تدل المرحلة التمهيدية في الباب الأول والثاني١ على أن مرحلة التوعية كانت لها وظيفة هامة في توعية المجتمع؛ لاستقبال الرسالة الخاتمة والحياة الدينية في مكة في هذا الوقت السابق على البعثة كان فيها نظام حنيفي موحد.
والقوم كانوا ينتسبون إلى جدهم الأكبر إبراهيم المسلم الحنيف.
والمنهج الذي ملكته الدعوة له أصالة ذاتية في الحصول إلى ثمار جيدة النوع والمحصول، ولكن قريشا جابهت الدعوة مجابهة عنيدة عنيفة فلماذا؟
لما رفضت قريش دعوة الله؟
أرفضتها عن اعتقاد في عدم صحتها؟
أم رفضتها لأسباب أخرى؟
أما الإجابة على السؤال الأول: فإنها لم ترفض الدعوة اعتقادا في عدم صحتها.
فالوليد بن المغيرة يشهد ويقسم:
والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة٢.
_________________
(١) ١ راجع هذا الموضوع في كتاب: بشائر النبوة الخاتمة سلسلة البحوث الإسلامية. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٧٠.
[ ٤٠٤ ]
وعتبة بن ربيعة يقول لقومه:
قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم١.
والنضر بن الحارث وهو رأس العداء للدعوة يقول لقومه وقد أصابتهم "حيرة وتلجلج": "يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر، لا، والله ما هو بساحر"٢.
وقد أرسلت قريش وفدا منها إلى أحبار اليهود يسألونهم عن محمد -ﷺ- لقد بعثوا وفدا مكونا من عضوية النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، وكلاهما يكن للدعوة والداعية بغضا وكرها ويريد بجدع الأنف أن يصل إليهما بسوء، وسألا أحبار اليهود، فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن، فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم.
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٤. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣٠٠-٣٠٨، راجع الحلبية ج١ ص٣٤٧.
[ ٤٠٥ ]
وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟
وسلوه عن الروح ما هي؟
فإذا أخبركم بذلك، فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم١.
ورجع الوفد وسألوا النبي -ﷺ- ونزل القرآن الكريم حسبما شاء الله أن يوحي إلى نبيه، وعرفوا أنه الحق، ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا.
وإذن فقريش رفضت دعوة الإسلام لا عن اعتقاد في عدم صحتها، ولكنها رفضت الدعوة لعلل وأسباب أخرى يمكن تركيزها في الأسباب الرئيسية التالية:
١- الاستعلاء والتكبر.
٢- جبرية التقاليد والعادات.
٣- العنصرية القبلية أو القومية الخاصة.
٤- جاهلية المقاييس.
٥- الحساسية الخاصة: الحسد، والخوف على مصير الآباء.
٦- ضعف الإرادة أمام تعاليم الإسلام.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٩، ٣٠٠.
[ ٤٠٦ ]
تلك هي جملة من الأسباب التي يمكن أن تفسر لنا لماذا كفرت قريش وردت دعوة الله، وهم يعلمون أنها الحق المبين من ربهم ورب جدهم إبراهيم ﵇.
١- الاستعلاء والتكبر:
في أوبة من رحلة بعيدة دار حديث بين أمية بن أبي الصلت، وأبي سفيان بن حرب.
قال أمية لأبي سفيان:
يا أبا سفيان هل لك أن تتقدم على الرفقة فنتحدث؟
قال أبو سفيان: نعم.
وفعلا الرجلان وتحدثا عن شأن النبوة القادمة المنتظرة.
قال أمية: إني كنت أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه فكنت أظن، بل كنت لا أشك أني أنا هو، فلما دارست أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف، فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحدًا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة، فلما أخبرتني بسنه عرفت أنه ليس هو حين جاوز الأربعين ولم يوح إليه.
قال أبو سفيان: فضرب الدهر ضربة فأوحى إلى رسول الله -ﷺ- وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة، فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية قد خرج النبي الذي كنت تنعته؟
قال: أما أنه حق فأتبعه.
قلت: ما يمنعك من اتباعه.
[ ٤٠٧ ]
قال: ما يمنعني إلا الاستحياء من نساء ثقيف إني كنت أحدثهن أني هو ثم يرينني تابعا لغلام من بني عبد مناف١.
إنه الحسد والكبر إنه كان يريد أن يكون هو النبي، وأراد أن يكون النبي من قبيلته، ثم هو يتكبر أن يتبع محمدا -ﷺ- خوفا على كبريائه من فتيات قريش يعيرنه أنه صار تابعا بعد أن كان يدعي أنه النبي المنتظر.
واستمع رجال ثلاثة من قريش إلى النبي -ﷺ- في جوف الليل، وهو يصلي ويقرأ القرآن وعاودوا هذه المرة ثلاثا دون اتفاق منهم على اللقاء على الرغم من اتفاقهم على عدم العودة وهؤلاء الثلاثة هم: أبو سفيان بن حرب وأبو جهل والأخنس ابن شريق.
فلما كانت المرة الثالثة وتعاهدوا ألا يرجعوا إليها ذهب الأخنس بن شريق يسأل أبا جهل رأيه فيما سمع، فقال أبو جهل:
"ماذا سمعت: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه"٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص١٢٩، ١٣٠. ٢ السيرة لابن هشام ج١ ص٣١٦، راجع الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٦.
[ ٤٠٨ ]
هي عنصرية قبلية وحسد قومي واستعلاء وتكبر أن يخضع بنو مخزوم لبني عبد مناف، ولكن الرسالة أسمى من كل ما جال في خاطر أبي جهل١.
ومرة أخرى يتنفس أبو جهل الصعداء، ويقول وهو محموم الصدر إلى الوليد بن المغيرة:
والله إني لأعلم أنه صادق.
فقال له الوليد: "مه" وما دلك على ذلك؟
قال: يا أبا عبد شمس كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تم عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن؟ والله إني لأعلم أنه صادق.
قال الوليد: فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به.
قال أبو جهل: تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدا.
إن أبا جهل يخشى بنات قريش كما كان يخشاهن أمية أنه ترفع تدفع إليه مقاييس عاطفية تضع في حسابها كلام النساء، فترتعد منهن وتتأبى على الله ورسوله من أجل كلامهن فما أبخس المقياس، وما أتعس حظ الجاهلين:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا، اسْتِكْبَارًا
_________________
(١) ١ تفسير المراغي ج٢٥ ص١٥٧.
[ ٤٠٩ ]
فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ١.
٢- جبرية العادات والتقاليد:
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ ٢.
﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ ٣.
كانت الدعوة الإسلامية نقلة جديدة لحياة الإنسان في التصور والسلوك في العقيدة والأخلاق والمعاملات، وقد درج الأولون على أسلوب خاص ارتبط في أذهانهم ومشاعرهم بالمواريث الاجتماعية التي يمجدون فيها الآباء والأجداد.
فإذا تليت عليهم آيات الله البينات قالوا:
﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ٤.
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ٥.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية من رقم ٤٢، ٤٣ من سورة فاطر. ٢ الآية رقم ٥٣ من سورة الأنبياء. ٣ الآية رقم ٧٤ من سورة الشعراء. ٤ من الآية رقم ٤٣ من سورة سبأ. ٥ من الآية رقم ٢٨ من سورة الأعراف. ٦ من الآية رقم ٢١ من سورة لقمان.
[ ٤١٠ ]
إنهم دائما يتعللون:
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١.
وقد ظهر ذلك في سلوكهم وأقوالهم:
كان عتبة بن ربيعة سيدا في قومه قال لهم يوما وهو جالس في نادي قريش:
يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فقالوا له: بلى يا أبا الوليد قم إليه فكلمه٢.
وقام عتبة وعرض ما عرض على رسول الله -ﷺ- حتى إذا فرغ، قرأ عليه النبي -ﷺ- آيات من سورة "فصلت" وصغى إليها عتبة جيدا وعاد إلى قومه، وقد هش وجدانه وبش قلبه يتذوق ما لحلاوة الإيمان، ولكنه ما أسلم ولا آمن ولا رضي عنه، لأنه أوثق نفسه بأغلال ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
وكذلك شأن الوليد بن المغيرة ريحانة قريش ووحيدها في الشرف والسؤدد، اجتمع إليه نفر من قريش وقد حضر الموسم فقال لهم:
يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا
_________________
(١) ١ الآية رقم ٢٢ من سورة الزخرف. ٢ السيرة لابن هشام ج ١ ص ٢٩٣.
[ ٤١١ ]
ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به.
قال: بل أنتم فقولوا أسمع؟
قالوا: نقول كاهن.
قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه.
قالوا: فنقول مجنون.
قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.
قالوا: فنقول شاعر.
قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول ساحر.
قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول
[ ٤١٢ ]
فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك١.
الآن يثبت الوليد بن المغيرة صفة السحر مع أنه كان قد نفاها ونفى كل صفة قدمها القوم من قبل وحكم بأنهم لن يقولوا قولا مما قالوه إلا عرف بأنه باطل، ثم وصف القرآن بأن له الحلاوة وأن فرعه لجناة إلخ.
فلماذا انتكس الوليد؟
لقد انتكس كما انتكس ابن أخيه أبو جهل في حمأة التقاليد وجبرية العادات، فما استطاعوا أن ينقبوها ليخلصوا إلى دين الله الحق المبين.
٣- العنصرية القبلية "القومية":
كان أمية بن أبي الصلت ينتظر نبوة في العرب لقد كان يتمناها لنفسه، فلما بعث رسول الله -ﷺ- أخبره أبو سفيان بن حرب صديقه ونديمه ثم سأله:
فأين أنت منه يا أبا عثمان؟
فقال أمية: والله ما كنت لأؤمن برسول من غير ثقيف أبدا٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٧٠، ٢٧١، راجع الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨١. ٢ الحلبية ج١ ص٣٥٦.
[ ٤١٣ ]
إنها كلمة الجاهلية: لكذاب ربيعة خير عندي من صادق مضر.
هي الداء الذي يعانيه الحق وأنصاره من العاطفيين القوميين أو العنصريين الأرضيين.
وكان لأبي جهل مثل هذا المنطق فيما يرويه المغيرة بن شعبة قال:
إن أول يوم عرفت رسول الله -ﷺ- إني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله -ﷺ- فقال رسول اللهﷺ- لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هل إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى الله".
فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل أنت تريد أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك.
إنه يقسم بالله أنه لو كان يعلم أن ما يقوله محمد -ﷺ- حق لاتبعه، فهل هو لا يعلم أنه حق؟ فلنرجع إليه ثانية لنراه بماذا يعقب على مقاله هذا في حديثه مع المغيرة حسبما يروي؟
فانصرف رسول الله -ﷺ- وأقبل علي فقال:
والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء أن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء،
[ ٤١٤ ]
فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي والله لا أفعل١.
إن أبا جهل يؤكد معرفته للنبوة وأن ما يقوله رسول الله -ﷺ- حق مشهود له، ولكنه ما زال يردد عصبيته لقومه وقبيلته، وأن النبوة شرف ضاع من بني مخزوم كما ضاع من بني ثقيف.
إن أبا أمية وأبا جهل معا يعرفان أن محمدًا رسول الله حقا وصدقا، ولكن قوميتهما وعنصريتهما وتعصبهما لقومهما أضاع عليهما نعمة الإيمان وحلاوة الإسلام.
٤- جاهلية المقاييس:
أ- اقتراح نبي خاص:
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٢.
لقد كان رسول الله -ﷺ- من ذؤابة قريش، ثم كان من ذؤابة بني هاشم، وبنو هاشم في العلية من العرب، وكان رسول الله -ﷺ- سناما في الذؤابة العلية معروفا بسمو الخلق في بيئته قبل البعثة، لكنه ما كان زعيم قبيلة، ولا كان رئيس عشيرة لم يكن واحدا في مشيخة العرب وبيئتهم تعتز بمثل
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٦-٥٠٧، راجع حول هذا كتاب تاريخ مكة السباعي ص٤٨ وما بعدها. ٢ الآية رقم ٣١ من سورة الزخراف.
[ ٤١٥ ]
هذه القيم فاعترضوا بقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وذلك تخبط في القيم والموازين، فاختيار الأنبياء واصطفاؤهم فضل يؤتيه الله ﷿ لمن شاء من عباده ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، وقد شاء الله جل شأنه أن لا يجعل لهذه الرسالة الأخيرة سندا من خارج طبيعتها ولا قوة من خارج حقيقتها، فاختار لها رجلا ميزته الكبرى الخلق، وهو من طبيعة هذه الدعوة، وسمته البارزة التجرد، وهو من حقيقة هذه الدعوة.
لم يختره ولم يجعله زعيما لقبيلة ولا رئيسا لعشيرة ولا صاحب جاه أو ثراء، حتى لا تلتبس قيمة من قيم هذه الأرض بقيم الدعوة الربانية النازلة من السماء، ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلى هذه الأرض لا تتفق مع حقيقتها في شيء، ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة، ولكي لا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف.
ولكن القوم كانت قد غلبت عليهم مقاييس الأرض، وضلوا في شعاب هذه المقاييس، فلم يدركوا الدعوة، فخلطوا في القيم والموازين: قيم الأرض وموازينها وقيم الدعوة وموازينها، وظنوا أن الوحي ينزل على هواهم فاقترحوا أحد رجلين للرسالة: الوليد بن المغيرة عم أبي جهل أو عروة بن مسعود الثقفي١، فرد الله عليهم موازينهم.
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؟
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٤٧.
[ ٤١٦ ]
يا عجبا ما لهم هم ورحمة الله وهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ولا يحققون لأنفسهم رزقا؟ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١.
فحتى رزق هذه الأرض الزهيد نحن الذين أعطينا هم إياه، وقسمناه بينهم وفق حكمتنا وتقديرنا لعمران هذه الأرض ونمو الحياة٢.
فما بالهم يدسون أنوفهم في نعمة عليا، اصطفى الله جل شأنه لها من ربى لها وأعد لرسالتها، وكانت له منذ الأزل، وكان هو لها منذ كان علم الله العزيز الحميد.
لقد كان القوم يعيشون في ظل مقاييس الجاهلية؛ إن الرياسة مرتبطة بالجاه والثروة، وإن الشرف بالأغنياء فقط، فضلوا بذلك عن سواء السبيل، وتلك واحدة من أسباب إعراض قريش عن دعوة الله.
الخوف من الضياع الاجتماعي والاقتصادي.
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٣٢ من سورة الزخرف. ٢ راجع في ظلال القرآن ج٢٠ ص٧٦، ٧٧. ٣ الآية رقم ٥٧ من سورة القصص. .
[ ٤١٧ ]
قال الواحدي:
"نزلت في الحارث بن عثمان بن عبد مناف، وذلك أنه قال للنبي -ﷺ- إنا لنعلم أن الذي تقول الحق، ولكن يمنعنا من اتباعك أن العرب تتخطفنا من أرضنا لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم١.
قال الخازن: نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه قال للنبي -ﷺ- إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك على دينك خفنا أن تخرجنا العرب من أرض مكة، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ .
وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضا وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم٢.
فهي نظرة سطحية أرضية محدودة تمليها المقاييس الجاهلية وتوحي بها شيطانية الفروض العقلية والهوى النفسي.
فهم لا ينكرون أن الذي جاء به محمد هو الهدى ولكنهم يخافون.
مجرد خوف.
مجرد ظن.
_________________
(١) ١ أسباب النزول للواحدي ص٣٥٣، راجع روح المعاني ج٢١ ص٩٧، تفسير الطبري ج٢١ ص٩٤، سيرة الرسول ﷺ دروزه ج١ ص٢٢٠. ٢ الخازن ج٥ ص١٧٨، راجع تفسير ابن كثير ج٣ ص٣٩٥.
[ ٤١٨ ]
مجرد شعور كاذب، يخافون أن يتخطفهم الناس، إنهم كانوا أيام الجاهلية في أمان ورد الله أبرهة الأشرم عن البيت الحرام، وهم يومئذ في تشوش من التوحيد، ومع هذا فقد آنسوا فضل الله ورحمته. إنه وحده الحامي وهو وحده المدافع.
وإن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطف ريشة من جناح طائر ما لم يأذن بذلك الله، وهي في كنف الله وفي رحاب البيت العتيق، فلماذا يخافون أن تتخطفهم الناس؟
إن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذ خذلهم الله، وهي كذلك لا تملك أن تضرهم إذا نصرهم الله.
إن العلة هي أن الإيمان لم يخالط قلوبهم، ولو خالطهم لتبدلت نظرتهم لمفهوم القوى، ولاختلف تقديرهم للأمور، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه. وأن هدى الله موصول بالعزة، وأن هذه الوصلة حقيقة منشؤها أن الله هو الخالق، وهو المدبر، والذي يتبع هداه يستمد منه العون والحول والقوة، ويأوى بذلك إلى ركن شديد في واقع الحياة١.
٢- احتقار صنف من الناس:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٢ ص٨٠، ٨١. ٢ الآية رقم ١١ من سورة الأحقاف.
[ ٤١٩ ]
قال في المواهب:
كان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء واتباعهم لو كان ما أتى محمدًا خيرا وحقا ما سبقونا إليه، أفتسبقنا زنبرة إلى رشد؟ ١ لقد كان إسراع الفقراء والموالي إلى الإسلام مغمزا في نظر الكبراء المستكبرين فراحوا يقولون: لو كان هذا الدين خيرا ما كان هؤلاء أعرف منا به ولا أسبق منا إليه، فنحن في مكاننا وسعة إدراكنا وحسن تقديرنا أعرف منهم بالخير.
لقد كان الاعتزاز الأجوف بالمراكز الاجتماعية والمنازل الاقتصادية
حاجبا لهذه الحفنة من الإيمان، وهو تصور لا يتفق مع معايير الإسلام، فإن الحقيقة التي يجاهد الإسلام في تركيزها في تصور البشر أن تستمد الأرض موازينها من الدعوة من السماء من عند الله، وهو أمر عظيم جدا عسير على الناس أن يتقبلوه إلا بمعركة، كانت العقيدة هي بدؤها حتى يخلص الناس لربهم ويتطهروا من قيم الأرض، وجلابيب العادات والتقاليد.
إن الميزان الذي ثقل على القوم هو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
فهي القيمة الحقيقية التي يزن بها الإسلام أقدار الناس، وهي المعيار الذي يتفاضل الناس به، وما سوى ذلك فهو قتاد لا وزن له ولا معنى وإذن فقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ﴾ تعلة مرتبطة
_________________
(١) ١ المواهب ج١ ص٢٦٩.
[ ٤٢٠ ]
بجاهلية المقاييس التي لا تقرها قواعد، ولا تقيم لها وزنا، وقد قالها الذين كفروا من قبل فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.
٥- الحساسية:
أ- الحسد. يقول ابن هشام:
فلما جاءهم رسول الله -ﷺ- بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدّث، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه، فعتوا على الله، وتركوا أمره عيانا، ولجوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم:
﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه يوما غلبكم١.
كان التطلع إلى الشرف عامل من عوامل الانحراف، قوته مقاييس الجاهلية الأولى واستقبلته بعض النفوس بالأنانية السوداء المردية، وكان من صورتها ومن ضحاياها أمية بن أبي الصلت الذي ردد في شعره توحيدا خالصا، وتمنى نبوة تخبره بما بعد الموت:
ألا رسول لنا منا يخبرنا ما بعد غايتنا من رأس محيانا٢
ولكنه يكفر لأن النبوة لم تنزل عليه.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٣١٣. ٢ السيرة لابن كثير ج١ ص١٣٣، ١٣٤، راجع كتابنا: بشائر النبوة الخاتمة. سلسلة البحوث الإسلامية.
[ ٤٢١ ]
قال ابن كثير: إن أمية قدم المدينة بعد بدر يريد لقاء رسول الله -ﷺ- فلما قيل له إن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما ابنا خاله قد قتلا في غزوة بدر، وهما الآن يرقدان في القليب جدع أذني ناقته وقطع ذنبها وتهيج بشعر سفيه، ثم رجع إلى مكة وترك الإسلام١.
فيالها من تفاهة وياله من صدأ يفسد النفس التي نطقت غابرا بالتوحيد، فلما جاءها الحق الذي تعرفه حسدت الناس على ما أتاهم الله من فضله.
وما تزال الدعوة الإسلامية حتى يومنا هذا تعاني من هذا الداء الدفين "الحسد" وما أتى الله به بعض دعاته من التوفيق لخدمة رسالة نبيه محمد بن عبد الله -ﷺ- فهل لهؤلاء إلى خروج من سبيل؟
ب- الخوف على آبائهم في الآخرة: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ ٢.
كانت هذه الآيات ونظائرها مما يصور اليوم الآخر، وما فيه من عذاب شديد للكافرين تزعج قلب الرجل المكي؛ لأنه مرتبط في تدينه الوثني بما كان عليه الآباء والأجداد.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص١٣٣، ١٣٤. ٢ الآيات من رقم ٣٣-٤٢ من سورة عبس.
[ ٤٢٢ ]
فكانت تتزلزل قوائم عقله إذا تتلى عليه آيات فيها مصير الذين مضوا على الكفر، وهي مغالطة سول لهم الشيطان بها أن يجابهوا الدعوة ويكذبوها حتى يسلم آباؤهم من هذا الوعيد الشديد.
لقد كانت المشاعر المنحرفة والعقلية الخطابية تريد أن تقاوم الدعوة بهذا الفقه الأعرج الأعمى؛ لتقنع نفسها أن آباءهم الذين مضوا كانوا على شيء من الدين، وتلك حساسية جوفاء فإن الرسالة الإسلامية قد قررت:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١.
وذلك قانون نظمته الدعوة حتى تخف هذه الحساسية المرهفة نحو الآباء الذين ماتوا قبل البعثة، وكانوا في حياتهم على ضلالة لعدم بعث رسول يهديهم إلى طريق الصحيح.
وهي فرصة نفسية تقدمها الدعوة ليتعرفوا منها على حقيقتها وطبيعتها؛ لينقذوا أنفسهم من الظلمات والجاهلية التي يتخبطون فيها، ولكنهم حلوا وزينوا لأنفسهم التعلل بما كان عليه الآباء وزينوا لأنفسهم بالمغالطة مجابهة الدعوة؛ لينقذوا آباءهم من يوم القيامة وما أعد فيه للكافرين فضروا أنفسهم بذلك في معمعة الشيطان، وغمرتهم الإبليسية بموجها العاتي، فغرقوا في الضلالة ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٥ من سورة الإسراء.
[ ٤٢٣ ]
٦- ضعف الإرادة أمام سمو التعاليم الإسلامية:
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ١.
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٣.
لقد كانت تعاليم الإسلام ومبادئ الدعوة في هذا العهد المكي تنقية كاملة للإنسان من أوشاب الشرك وأوشاب الخرافة، وتنقية للمجتمع من ضلالات الجاهلية، وتنقية للحياة كلها من عبودية العباد، واتجاه بالحياة كلها إلى الله وحده.
لقد كان الشرك في كل صوره هو المحرم الأول وهو المنكر الأول.
_________________
(١) ١ الآيتان ٨، ٩ من سورة التكوير. ٢ الآيتان ٥٨، ٥٩ من سورة النحل. ٣ الآيتان ١٥١، ١٥٢ من سورة الأنعام.
[ ٤٢٤ ]
وكان التوحيد على إطلاقه هو القاعدة الأولى التي لا غنى عنها ومن أجل ذلك جاءت تنقية الإنسان عقلا وقلبا، وتنقية المجتمع والحياة جميعا في ظلال هذا التوحيد، والخضوع الكامل لله وحده، فالتوحيد هو القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بربه على بصيرة، وترتبط بها الجماعة بالمعيار المستقر العادل، فلا تطل فيها شهوة تعكر الأمن والإيمان، ولا تبرز نزوة تفسد المجتمع والحياة.
وكانت تلك النقلة تعني إقامة العدل لكل من في الحياة، وهو عدل قائم على أساس أن الله وحده هو المتصرف في الكون، وهنا تتصاغر النفوس التي تحب النشوز عن ربقة الخضوع لله، وتنطلق في حرية الفوضى والانزلاق لتعيش مع الشيطان والهوى، وترد دين الله ودعوته.
ولا تزال النفوس حتى اليوم وفي داخل الجماعة الإسلامية ترتعب من حكم الإسلام؛ لأنه قيد على انحرافاتها، وعدل يفضح ظلمها، وكمال يغطي نقصها ورحمة تخزي قسوتها وسمو يصغر نقصها.
ولقد تصاغرت نفوس الكفار أمام هذا السمو الجليل لمبادئ الدعوة.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
[ ٤٢٥ ]
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ١.
ولكنها أثقال على نفس الكفرة ناءت بحملها، فتثاقلوا إلى أرض الهوى ووكر الشيطان فكفروا بأنعم الله، وصدوا عن سبيله، فخطوا بذلك معالم الطريق التي تبدوا دائما كظاهرة في العمل لنشر دعوة الله.
_________________
(١) ١ الآيات من رقم ٦٣-٧١ من سورة الفرقان.
[ ٤٢٦ ]