يشق النور حجب الظلام حتى ولو كانت ظلمات كثيفة بعضها فوق بعض، فطبيعة النور مشرقة متحركة، وطبيعة الظلام كئيبة راكدة، ولقد كانت الدعوة الإسلامية نورا مشرقا يبدد حجب الظلمات الجاهلية التي كانت تصنعها قريش في معامل الشيطان والنكاية، والتهريج والحصار الاقتصادي والتشهير والفتن، لقد كان رسول الله -ﷺ- يلتقي بالوفود في مواسم الحجيج والعمرة، وفي سلسلة هذه اللقاءات النبوية بأهل النسك التقي ﵊ بوفد من الأنصار، يروي ابن هشام هذا اللقاء بسنده فيقول:
لما لقيهم رسول الله -ﷺ- قال لهم: "من أنتم؟ ". قالوا: نفر من الخزرج. قال: "أمن موالي يهود؟ ". قالوا: نعم. قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ ". قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعمل، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل
[ ٥٩٤ ]
زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله -ﷺ- أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلموا والله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك.
فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله -ﷺ- راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.
وكان عدة هؤلاء النفر ستة من الخزرج، فلما قدموا المدينة ذكروا حديث رسول الله -ﷺ- ودعوا الناس إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم١.
فلما كان العام القادم -وأهل المدينة قد تهيئوا- لقبول الدعوة لقي رسول الله -ﷺ- اثني عشر رجلا، فبايعوه البيعة
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٨، ٤٣٠، راجع تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٤، ٣٥٥، الطبقات لابن سعد ج٢ ص٢١٩، يلاحظ أن ابن البر جعل هذا اللقاء العقبة الأولى فجعلها ثلاث عقبات ص٧٠، ٧١، وابن الأثير في الكامل جعلها مقدمة للعقبة الأولى ج٢ ص٩٥، ٩٦، وكذلك الطبري ج٢ ص٣٥٥، راجع الحلبية ج٢ ص٨.
[ ٥٩٥ ]
المشهورة ببيعة النساء وقد ذكرها ابن سعد في الطبقات١ قال: فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء:
على ألا نشرك بالله شيئا.
ولا نسرق.
ولا نزني.
ولا نقتل أولادنا.
ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف.
قال: "فإن وفيتم لكم الجنة، ومن غشى من ذلك شيئا كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".
قال ابن سعد: ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام.
ثم بعث لهم رسول الله -ﷺ- سيدنا مصعب بن عمير٢ بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقهم في الدين.
ولم تقف مهمته عند هذا الحد، فهو مدرك لأبعاد الرسالة، فجعل يدعو إلى الإسلام من لم يشرفه الله بعد ويشرح صدره للإسلام، قال ابن عبد البر: فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى لابن سعد ج٢ ص٢٢٠، راجع السيرة لابن هشام ج٢ ص٤٣٣، راجع تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٦. ٢ ذكر في زاد المعاد أن رسول الله أرسل عبد الله بن أم مكتوم مع مصعب بن عمير ج٢ ص٥١، وصاحب الحلبية ذكر هذا ثم ضعفه ج٢ ص٩.
[ ٥٩٦ ]
وأسلم في جماعتهم، سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وأسلم بإسلامهما جمع بني عبد الأشهل في يوم واحد، الرجال والنساء، لم يبق منهم أحد إلا أسلم١.
قال الطبري: فلما وقف سعد عليهم بعد إسلامه قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فوالله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة٢.
وبهذا تبدو أهمية القيادة التي أعدها رسول الله -ﷺ- في دار الأرقم بن الأرقم، تبدو أهمية مرحلة الدور السري كما يسميه العلماء، تبدو هذه الأهمية كأسلوب وواحدة من قواعد المنهاج الذي ينبغي أن يستخدم في العمل مع الجماعة عند تبليغ دعوة الله.
لقد كانت هذه الجماعات التي دخلت دين الله أفواجا بالمدينة آثارا من بركة العمل السياسي الذي زاوله الرسول -ﷺ- في لقائه بالعقبة الأولى على نحو ما هو مشهور عند العلماء.
في العام القابل يرجع مصعب بن عمير إلى مكة مع وفود من المسلمين إلى موسم الحج ومعهم زمرة حجاج قومهم من أهل الشرك، قال ابن إسحاق حدثني معبد بن كعب أن أخاه عبد الله بن كعب
_________________
(١) ١ الدرر ص٧٣. ٢ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٩، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٧.
[ ٥٩٧ ]
حدثه أن أباه كعب بن مالك حدثه قال كعب: ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله -ﷺ- بالعقبة من أوسط أيام التشريق قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله -ﷺ- لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أو جابر سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله -ﷺ- إيانا العقبة قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله -ﷺ- نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا:
نسيبة بنت كعب أم عمارة.
إحدى نساء بني مازن بن النجار.
وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي.
إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع.
قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله -ﷺ- حتى جاءنا، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان
[ ٥٩٨ ]
أول متكلم العباس بن عبد المطلب، ثم تكلم رسول الله -ﷺ- فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله! فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.
قال: فاعترض القولَ والبراء يكلم رسول الله -ﷺ- أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال: فتبسم رسول الله -ﷺ- ثم قال:
"بل الدم الدم، والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم".
قال كعب بن مالك: قال رسول الله -ﷺ: "فأخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم" ١.
فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا:
تسعة من الخزرج.
وثلاثة من الأوس.
_________________
(١) ١ راجع الروض الأنف ج٤ ص١٢٤ ففيه أن ذلك كان بتوجيه من عند الله ﷿.
[ ٥٩٩ ]
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله -ﷺ- قال للنقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي يعني المسلمين".
قالوا: نعم١.
ويؤكد وثيقة البيعة العباس بن عبادة بن فضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف فيقول:
يا معشر الخزرج! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم.
قال: إنكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا، أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم لهو خزي الدنيا والآخرة.
وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل النفس الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله! إن نحن وفينا "بذلك"؟ قال: "الجنة".
قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج٢ ص٤٣٨-٤٤٧، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٩٢، ٢٥٣، دلائل النبوة للبيهقي ص١٨١-١٩٤، الطبقات الكبرى ج٢ ص٢٢١-٢٢٣، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٨-١٠١، المواهب ج١ ص٣١٥-٣١٨، الحلبية ج٣ ص١٦-١٨. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٤٦، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٦٤، الكامل في التاريخ ج٢ ص٩٩، الطبقات الكبرى ج٢ ص٢٢٢، ٢٢٣.
[ ٦٠٠ ]
وكان أسعد بن زرارة من شباب الخزرج المتوهج المتقد حماسا وإخلاصا الممتلئ إيمانا الفياض باليقين يريد أن يحدد الأمر إلى أبعاده البعيدة فقال:
رويدا يا أهل يثرب! إنا لن نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله -ﷺ- وأن إخراجه اليوم مفارقه لجميع العرب وقتل خياركم.
وإن تعضكم السيوف فأما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ومفارقة العرب كافة، فخذوه، وأجركم على الله تعالى، وأما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه، فهو عذر لكم عند الله ﷿؟
فقالوا: يا سعد! أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا، فبايعناه١.
يقول ابن الأثير:
وكانت البيعة في هذه العقبة على غير الشروط في العقبة الأولى، فإن الأولى كانت بيعة النساء، وهذه البيعة كانت على حرب الأحمر والأسود.
أما نص الأولى: فبايعنا رسول الله -ﷺ- على بيعة النساء، على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. "إن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا
_________________
(١) ١ الحلبية ج٢ ص١٨، فقه السيرة ص١٥٧.
[ ٦٠١ ]
فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم" ١.
إنها بيعة فضيلة وأخلاق وخير وبر على العمل بالمثل العليا ونشرها والدعوة إليها، لقد قيد الوثيقة "ولا نعصيه في معروف" إنها تقرر منذ هذا الفجر الأول للتنظيم الإسلامي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فهي بذلك وثيقة إلهية.
وأما الوثيقة الثانية فقد حدد أبعادها العباس بن فضلة وسعد بن زرارة.
إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود٢.
لقد كان الأنصار رضوان الله عليهم يعلمون عن يقين واضح تكاليف هذه البيعة وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئا في هذه الحياة الدنيا لا مالا ولا جاها ولا ملكا لا وزارة حتى ولا النصر والغلبة إنما وعدوا عليها "الجنة"، وهكذا اختار الله ورسوله السابقين من المهاجرين والأنصار معا، اختاروهم من العناصر الفريدة النادرة؛ ليكونوا القاعدة الصلبة لانطلاق هذا الدين من عقاله في مكة إلى رحابه العالمية في المدينة المنورة.
ولقد دلت هذه البيعة على أن عنصر المبايعين أصيل في طبيعته المتكافئة مع سمو تعاليم هذا الدين، لقد قال عبد الله بن رواحة ليلة العقبة:
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٥٦ ظن بعض الكاتبين أن هناك علاقة بين هذه النسبة وتسمية بيعة النساء في سورة الممتحنة لما بينهما من تشابه، ولكن التسمية هنا ليس لها ارتباط بالأخيرة؛ لأنها بيعة على فضائل الأخلاق مطلقا. راجع الحلبية ج٢ ص٨. ٢ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٦٣.
[ ٦٠٢ ]
اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل.
لقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول الله -ﷺ- أصفى من العذب الرائق نقاء من أدنى رغبة دنيوية، وما كان لهم من مأرب إلا الجنة، ويوثقون هذا البيع الرابح كثيرا بأنهم لا يقبلون الرجوع فيه أبدًا، ولا يسعدون إذا رجع فيه رسول الله، وقد كانوا على يقين أنهم سيناوئون العرب كلها، وسوف يقتل أشرافهم وتنكه أموالهم، وأنهم لن يروا هدوءا ولا راحة، فسوف يستمرون في قتال الجاهلية الضاربة من حولهم حتى يحققوا العبودية لله وحتى يحققها البشر جميعا، ومع هذا فقد قالوها: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل١.
وبهذا تجهزت الدعوة الإسلامية لنقلة جديدة، ومنهج جديد ووطن جديد نملأ من منارته آذان الدنيا بالنداء الجليل حي على الفلاح.
إلى طابة:
لقد اكتملت الترتيبات إلهيا ونبويا لنقلة الكتيبة التي حشدها ربها وأعدها نبيها لتحتمل شرف البناء العالمي للدولة الإسلامية التي تقوم على أساس "لا إله إلا الله محمد رسول الله" كمنهاج للحياة العقلية والأخلاقية والتشريعية والاجتماعية والعلمية.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج١٠ ص٩٢، ٩٣.
[ ٦٠٣ ]
فقد انتشر للإسلام في كل بقاع الجزيرة العربية وخارجها صوت يدوي وقائد يدعو.
كان في الحبشة على الشاطئ الغربي للجزيرة العربية المهاجرون فيهم من كبار رجال قريش عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب.
وكان في الطرف الشرقي للجزيرة عمرو بن الطفيل الدوسي.
وكان في وسطهما أبو ذر الغفاري وعمرو بن عبسة في الشمال تقريبا لقد كانت هنا قيادات تخشاها قريش كما جاء في البخاري، في حديث إسلام أبي ذر الغفاري: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام١؟
قال ابن حجر: وغفار هذه من بني كنانة.
وكان في جنوب الجزيرة العربية "نجران" وفد النصارى الذين أسلموا فانتشرت كواكب الإيمان في بقاع الجزيرة تنير الوجود الإنساني٢، ثم صارت يثرب على أهبة كاملة لاستقبال تلك الجماعة برسالتها فلم يبق إلا الإذن من القيادة التي تتحرك بوحي السماء وجاء الوحي بإذن للجماعة الإسلامية فقط بأن تهاجر٣.
يقول ابن هشام:
أمر رسول -ﷺ- أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها،
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٨ ص١٧٥. ٢ انظر الخريطة المرفقة التي تبين مستوى انتشار الإسلام في ظل العهد المكي في داخل الجزيرة وخارجها. ٣ ابن هشام ج١ ص٤٦٨ وما بعدها.
[ ٦٠٤ ]
واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: إن الله ﷿ قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله -ﷺ- بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة١.
وكان قد انطلق أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، مهاجرا إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة ثم عاد إلى مكة فآذته قريش، فكان أول من نفذ أمر رسول الله -ﷺ- بالهجرة إلى المدينة، ثم هاجر عامر بن ربيعة خليف بن عدي، ومعه امرأته ليلى ابنة أبي حشمة، قال ابن سعد: فهي أول ظعينة قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله -ﷺ- أرسالا فنزلوا على الأنصار في دورهم وآووهم وآسوهم٢.
لقد سلمت الكتبية الأولى وانتقلت من جو الجاهلية المتعجرفة إلى جو الأخوة الفسيحة صدرا وكرما وإيمانا وحبا وإيثارا إلى جو الذين يحبون من هاجر إليهم ويؤثرون على أنفسهم إخوانهم، ولو كان بهم خصاصة وخلت مكة إلا من القيادة التي تنتظر الإذن لها بالرحيل، ففي البخاري:
وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله -ﷺ: "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٦٨، راجع المواهب ج١ ص٣١٨ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢١٥، الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٦. ٢ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢١٥، الكامل في التاريخ ج٢ ص١٠١، الطبقات ج١ ص٢٢٦، السيرة لابن هشام ج١ ص٤٦٨-٤٧٠، الدرر ص٨١.
[ ٦٠٥ ]
ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله -ﷺ- ليصحبه وعلف راحلتين كانا عنده١.
فالداعية إذن لا يتحرك إلا بالوحي إنه لا ينطق عن الهوى ولا يتحرك عن داعية نفسه إنما هو وحي يوحى.
وانتظر رسول الله -ﷺ- ومعه أصفياؤه الذين سيتولون مسئولية إنهاء الأعمال والأمانات ويصفوا كل العلاقات مع المجتمع الجاهلي.
كان في مكة "عليٌّ"؛ لرسالة خطيرة هي رسالة التضحية والوكالة عن رسول الله -ﷺ- ليبيت في السرير المشرف الزكي العبق الطاهر المقدس ليواجه في حداثة سنه جلبة الشباب الطائش الأحمق، ويا لها من شجاعة وقوة وعزيمة. واحد من شباب الإسلام في سنه الصغيرة يجابه بثبات مكين وإرادة حادة جموع الشباب من قبائله الكثيرة التي عزمت في إصرار على أن تقتل المرتدي هذه البردة الزكية الخضراء ومن خلفهم رأي عام يساعد ويساند ويجيش الفتن ويفرح بيوم النصر.
وكان في مكة الصديق الذي جهز أهله وماله كله من أجل صحبة حبيبه، فاضت لها عيناه فرحا يوم أنبئ بها، ويأتي الإذن للنبي الكريم بالهجرة، ولنستمع للسيدة عائشة ﵂ وهي تروي للتاريخ أعظم حدث غير وجه الحياة من البريق الجاهلي إلى الحق الإسلامي الذي صان كرامة الإنسان وعزه وربطه بالعبودية لله وحده.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٢ ص٢٣٤، ٢٣٥، راجع الحلبية ج٢ ص٣٤.
[ ٦٠٦ ]
قالت عائشة١: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله -ﷺ- متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذ الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله -ﷺ- فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي -ﷺ- لأبي بكر: "أخرج من عندك؟ "، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله! قال: "فإني قد أذن لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال رسول الله -ﷺ: "نعم".
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله! إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله -ﷺ- بالثمن٢.
ومع ما في النص من آداب اجتماعية كثيرة تحدد تقاليد الزيارة ومواعيدها، وآداب الدخول والاستئذان، والحيطة في الحديث ذي الشأن، فإن النص يدل صراحة على أن الهجرة كانت أمرا إلهيا انتظره الرسول -ﷺ- لتتم نقلة القيادة إلى طيبة حتى تكتمل للجماعة الإسلامية التي سبقت بالرحيل كل إمكانيات العمل في المرحلة الجديدة.
_________________
(١) ١ راجع الروض الأنف ج٤ ص٢٠٢ وما بعدها. السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٤ الحلبية ج٢ ص٣١. ٢ فتح الباري ج٨ ص٢٣٦، راجع المواهب ج١ ص٣٢٦، ٣٢٧، راجع زاد المعاد ج٢ ص٥٢.
[ ٦٠٧ ]
وفي رواية ابن إسحاق والمواهب: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله! قال: "الصحبة"، قالت عائشة: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ١.
كان جبريل صاحب الوحي وصاحب البراق قد استعد وتهيأت جنود السموات والأرض لحماية الموكب الوحيد في عمر الدنيا الذي ينتقل من المجتمع الظالم إلى إخوانهم في الله أصحاب الميمنة السابقين بالإيمان والفضل والمؤازرة، وكانت قريش سادرة في غيها عابثة بأحلامها مغرورة بأمانيها، فاجتمعت في "البرلمان الجاهلي" في دار الندوة، وهي كما قال في الحلبية: كانت قريش تجتمع فيها للمشاورة في أمورها، ولا يدخلها إلا من بلغ الأربعين، ولا زالت هذه الدار في يد بني عبد الدار حتى كان حكيم بن حزام، فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم، فلامه عبد الله بن الزبير ﵄، وقال: أتبيع مكرمة آبائك وشرفهم، فقال حكيم ﵁: ذهبت المكارم إلا التقوى، والله لقد اشتريتها في الجاهلية "بزق خمر"، وقد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أن ثمنه في سبيل الله تعالى فأينا المغبون٢.
في هذا البرلمان الجاهلي الذي اشتري بزق خمر، اجتمعت رءوس الجاهلية بجاذبيتها وعنفوانها تناقش الآثار التي تستتبع هجرة المسلمين
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٥، المواهب ج١ ص٣٢٧، راجع الفصل السابع في الهجرة من كتاب النبوة والرسالة في التاج الجامع للأصول ج٢٦٣، ٢٦٩. ٢ الحلبية ج١ ص١٧ المواهب ج١ ص٣٢١، راجع الروض الأنف ج٤ ص١٩٨ وما بعدها.
[ ٦٠٨ ]
من مكة فقد أدركوا أن للمسلمين اليوم دار ومنعة، وعرفوا أنهم الآن أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة أو اجتمعوا في "زق الخمر" يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله -ﷺ- حين خافوه١؟ ولقد كانوا عميا وحمقى وأغبياء، فالذي اجتمعوا له اليوم قد قاله لهم من قبل كبيرهم عقبة "يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس٢، ولكنهم يومها قالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد، وقالها أكثم بن صيفي:
إن أحق الناس بمعونة محمد ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلا كنتم أحق الناس بالكف عنه والستر عليه٣.
جدول الأعمال:
لقد كان ينبغي أن يكون جدول المشاورة أو جدول الأعمال حاويا لكل الأحداث التي مضت.
كان ينبغي أن يكون حاويا:
مقالة عقبة: فأمسكت بفيه فأنشدته الرحم أن يكف، وقد علمت أن محمدا -ﷺ- إذا قال شيئا لم يكذب٤.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٠. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٤. ٣ راجع الباب الأول الفصل الأول نموذج الحكماء. ٤ الحلبية ج١ ص٣٤٠.
[ ٦٠٩ ]
ومقالة "أبي جهل": والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء أن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب، قالوا: منا نبي والله لا أفعل١.
وكان عليهم أن يتفهموا ما عرضه عليهم رسول الله -ﷺ- أول الأمر: "يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة ٢، إني لرسول الله إليكم خاصة والناس كافة" ٣.
وكان عليهم كذلك أن يتدبروا ما قاله لهم يوم أن آذوه وأهانوا أصحابه والمجاهدين بالصبر والثبات معه:
"أتسمعون يا معشر قريش! أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح".
وأخذت هذه الكلمة يومها من القوم مأخذها حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر واقع حتى إن أشدهم فيه وضاء قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدا فما أنت بجهول٤.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٧. ٢ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٩. ٣ الحلبية ج١ ص٣٢١. ٤ الخصائص الكبرى ج١ ص٣٦٠، الحلبية ج١ ص٣٣٠.
[ ٦١٠ ]
وكان عليهم كذلك أن يضعوا في قائمة المشاورة قول الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ١.
ولكن الحمق والضلالة والتهريج والعمه الذي ران على قلوبهم وأفئدتهم، والوقر الذي أصم آذانهم دوخهم، فغلى دم الحقد والبغضاء في عقولهم فحاصوا حيصة إبليسية زكاها الشيطان بوسواسه اللعين، وحضرها بشبحه الكاذب ودخل معهم في "زق الخمر"، وكان في المجلس عتبة بن ربيعة، وأبو سفيان والنضر بن الحارث، وأبو جهل ابن هشام، وأمية بن خلف، لقد اجتمع الزعماء والقادة الذين يمثلون النظام الأرضي بكل طينيته وإبليسيته وكانت المحادثات تدور حول: "ما نأمن على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا".
وطالت صياحاتهم وهياجهم وصخبهم، ثم قال لهم الشيخ الإبليسي، قال أبو جهل الذي يمثل الجهالة الجاهلية في كل عصر وحين: "نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا"٢.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٥ من سورة النصر. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨١، ٤٨٢، المواهب ج١ ص٣٢١، ٣٢٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص١٠٢، الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٧ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٢٩، الحلبية ج٢ ص٢٨ الدرر ص٨٥، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٧١، ٣٧٢، الروض الأنف ج٤ ص٢٠١.
[ ٦١١ ]
ورضي القوم، وبارك إبليس المعية أبو جهل، وتفرق القوم وهم على ذلك مجمعون، والله أعلم بما يبيتون، لقد أحكم الجاهليون خطتهم: أحكموها متجاهلين ما توعدوا به أنفسهم من قبل، أحكموها في غفلة من ضميرهم الذي يثق أن محمدا لرسول الله، أحكموها وهم في غفلة مما عقلوها سالفا، أنه قد جاءهم بالذبح، لقد أحكموا الخطة والله من ورائهم محيط، وجاء سيدنا جبريل وقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي تبيت عليه، وفي عتمة الليل اجتمعت الثورة الجاهلية على الباب يرصدون متى ينام؟ فيثبون عليه، إنهم لا يقدرون على مواجهته يقظا، وظنوا أنهم يقدرون على مواجهته نائما، فهم لهذا يرصدون متى ينام، ونام "علي" في وسط هذا الجو الذي يملأ مكة رعبا، وتسجى ببردي رسول الله -ﷺ- الأخضر١ الحضرمي، لقد تسجى بالحماية والستر والرعاية والأمان، وهو في طمأنينة مستقرة، وفؤاد أجل استقرارا من الطود العظيم.
لقد نام "علي" وهو يتدثر الإيمان في قلبه ويتسجى ببردي رسول الله -ﷺ- والشباب محيط بالدار يتدثر قلبه بالغيظ والحنق والكراهية ويتوثب بالسيف الصارم، وفي هذا الجو ينفتح الباب، ويخرج رسول الله -ﷺ- وهو يتلو:
﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ
_________________
(١) ١ من رواية ابن الأثير ج٢ ص١٠٣، وفي الطبقات: الأحمر ج١ ص٢٢٨، راجع الحلبية ج٢ ص٢٨، ٢٩.
[ ٦١٢ ]
الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١.
وحصبهم بالتراب، فلم يبق فيهم رجل جليد نسيب وسيط في قوم أبي جهل وأتباعه إلا وضع على رأسه ترابا وناموا أو داخوا أو شلوا أو مسخوا.
لقد سحبت قوتهم وعميت عيونهم حتى جاءهم آت ممن لم يكن معهم فقال لهم ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته٢.
هذه هي نتيجة القرار البرلماني الأرضي الذي يستمد نظامه من الطين حبات حصى نثرها رسول الله -ﷺ- على رءوس الجيش الفتى الذي جاء لينفذ قرار التنظيم الأرضي.
ويسلم "علي" من المؤامرة ويبقى في مكة ليصفي بقيات العلاقات ويؤدي الأمانات التي كان يحفظها الجاهليون عند محمد رسول الله -ﷺ- ليقينهم أنه وحده الأمين الصادق٣.
_________________
(١) ١ راجع السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٢ والآيات من رقم ١-٩ من سورة يس. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٣ راجع الحلبية ج٢ ص٢٩، ٣٠، السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٣٠، الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٨ المواهب ج١ ص٣٢٣ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٧٣. ٣ تاريخ الطبري ج٢ ص٣٨٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص١٠٣.
[ ٦١٣ ]
وينطلق الركب النبوي ومعه الصديق الوفي إلى غار ثور أو جبل ثور، وتبقى سرية المخابرات الإسلامية في مكة. عبد الله بن أبي بكر يتسمع ما يقول الناس فيها نهارا ليبلغ الأخبار إليهما ليلا، وعامر بن فهيرة يرعى الغنم نهارا ثم يريحها عليهما في الغار عند المساء، وأسماء بنت أبي بكر تجهز الزاد وتذهب به في ثياب الليل الأسمر.
ولم يكن أبو بكر رفيقا مؤنسا بل كان فدائيا حبيبا إليه أن تكون روحه فداء رسول الله -ﷺ- لقد دخل الغار أولا لينظر ما فيه من حشرات وينظف منزل النبي -ﷺ- ثم هو يترقب الحركة والهمسة والصوت ووقع القدم وخلجات المتجسسين بينما النبي -ﷺ- يصلي١.
وجاءت قريش ومعها الخبراء في اقتفاء الآثار، كرزين علقمة وسراقة بن جعشم وحكمت فلسفتهما وعبقريتهما أن آثار الأقدام انتهت إلى غار ثور، ولكنه بعد ذلك لا يدري أيمينا أم يسارا اتجه الركب، أم صعد الجبل٢.
يقول ابن كثير:
اقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه٣.
_________________
(١) ١ الحلبية ج٢ ص٣٨. ٢ المواهب ج١ ص٣٣٠. ٣ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٣٩ راجع المواهب اللدنية ج١ ص٣٣٢.
[ ٦١٤ ]
كان فتيان قريش من كل بطن يحيطون الغار بعصيهم وهراواتهم وسيوفهم وحماسهم وكراهيتهم ومرارة هزيمتهم البارحة، وقال لهم حكماؤهم وفلاسفتهم ووجهاء القوم عندهم: "إلى باب الغار انتهى وقع الأقدام"، فلماذا لم يدخلوا الغار؟
لقد اقترح بعضهم أن يقتحم الغار ويفتشه، ولكن الذكي الألمعي الرائد الفيلسوف العظيم أمية بن خلف قال لهم: وما أربكم إلى الغار إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد؟ ١
لماذا لم يفترض الفيلسوف الماهر أن تلك الراءة والشجرة والحمامتان الوحشيتان سحر من سحر محمد، فيسمح للجيش الجرار المتحمس لتنفيذ قرار برلمان زق الخمر بتفتيش الغار فيا ربما وجدوا أربتهم.
لقد كانوا من الحمق بحيث لا يعقلون ما يريدون، ولا يفهمون ما يودون ألم يقل لهم في مكة ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، فلماذا لم يقدروا على إزالتها وتفتيش ما بداخل الغار؟ لقد أضلهم الله على علم وختم على سمعهم وأبصارهم، فمن يهدهم من بعد الله؟
وعادت قريش:
عاد أعضاء البرلمان الجاهلي الأرضي العبقري وعادت حفالة الشباب الجليد النسيب الفتي، وعادت فلاسفة القيافة والأثر بخيبة أمل لا مثيل لها في التاريخ، ولكن الكفر لا تهدأ ثورة دمه، فإذا ما غلى
_________________
(١) ١ الحلبية ج٢ ص٤٠. ٢ العنكبوت: ٤١.
[ ٦١٥ ]
حقده فلا يهدأ حتى ينسكب على الأرض هدر، فأعلنوا جائزة مالية كبرى لمن يأتي بالركب أسيرا أو قتيلا١، وتظهر عندئذ الأنانية وحب الذات، وتضيع قيمة الرأي العام وتتلاشى قيمة القرار البرلماني الذي اتفق عليه في "زق الخمر"، فلم يكن المهم الآن هو تنفيذ القرار ولكن المهم الأسمى هو الحصول على المنحة "مائة ناقة" رأسمال كبير في صحراء قاحلة، فيا لها من صفقة يسيل لها لعاب الماديين، ويأتي رجل يقول: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفا، إني لآراهم محمدا وأصحابه، ولكن سراقة يريد أن يحظى وحده بالمنحة الكبيرة فيومئ بعينيه للمتكلم: "أن اسكت"، ويوهم على القوم ويمتطي جواده ويريد أن يلحق بالركب الذي تحفه رعاية الله وتحرسه الملائكة وتغشاه الرحمة وتنزل عليه السكينة وتسخر له جنود السموات والأرض ليكون في الأمن والطمأنينة والأنس بالله.
وعلى بركة الله، وعلى نور منه، وهدى وصراط مستقيم ينطلق الركب النبوي المهاجر إلى الله.
النبي الرسول الخاتم رحمة الله للعالمين جميعا.
والصديق الصديق السابق.
وعامر بن فهيرة الحادي للركب الأمين.
_________________
(١) ١ راجع التاج الجامع ج٣ ص٢٦٧.
[ ٦١٦ ]
وعلى رمال الطريق السوي يتهادى أجل موكب: ناقتان تحملان أعظم رجل في الوجود الإنساني كله.
جاء يعلم الناس كرامتهم، ويرد إليهم إنسانيتهم، ويدلهم على الصراط المستقيم، ويضمن لهم سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة لا يريد منهم جزاء ولا شكورا، ولا يكون فيهم ملكا ولا جبارا، ولكنه بالمؤمنين رءوف رحيم.
وينطلق سراقة تدفعه شهوة المال وظمأ الثروة، ويجري وهو يلهث، والركب النبوي تحوطه الرعاية الإلهية حتى يصل الركب إلى دار أم معبد عاتكة١ بنت خالد الخزاعية، فيقيل عندها يوم الثلاثاء ويطلبون منها لبنا أو لحما يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا وقالت لهم: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القرى، فنظر رسول الله -ﷺ- إلى شاة في كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم، فسألها -ﷺ: "هل بها من لبن؟ "، فقالت: هي أجهد من ذلك، فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟ "، فقالت: نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حليبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها، ومسح ضرعها وسمى الله، فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يربض الرهط -أي يشبع الجماعة حتى يربضوا- فحلب فيه ثجا -حلبا قويا- وسقى القوم بعد أن سقى أم معبد حتى رويت ورووا، ثم شرب -ﷺ- آخرهم، وقال: "ساقي القوم آخرهم شربا"، ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللا بعد نهل ثم حلب فيه أخرى وغادره عندها
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٢٣٢.
[ ٦١٧ ]
وذهبوا فيما لبث أن جاء أبو معبد زوجها، فلما رأي اللبن عجب وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا والشاة عازب حبال ولا حلوب بالبيت؟ لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق وسيم قسيم في عينيه دعج وفي صوته صحل أحور أكحل أزج أقرن حلو المنطق١، فقال هذا والله صاحب قريش لو رأيته لاتبعته ولأجتهدن أن أفعل.
قال ابن كثير: قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله -صلى الله عليه وسلم٢.
هكذا يستدل الأصفياء على صدق النبوة بحال النبي -ﷺ- ففي اللحظة التي كان يتسابق فيها سراقة مع هواه، ويسرع من أجل أمنيته كانت أم معبد وزوجها في بحبوحة من الإخلاص والصدق وصفاء من القلب ونظافة من وسوسة الشيطان، لقد أحسا ببركة النبي -ﷺ- فنطقا بهذه البركة واستدلا بها على صدق نبوته فأسلما وهاجرا.
أما سراقة فقد أخلد إلى الأرض واتبع ما وجد عليه آباءه واستمر بفرسه يجري حتى لحق بالركب النبوي الكريم.
ومرى أخرى تلتقي ثورة الأرض بجنود السماء وطغيان العقل ببركة الوحي، وينادي سراقة بن جعشم أصحاب الركب
_________________
(١) ١ راجع معاني هذه الأوصاف كتاب الشفاء ج١ ص٣٢٨ شرحي: علي القاري ونسيم الرياض. ٢ السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٦٣، رجع الحلبية ج٢ ص٥٣.
[ ٦١٨ ]
ليردهم بزعمه، ولكن جنود الأرض التي أخلد إليها تعيبه وتؤدبه وتهزمه وتهزأ به.
يقول ابن هشام:
فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر. قال: فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه، قال: فقال رسول الله -ﷺ- لأبي بكر: "قل له: وما تبتغي منا؟ ".
قال: فقال ذلك أبو بكر.
قال: قلت: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك.
قال: اكتب له يا أبا بكر١.
وباء سراقة بمثل ما رجعت به قريش من قبل، بيد أن كرم النبي -ﷺ- وهو أجود من الريح المرسلة كان أوسع من وعود قريش وأعظم عفوا عن المسيء، فرد سيئات سراقة ووعود قريش الواهية بقرار نبوي صادق تهتز له جوانح سراقة فرحا، ويتيه بها على الزمان فخرا. قال ابن الأثير:
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٨٩، ٤٩٠، راجع الطبقات ج١ ص٢٢٢، المواهب اللدنية ج١ ص٣٤٦ وما بعدها.
[ ٦١٩ ]
فلما أراد أن يعود عنه قال له رسول الله -ﷺ: "كيف بك يا سراقة إذا سورت بسواري كسرى؟ ".
قال: كسرى بن هرمز؟
قال: "نعم".
فعاد سراقة، فكان لا يلقاه أحد يريد الطلب إلا قال: كفيتم ما ههنا، ولا يلقى أحدا إلا رده١.
ويمضي الركب النبوي في أمان الله وعنايته، تنتظره الجماعة الإسلامية الراشدة، ويطول سفر الركب، وتطول فترات الانتظار والقلوب متشوقة، والعواطف منجذبة والعيون تطيل شعاعها إلى آفاق الحرة إلخ.
ولأصاحب بروحي موكب رسول الله -ﷺ- وأشرف بمتابعة وعثاء ركبه بعد أن قال يوم الثلاثاء في قديد، وعاد سراقة بسواري كسرى، وانطلق الركب النبوي إلى طابة تنتظره الوفود الوفية وهي تنشد لحن الوفاء:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع٢
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ ج٢ ص١٠٧، المواهب ج١ ص٣٤٧، راجع الحلبية ج٢ ص٤٨. ٢ المواهب اللدنية ج١ ص٣٥٩ الحلبية ج٢ ص٥٨.
[ ٦٢٠ ]
ويمضي الركب الظافر ليقود الحياة إلى:
عبودية مطلقة لله وحده.
عبودية العقيدة والإيمان.
عبودية التشريع والقانون.
عبودية الأخلاق والعادات.
عبودية القلب والعقل.
عبودية الفرد والأسرة.
عبودية الدولة والمجتمع.
عبودية الحكم فيها لله رب العالمين.
ويمضي الركب الظافر ليحشد للحق أجناده، ويعتد للموقف الفاصل حتى تكون كلمة الله هي العليا، وتخفق الراية الربانية على وجه الأرض كلها:
لا إله إلا الله محمد رسول الله١.
_________________
(١) ١ من مراجع هذا الفصل السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٤٨٠، ٤٩٠، المواهب ج١ ص٣١٨، ٣٤٩، فتح الباري ج٨ ص٢٣١، ٢٤٢، الطبقات الكبرى ج١ ص٢٢٧، ٢٣٢ الخصائص الكبرى ج١ ص٤٦٧، الدرر ص٨٠-٨٨، السيرة لابن كثير ج٢ ص٢٣٣-٢٤٩ الرسول -ﷺ- لمحات من حياته ونفحات من هدية ص١٣٧-١٣٩، الوفاء ج١ ص٢٣٥-٢٤٥، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ج١ ص٤٩٤، ٥١٥.
[ ٦٢١ ]