعلق به الإرسال والبعث.
وقد ذكر في شرح الشفا١ أدلة القائلين بهذه الوحدة ومنها:
واستدلوا على تساويهما بقوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ .
لأنه علق فعل الإرسال بهما فإذا أرسل النبي لزم أن يكون الرسول نبيا والنبي رسولا، وإليه أشار بقوله: فقد ثبت لهما معا الإرسال.
وقد جرى الاستعمال القرآني في مكة والمدينة المنورة على هذا الأساس،
فجميع الأحكام الشرعية التي هي من سمات الرسالة فيما يدعيه علماء الكلام مبتدأ بنداء رخى كريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ .
_________________
(١) ١ الشفا شرح نسيم الرياض ج٢ ص٤٥٣.
[ ٢٨٦ ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ ٣.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ ٤.
فلو كان اصطلاح الرسول مرادا هنا لخاطبه بـ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ . إنها أحكام شرعية.
كذلك في مكة أول البعثة نزل عليه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ٥.
وإذن فالنبي رسول والرسول نبي وقد بدأت الرسالة بالاصطفاء وأعد النبي -ﷺ- بمنهج تربوي خاص بالتكاليف ربانية خاصة قبل أن يبدأ دعوته وذلك هو طبيعة المنهج القرآني؛ أن يمهد ويخطو وئيدا ويتحرك متئدا؛ لأنه يربي ويبني ويرفق ويحنو، فلا يأخذ الناس جزافا، ولا يأتيهم بغتة، ولا يتصرف معهم على عجل، ولله در الشاعر:
داويت متئدا وداووا طفرة وأخف من بعض الدواء الداء
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١ من سورة الأحزاب "مدنية". ٢ الآية رقم ١ من سورة الطلاق "مدنية". ٣ الآية رقم ١ من سور التحريم "مدنية". ٤ من الآية رقم ٦١ من سورة التوبة "مدنية". ٥ الآية رقم ١٥ من سورة المزمل "مكية".
[ ٢٨٧ ]
لقد كانت رسالة النبي محمد -ﷺ- هي نبوته، وكانت نبوة رسول الله -ﷺ- هي رسالته فهو خاتم الأنبياء وهو خاتم المرسلين، وكل نبي كذلك هو رسول ونبي ذاتا ووظيفة.
وبهذا الفهم نكون قد أبرزنا ذاتية المفهوم للنبوة والرسالة في الجو الإسلامي، وأغلقنا به شرا مستطيرا على من يدعي النبوة فيما بعد من أمثال الفئة الضالة من القاديانية وأشباهها.
واتقينا فتنة التفاضل بين النبوة والرسالة١. واسترحنا من خزعبلات العموم والخصوص.
وأوصدنا باب البحث عن صفة الذين آمنوا بالنبي -ﷺ- قبل أن يبدأ في تبليغ الدعوة٢، فقد انتقل حالهم إلى الله جل شأنه، وهو وحده صاحب الملك والتصريف، والبحث في هذه المسائل تهوكٌ وبعدٌ عن طبيعة الإسلام، وجريٌ وراء تفكه فكري لا يليق بإسلام الوجه لله.
لقد جاءت الرسالة أو النبوة؛ ليعيش أهل الأرض في كنف الله، ورعايته المباشرة يتطلعون في كل أمر من أمورهم إلى وحي من عند الله يتحركون به، ويحسون بيد الرحمة تمتد إليهم في كل حين لتنقل خطاهم خطوة خطوة إلى الصراط المستقيم.
_________________
(١) ١ أثارَ شارح الشفاء هذه المسألة، راجع ج١ ص٣١٧ من كتاب الشفاء للقاضي عياض. ٢ راجع الحلبية ج١ ص٢٧٧-٢٨٧، المواهب اللدنية ج١ ص٢٤٢، ٢٤٣.
[ ٢٨٨ ]
وكان القائد للبشرية كلها قد أعد بعد الرسالة بمنهج خاص.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ١.
هكذا دبر الله لمحمد -ﷺ- هذه الفترة التربوية يعده فيها لحمل الأمانة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة، قيام الليل، ترتيل القرآن، ذكر الله إلخ.
فإن الاتصال بالملأ الأعلى سيستمر لتبليغ شرع الله إلى الناس كافة، وهذا الاتصال لا بد وأن تسبقه تهيئة خاصة يتم فيها التجرد المطلق لله؛ لتستوعب الروح الطاهرة فيوضات الأنس الإلهي والمدد الإلهي والصلة الإلهية، وحتى تذوب المعاني الأرضية كلها وتصفى النفس من كل صغيرة لا تتفق مع نورانية الحق وجلال الله الأكبر، كانت الأوامر الإلهية تربي سيدنا محمد -ﷺ- وتعده بمنهج تدريبي قوي يتصل فيه بالله والناس نيام، ويذكر فيه اسم ربه وقد سكن الوجود وغاب النائمون، ويرتل القرآن ترتيلا يصل بصوته النبوي أجواء الأرض بأسماع السماء.
ويمضي الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه يقوم الليل إلا قليلا، ويرتل القرآن ترتيلا، ويذكر اسم ربه بكرة وأصيلا حتى جاءه الحق بتنفيذ الوظيفة.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١-٨ من سورة المزمل.
[ ٢٨٩ ]
فبدأ دعوته إلى الله١.
واتخذت الدعوة أربع مراحل على نحو ما جاء في القرآن الكريم:
١- ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٢.
٢- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٣.
٣- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٤.
٤- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٥.
وهي:
مرحلة إعداد القيادة.
مرحلة الأهل والأقارب.
مرحلة العرب عامة.
مرحلة البشرية كلها.
وأشهد أنه قد بلغ الدعوة بهذه المراحل كلها، وهو ما زال في ظلال مكة والبيت العتيق.
_________________
(١) ١ نزول ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قبل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، وإعلان هذا المنهج التربوي بعد الاختبار والاصطفاء يلغي البحث المتعلق باكتساب النبوة، ويجعله في غير محل له مطلقا؛ لأن كثرة العبادة وقوة الرياضة النفسية جاءت بعد الاصطفاء والرسالة، وهذا يفيد أن الاكتساب ليس طريقا مسلوكا، ولا مفروضا لتقدم الاصطفاء على كثرة الرياضة وقوة العبادة. ٢ الآية رقم ٢ من سورة المدثر. ٣ الآية رقم ٢١٤ من سورة الشعراء. ٤ الآية رقم ٧ من سورة الشورى. ٥ من الآية رقم ١ من سورة إبراهيم.
[ ٢٩٠ ]