التعرف على المجتمع: عاداته، وتقاليده، وأنماط الثقافة فيه جزء من وظيفة الأخصائي الاجتماعي الذي يؤهل للعمل مع الجماعة في حقل الخدمة الاجتماعية.
ووسيلة المتعرف على المجتمع هي الدراسة كما شرحها الكاتبون في فن خدمة الجماعة، ولكن التعرف الذي يحتاج إليه علم فن خدمة الجماعة١ هو تعرف سطحي ويحتاج إلى زمن، ثم هو تعرف على المجتمع من جانب الخادم الاجتماعي أو الأخصائي الاجتماعي وهنا تبرز
_________________
(١) ١ راجع مبادئ تنمية وتنظيم المجتمع دكتور عبد المنعم شوقي ص٩٤، الخدمة الاجتماعية محمد كامل البطريق ص١١١-١١٢ ط ثانية ١٩٦٢م الأنجلو، دراسات في تنظيم المجتمع دكتور سيد أبو بكر حسانين ص٨٧ أولى ١٩٦٩، فن خدمة الجماعة دكتور محمد شمس الدين أحمد ص٥٠-٥١ ط ثانية ١٩٦٣.
[ ١٩٠ ]
علمية المنهج الإسلامي في العمل مع الجماعة بصورة أجل، وأسمى، وأشمل، وأوسع؛ لأنها تأخذ في مفهوم التعرف على المجتمع التبادل المعرفي بين طبيعة المجتمع وطبيعة الداعية.
لقد تعرف النبي -ﷺ- على طبيعة المجتمع بأسلوب الممارسة والاشتراك، وهو نمط أقوى في إدراك حقائق الأمور من الدراسات المستعجلة التي يحاول إتقانها الأخصائيون في العصر الحديث.
لقد عاش النبي -ﷺ- مع المجتمع الذي سينقل إليه الدعوة عيشة المستوعب لثقافة البيئة دون أن يغامس حياة المجتمع في اتجاهاتها التي تؤثر مستقبلا عليه، فهو لم يغفل، ولم ينغمس فيها بل عاش حياة المجتمع الفاضلة، فكان راعيا للغنم عند أمه حليمة.
وكان راعيا للغنم عند قريش على قراريط١.
وكان تاجرا معهم في السوق٢.
وكان قاضيا لهم في مدلهمات الأمور عند وضع الحجر الأسود٣، واشترك معهم في حلف الفضول٤.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص١٦٧، الحلبية ج١ ص١٤٩، وراجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٢٥، البيهقي ج١ ص٣٣٦ دلائل النبوة. ٢ ابن هشام ج١ ص١٨٧، الحلبية ج١ ص١٥٧، الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٢٩-١٣٠. ٣ ابن هشام ج١ ص١٩٧، الحلبية ج١ ص١٧٢. ٤ ابن هشام ج١ ص١٣٣، الحلبية ج١ ص١٥٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٢٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٢٥٧.
[ ١٩١ ]
لقد عاش معهم الحياة الاجتماعية في مستواها العفيف.
وعاش معهم الحياة السياسية في مستواها العادل الواضح.
وعاش معهم الحياة الاقتصادية في مستواها الأمين الحلال.
ومع هذا فما سجد لصنم قط، ولا حلف باللات والعزى، ولا احتفل بعيد لهم، ولا شرب لهم خمرا، ولا طعم لهم ذبيحة ذبحوها على النصب١.
لقد عصمه الله جل شأنه منذ اختاره لهداية البشر رسولا مبشرا ونذيرا.
لقد كانت لديه ممارسة كاملة بالجانب الرفيع من ثقافة المجتمع، وكانت عنده حصانة فطرية لا يقدر معها على الانجذاب إلى ثقافة لا تتفق مع سويته التي خلق ليكون للعالمين نذيرا.
فهو لم يندمج كليا فيغامس حياة المجتمع كلها.
ولم ينعزل عنها فيجهلها كلها.
لقد كان موجودا في أوساطها لا في وسطها، فهو في المجتمع يشترك مع فضليات الأخلاق، وعظام الأمور، وهو في المجتمع يرى وينأى عن شرور البشر.
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم الإسلامية ج١ ص٦٥ الشيخ محمد الخضري ط ثامنة ١٣٨٢هـ، ابن هشام ج١ ص١٨٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص١٥٥، الدلائل للبيهقي ج١ ص٣١٣-٣١٥، السيرة لابن كثير ج١ ص٢٥٠-٢٥٢، راجع الخصائص الكبرى للسيوطي ج١ ص٢٢١-٢٢٦، ٢٢٧-٢٤٦، الشفا شرحي: نسيم الرياض وعلي القاري ج٣ ص٢٧٩-٢٨٠.
[ ١٩٢ ]
لقد كان إيجابيا مع الحياة الفاضلة.
وكان سلبيا بالطبع مع الحياة التي لا تتفق مع طبيعته، فقد عصمه الله من كل سوء. لقد كان منفتحا على المجتمع كله بذاته وطهارته، وكان هو كذلك معروفا للمجتمع، لقد كان معروفا منذ اللحظة الأولى التي ولد فيها.
وكان معروفا في فترة رضاعه.
وكان معروفا في فترة حضانته مع أمه.
وكان معروفا في فترة حضانته مع جده وعمه.
لقد كان معروفا وهو طفل.
وكان معروفا وهو غلام.
وكان معروفا وهو شاب.
معروفا بالأمانة، والخلق الرفيع، وكان محل الإكرام والتقدير والتبجيل من كل أطراف المجتمع.
ولم يحظ نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولم يحظ قط زعيم من الزعماء في الغابر والحاضر والمستقبل بانكشاف تام لحياته الفاضلة، وتعرف كامل على شخصيته الكبيرة الفذة إلا محمد -ﷺ.
لقد قال فيه أبوه من الرضاع وهو لا يزال طفلا صغيرا:
والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة١.
_________________
(١) ١ الحليبة ج١ ص١٠٧، المواهب ج١ ص١٢، ابن هشام ج١ ص١٦٣، دلائل البيهقي ج١ ص١٠٩.
[ ١٩٣ ]
وقالت فيه أمه حليمة:
لما دخلت به -ﷺ- إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته -ﷺ- واعتقاد بركته في قلوب الناس١.
وقالت أمه آمنة:
والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لابني لشأنا٢.
وقال فيه رجال من نصارى الحبشة:
إن هذا الغلام كائن له شأن نحن نعرفه٣.
وقال فيه جده عبد المطلب:
يا بركة لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة٤.
وقال عمه أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه فمال اليتامى عصمة الأرامل٥
_________________
(١) ١ المواهب ج١ ص١٤٥ الحلبية ج١ ص١١٠. ٢ ابن هشام ج١ ص١٦٥ الحلبية ج١ ص١١٣. ٣ ابن هشام ج١ ص١٦٧، الحلبية ج١ ص١١٤، السيرة لابن هشام ج١ ص٢٣٢. ٤ الحلبية ج١ ص١٣١، الطبقات الكبرى ج١ ص١١٨، السيرة لابن كثير ج١ ص٢٤٠. ٥ المواهب ج١ ص١٩٣ وفيها شعر طويل، الحلبية ج١ ص١٣٨، دلائل البيهقي ج١٢ ص٢٢٣، الخصائص ج١ ص٢١٤، ٣١١.
[ ١٩٤ ]
وقال بحيرى:
فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا، ورويناه عن آبائنا، واعلم أني قد أديت لك النصيحة١.
وقالت خديجة ﵂:
يابن عم! إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسطتك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وحسن حديثك٢.
وقال له ورقة:
ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه٣.
وقد كان الخصوم معه أشهد الناس بكماله وسموه ورفعته وطهارته. يقول أبو جهل: والله إن محمد لصادق وما كذب محمد قط٤.
وقال النضر بن الحارث:
قد كان محمد فيكم غلاما أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة٥.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص١٤٢، ابن هشام ج١ ص١٨٢. ٢ ابن هشام ج١ ص١٨٩، السيرة لابن كثير ج١ ص٢٦٣. ٣ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٤. ٤ أسباب النزول للواحدي ص٢١١. ٥ ابن هشام ج١ ص٢٩٩.
[ ١٩٥ ]
وقال له عتبة:
يابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السعة في العشيرة والمكان في النسب١.
ويقول الوليد بن المغيرة:
إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة٢.
لقد كان معروفا لأبناء مجتمعه القريب، وكان معروفا لأبناء مجتمع دعوته البعيد، فقال فيه النجاشي:
أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى٣.
وقال فيه كسرى:
فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه٤.
والقرآن الكريم يضع هذا الانفتاح بكلتا شطريه في موضع الاستدلال على صدق نبوته -ﷺ.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٥.
﴿لَبِثْتُ﴾ فوجودي مشهود كله لكم.
﴿فِيكُمْ﴾ وأنتم مشهودون لي.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٩٣. ٢ ابن هشام ج١ ص٢٧٠. ٣ الحلبية ج١ ص٣٧٧ الخصائص ج١ ص٢٨٠. ٤ فتح الباري ج١ ص٤٠-٤١. ٥ الآية رقم ١٦ من سورة يونس.
[ ١٩٦ ]
والحياة مكشوفة بيننا، وأنتم تعرفون عني كل شيء، حتى كيف تزوجت؟ وكيف سافرت؟ وكيف عاشرتكم؟
وأنتم مكشوفون لي عادة وسلوكا وأخلاقا.
ولهذا نفى القرآن عنهم في هذا الاستفهام التأنيبي المزلزل، نفى عنهم التعقل، فإن حياة محمد -ﷺ- معلومة لهم لا تحتاج في إدراك نبوته إلى علم، فأمانته وصدقه وسطته ونسبه مشهورة معروفة معلومة، وهي كلها تؤهل مع تاريخه المجيد لأن يكون للعالمين رسولا.
ولكنهم لا يعقلون ما يعلمون.
يقول الأستاذ الندوي:
وحياة محمد -ﷺ- من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للذين عاصروه وشهدوا عهده، وقد حفظها التاريخ عنهم لمن بعدهم، وهو في حياته لم يحتجب عن عيون قومه.
إن جميع شئون وأطوار حياته: من ولادته، ورضاعه، وطفولته إلى أن صار يافعا وشابا، كل ذلك ظاهر أمره، معلومة تفاصيله، وقد علم التاريخ عن هذا النبي -ﷺ- باشتغاله في التجارة وكيفية زواجه، وعلم الناس سجاياه في صداقته وفي وفائه للناس قبل النبوة.
واتصلوا به حين اتخذوه أمينا وأقاموه حكما فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الأسود في موضعه من الكعبة، ثم وقفوا على أمره حين حبب
[ ١٩٧ ]
الله إليه الخلوة فاعتزلهم في غار حراء، ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي من رب العالمين، وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود أخذ يدعو الناس إليه ويبلغ ما أنزل عليه١.
فليست هناك لحظة من حياة الرسول -ﷺ- ولا لحظة من حياة المجتمع الجاهلي غابت عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا غاب عن المجتمع، فكان التعرف على المجتمع شاملا بالممارسة التي تعوز فن خدمة العمل مع الجماعة في العصر الحديث.
وبات ذلك المنهج نظريا وتطبيقيا خالصا بالأسبقية التاريخية، والعملية ملكا للدعوة الإسلامية تبز به جميع أنماط العمل مع الجماعات.
_________________
(١) ١ الرسالة المحمدية للسيد سليمان الندوي ط ثانية ص٦٤.
[ ١٩٨ ]