رد العرب أيديهم في أفواههم ورفضوا دعوة التوحيد متعللين بأنهم وجدوا آباءهم على أمة وأنهم على آثارهم مهتدون، وقد ناقش القرآن الكريم في العهد المكي هذه القضية، وعلى طريقة المنهج القرآني في معالجة القضايا، فقد تصدى إليها، واستوى مناقشا من الجذر الأساسي.
فلم يكن العرب وحدهم هم الذين اخترعوا هذه التعلة: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، بل هي تعلة رددها الذين استحبوا العمى على الهدى، من قبل.
[ ٧٨ ]
لقد قالها قوم نوح:
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
فقد رفض قوم نوح الإيمان بنبوته؛ لأنه لم يأتهم خبر من أسلافهم أن النبوة تكون لواحد من البشر.
وهكذا يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب فلا يهتدي الناس لما بين أيديهم من الحق الواضح لأنهم ما زالوا متشبثين بركام الماضي وأوهامه.
ومن المؤسف أن القرآن يدعوهم إلى التحرر من هذا السجن، ويعلمهم ألا يحيلوا أعذارهم على آباءهم وأجدادهم، بل إن القرآن لينعي على هؤلاء أن أعفوا أنفسهم من مؤنة التفكير والعقل؛ لأنهم ورثوا من آبائهم وأجدادهم عقيدة لا عقل فيها ولا شفاء للصدور٢.
ويا ليت هؤلاء يدركون أنهم جامدون متحجرون، إنما هم يتهمون دعاة التحرر والانطلاق بالجنون أو بالسحر إلخ.
ولما أصر هود على معالجتهم بكل وسيلة أيأسوه وقالوا له:
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ وتعللوا لهذه السخافة٣:
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٤ من سورة المؤمنون. ٢ راجع في ظلال القرآن ج١٨ ص٢٥، التفكير فريضة للمرحوم العقاد ص٢٦، التفكير الفلسفي في الإسلام ص٥٤. ٣ راجع ابن كثير ج٣ ص٣٤٢.
[ ٧٩ ]
وإذن فمثل هؤلاء الجامدين لا يستحقون الحياة ولا العيش فجاءهم نصيبهم:
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
لقد انتهى أمرهم في كلمتين: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ وطوي قوم عاد الجبارون، وطويت مصانعهم، وطوي معهم ما كانوا فيه من نعيم، وما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون١.
وقالها من بعدهم قوم إبراهيم.
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٢.
فلم يكن لهم جواب ولا حجة سوى أنها صنيع آبائهم صنعة الضلال والغي، ويتكرر السؤال:
﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ٣.
فلم يكن لهم جواب غير:
﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٩ ص١٠٤. ٢ الآيتان رقم ٥٢، ٥٣ من سورة الأنبياء. ٣ الآيتان ٧٢، ٧٣ من سورة الشعراء. ٤ الآية رقم ٧٤ من سورة الشعراء.
[ ٨٠ ]
لم تكن لديهم حجة غير أن يكشفوا عن التحجر الذي يصيب المقلدين بلا وعي ولا تفكير١.
إن الإسلام يرفض أن يستخدم الإنسان التعلة بالتبعية لما كان عليه الآباء في مقابل احترام العقل الذي وهبه الله ليكرم الإنسان به نفسه.
وليقوم به الأشياء بقيمها الحقيقة والإيمان بالله هو أسمى الغايات التي يسعى إليها المرء وهم يعترفون بوجود الله إذا ما سئلوا لكن تحجبهم عن حقيقة الإيمان به سلطة العادات وجبرية التقاليد، وفي مقابل هذا يأمر الإسلام الفرد أن يستقل بمستواه العقلي عن الاستبداد الاجتماعي الموروث في التقاليد والعادات، فليس الإنسان تركة تورث وإنما هو إرادة تعمل ولن تبلغ إرادة الإنسان به مستوى التكريم إلا إذا آمنت بالله إيمانا خالصا من شوائب العادات، والتقاليد وجبرية مواريث الآباء والأجداد.
لقد قالوا لسيدنا إبراهيم:
﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ .
نفس المرض الاجتماعي والتعلة الفاسدة التي تعلل بها من قبل قوم نوح وهود ومنذ الزمن السحيق وهذه العلة مرفوضة لأنها قيد وهمي وكابوس خرافي على العقل الممنوح من الله للإنسان ليفكر به ويستقبل به ما يوحيه الله إلى الأنبياء من أجل هدايته.
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج١٩ ص٩١.
[ ٨١ ]
وبعدما تصل المسألة إلى العرب المعاصرين لبدء الوحي فإن القرآن يحاول أن يخلع هذه العادة من جذورها الغائرة في أعماق النفس فيلومهم على ما كانوا يفعلونه قديما من حقوق ابتدعوها على مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله، وأقاموا هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زاعمين أنها تركة من عند آبائهم حللها إليهم الله١، عندئذ يكذبهم الله ويلغي هذه التبعية الباطلة كما جاء في سورة الأعراف:
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وتمضي الآيات المكية تحطم هذا البيت العنكبوتي الذي طمس البصر، وضلل العقل فتنفي آيات سورة لقمان تعللهم بمسلك آبائهم:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣.
إن هذا الموقف استجابة لدعوة إبليسية شيطانية مصيرها العذاب فهل هم سائرون في الطريق وراء آبائهم حتى جهنم؟ إنها لمسة مخيفة
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٨ ص١٥٧. ٢ الآية رقم ٢٨ من سورة الأعراف. ٣ الآية رقم ٢١ من سورة لقمان.
[ ٨٢ ]
مزعجة موقظة منبهة تعيد الرشد إلى فاقد الوعي، ولكن لمن ألقى السمع وهو شهيد١.
وتطيل آيات الزخرف مع القوم مناقشة هذ التحجر البليد:
بل قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.
قال ابن كثير في تفسيرها:
ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة.
ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقتهم إليها أشباههم ونظائرهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل تشابهت قلوبهم٣.
فالقرآن في سورة الزخرف يربط مقالتهم بالمقالات السابقة من الأمم التي أهلكها الله بسبب هذا التحجر المتبلد:
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٤.
فيجلى طبيعة المعارضين عن الهدى إنها طبيعة واحدة تستخدم أسلوبها واحدا ليس هناك حجة لأنهم سدوا منافذ العقل، وألغوا وظيفة.
_________________
(١) ١ راجع حول هذا في ظلال القرآن ج٢١ ص٧٩. ٢ من الآية رقم ٢٢ من سورة الزخرف. ٣ ابن كثير ج٤ ص١٢٦. ٤ الآية رقم ٢٣ من سورة الزخرف.
[ ٨٣ ]
الفكر، وارتبطوا في حبال بالية واهية قائمة حتى ولو جاءهم بما هو أهدى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١.
فهي عقول طمس عليها وقلوب سدت منافذها.
والقرآن يحاون أن يكشف عنها الغطاء ويقطع حبال التبعية الإبليسية فيعقب على مواقف السالفين دائما بعقاب صارخ صارم: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ٢.
﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ .
إنها مقالة الذين يريدون علوا في الأرض وفسادا ولا يحبون الخير والهدى للناس لقد قالها المتعجرفون من آل فرعون وأذنابه إلى سيدنا موسى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
ولهذا فإن القرآن يجاهد في هذه المرحلة ليخلع معاندو الدعوة أغشية العمى وأتمال التقاليد وصدأ المواريث الثقافية التي حملوها أثقالا ثقالا من الآباء والأجداد الذين لا يعقلون، وتلك خطوة رئيسية
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٤ من سورة الزخرف. ٢ الآية رقم ٢٥ من سورة الزخرف. ٣ الآية رقم ٧٨ من سورة يونس.
[ ٨٤ ]
يحاولها القرآن بعد أن أوضح لهم ملة جدهم إبراهيم الذي يدعون النسبة إليه في النسب والتدين، حتى إذا ما انتهى دور التخلية وتجرد المعاندون من الهوى الموروث وتخلصوا من جبرية العادات وتحرروا من عبودية التقاليد صح لهم أن يرجعوا إلى أنفسهم ويشاهدوا دلائل التوحيد والتنزيه.
ولذلك يأخذ القرآن الكريم في تصوير عواقب هذه التبعية لكل الذين يتعللون بما وجدوا عليه آباءهم:
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ، إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ، وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
إنهم أصحاب عراقة في الضلالة؛ ضلالة التقليد والطاعة العمياء بلا دليل ولا تفكير ولا روية.
فذلك مآبهم مزيج من حميم وغساق يشربونه مع الزقوم جزاء اتباعهم لما وجدوا عليه آباءهم من الضلالة دون تفكير أو برهان، فهم على آثار آبائهم يهرولون وهم سفهاء ملعونون٢.
يقول شيخنا فضيلة الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، ولكن العرب قابلوها بصراع فاتخذت الدعوة الإسلامية من أجل هدايتهم أحكم الوسائل.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٦٧-٧١ من سورة الصافات. ٢ راجع ابن كثير ج٤ ص١١ في ظلال القرآن ج٢٣ ص٥٧.
[ ٨٥ ]
نبهتهم إلى أنه ليس من المنطق أن يكون الإلف، وأن تكون العادة، أو العرف مقاسا للحق، فليس من المنطق إذا قيل لهم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أن يقولوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ .
لأنه من الجائز أن يكون آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون.
وليس من المنطق أن يقولوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ .
ثم أضاف الإسلام إلى ذلك تقدير المسئولية الفردية ليجتث بذلك كل محاولة من الفرد لإلقاء التبعة على الجماعة أو على البيئة أو على الآباء والرؤساء.
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ١.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ٢.
ومن ثم فقد آثار القرآن الكريم شعورهم نحو الإحساس بهذه المسئولية فإن فردية التبعة ذات أثر حاسم في الشعور الأخلاقي وفي السلوك العملي، فشعور كل فرد بأنه مجزي بعلمه لا يؤاخذ بكسب غيره ولا يستطيع هو أن يتخلص من كسبه، لهو عامل قوي في يقظة
_________________
(١) ١ الآيتان ٣٨، ٣٩ من سورة النجم. ٢ الآيتان ٧، ٨ من سورة الزلزلة. راجع التفكير الفلسفي في الإسلام ص٥٢.
[ ٨٦ ]
قلبه وعقله ووجدانه ومحاسبة نفسه وفي دفعه للتخلي عن كل أمل خادع في أن ينفعه شيء غير ما عملت يداه.
والآيات القرآنية تصور هذه الحقيقة من جانبين:
جانب أن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ .
وجانب أن الإنسان لا يتحمل وزر الآخرين فلا قلق ولا خوف ولا بأس ما دام قد أدى واجبه بقدر ما يملك وما يستطيع.
إن تعبيرات القرآن الكريم وهي تحاول أن تنقذ العرب المعاندين للدعوة تصور المشهد كأنهم قافلة كل من فيها يحمل أثقال نفسه ويمضي في طريقه وحده واحدا واحدا يسعون حتى الوقفة الحازمة أمام الوزان، وهي وقفة فيها جهد وتعب وهم وثقل وانشغال عن الأهل والأقارب ولا يملك لقريبه عونا فالكل قد شغله حاله وأعيته أثقاله١، ويقول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٢.
ويبرز القرآن الكريم هذه المسئولية في إطار الناموس الكوني والقوانين المستقرة الدائمة ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ .
_________________
(١) ١ راجع ظلال القرآن ج٢٢ ص١٢٤. ٢ من الآية رقم ١٨ من سورة فاطر.
[ ٨٧ ]
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
فكل إنسان قرين ما عمل لا يفارقه، ولا يملك التخلص منه ولا يستطيع كتمانه فهو منشور مكشوف ولا يقدر على تجاهله فهو في عنقه وكفى بنفسه في ذلك اليوم شهيدا على سلوكه.
إنها المسئولية الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه إن اهتدى فلها، وإن ضل فعليها وليس في مقدور أحد أن يخفف حمل أحد ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ٢. ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٣.
ولقد كان ذلك قضاء مبرما وقانونا ثابتا ودينا شرعه الله في صحف إبراهيم الذي وفى.
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ٤.
لقد وفى إبراهيم جد العرب المعاندين بكل التزاماته مع ربه، حتى استحق هذا الوصف المطلق ومن جزئيات ما وفى به وبلغه، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فلا تحمل نفس حمل غيرها لا تخفيفا ولا تثقيلا فلا تطوع بل لا تملك نفس هذا التطوع.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ١٣-١٥ من سورة الإسراء. ٢ من الآية رقم ٢١ من سورة الإسراء. ٣ الآيتان ١٤، ١٥ من سورة القيامة. ٤ الآيتان ٢٨، ٢٩ من سورة النجم.
[ ٨٨ ]
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .
فالله غني عن العباد لا يزيد ملكه بإيمانه ولا ينقص منه شيء لكفرهم.
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ .
يحبه لكم ويعجبه منكم ويجزيكم عليه، وكل مجزى بعمله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ .
وفي النهاية إليه المرجع والمآب:
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١.
هذه هي العاقبة وهذه هو مفرق الطريق ولكل أن يختار عن بينة وتدبر وتفكير، فهل كان لديهم علم أو استعملوا -ولو مرة- والتدبر والتفكر؟
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ٢.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ٧ من سورة الزمر. ٢ الآية رقم ٢٣ من سورة النجم.
[ ٨٩ ]
قال ابن كثير:
"ليس لهم مسند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين"١.
وإذن فهم خلو من المعرفة وهم براء من التفكير والتدبر.
وفي الالتفاتة من المخاطب إلى الغائب "سميتموها" "إن يتبعون إلا الظن" منتهى الاستخفاف بعقولهم فكأن حضورهم لا كحضور فقد ألغوا عقولهم ونكسوا على رؤوسهم فأنى يكون لهم احترام أو تقدير؟ وقد جاءهم من ربهم الهدى، وتستمر سورة النجم في كشف سلوكهم العقلي ومستواهم التفكيري: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ٢.
ليس لهم على صحيح بهذه الدعاوى التي أطلقوها من خيالهم بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع.
والظن أكذب الحديث لا يقوم أبدا مقام الحق ولا يجدي عنه شيئا.
_________________
(١) ١ ابن كثير ج٤ ص٢٠٤. ٢ الآيتان ٢٧، ٢٨ من سورة النجم.
[ ٩٠ ]
فأولى لهم:
أن يخلعوا هذه المواريث:
التبعية للآباء.
الخضوع للعادات والتقاليد.
اتباع الظن الذي لا يغني من الحق شيئا.
أولى لهم، وقد جاءهم من ربهم الهدى، وألا تزر وازرة وزر أخرى، أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟
أولى لهم أن يفكروا، ويتدبروا.
[ ٩١ ]