إن التفكير وسط الازدحام على الأغلب فيه تشويش على الخاطر وتعويق للفهم وتخليط في الكلام١، والتفكير مع الجماعة مقيد متهم فقد يكون في الجماعة منحرف يخشاه الفرد وقد تكون الجماعة متخلفة عن الفرد فتتهمه بعيب، كيف إذن يتم النظر؟
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٢.
فهي أولا تجريد من الهوى والرأي الشخصي والتبعية لأهواء الآباء والأجداد إنها تحرر من كل قيد على النفس والعقل وتبرئة من المصلحة الخاصة، فهي قومة بعيدة عن ملابسات الأرض، بعيدة
_________________
(١) ١ روح المعاني ج٢٢ ص١٥٤. ٢ الآية رقم ٤٦ من سورة سبأ.
[ ١٦٥ ]
هواتف الحاجة ودوافع الأنانية تلك التي تشتجر في القلب فتنئيه عن رحاب الله.
إنها قومة بعيدة عن التأثر بالتيارات البيئية والمؤثرات المشحونة بها الجماعة البشرية.
إنها دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط لا مع الأقيسة والقضايا والدعاوى التي تروج في وسط المجتمعات، ولا هي عبارات مطاطة تبعد العقل أو القلب أو الوجدان عن مواجهة الحقيقة في بساطتها وقربها ووضوحها، دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي البريء من آفات التعصب، السليم من أمراض المجتمع، دعوة بعيدة عن الضجيج والخلط واللبس والتشدق والاضطراب والغبش الذي يحجب الفطرة ويحجب صفاء الحقيقة، إنها وقفة أو قومة واحدة إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق.
إنها أن تقوموا لله، لا لغرض، ولا لهوى، ولا لمصلحة، ولا لقبيلة، ولا لقومية، ولا لمال، ولا لجاه، ولا لملك، لا لشيء من مثل الأرض، وإنما هي قومة خالصة متجردة لوجه الله.
ثم يفكروا ويتدبروا بعيدا عن المؤثر الخارجي فليعيشوا أثناء التدبر في مواجهة خالصة مع الحقيقة القائمة.
تدبر خاص في جو خاص يضمن للتفكير سلامته وتجرده ويكفل للمفكر حريته أن تقوموا لله مثنى وفرادى.
[ ١٦٦ ]
مثنى ١:
ليراجع الصديق صديقه في إخلاص وأمانة ويأخذ معه ويعطي في غير ما تأثر بعقلية الجماهير الفوضوية الغوغائية التي تهرع وراء الانفعال الطارئ الخاطئ ولا تستعد لتسمع حجة ولا تقبل أن تبدأ لتنصرف بالتي هي أحسن.
وفرادى:
مع النفس وحدها في مقابلة ذاتية يحاسب المرء نفسه يمحص الحقائق في عمق وهدوء. يقلب القضايا، يسترجع التاريخ. يقارن التصرفات.
ما بصاحبكم من جنة؛ فما عرف عنه إلا العقل الراجح والرزانة الوقورة والتدبير الموزون لقد كان قبل بعثته الأمين على الأسرار والودائع، وكان أشرف الناس خلقا وأجودهم سخاء وأنبلهم سلوكا.
لقد كان فوق القمة من الأخلاق والسلوك والمروءة والشجاعة ولم يعرف عنه غير ذلك البتة.
وما يقوله الآن بعد البعثة ليس شيئا يدعو إلى التظنن برشده وعقله، إن هو إلا قول رسول كريم.
_________________
(١) ١ توصلت أخيرا الدراسات الاجتماعية في جامعة أيروا إلى أن ديناميكية الجماعة الثنائية التي أطلقوا عليها اصطلاح: جماعة الطنين تفوق في إمكانياتها الطرق الأخرى؛ لأنها عملية بالنسبة لأهداف الجماعة وديموقراطيتها واشتراك الأفراد في المناقشة المطلوبة، راجع ص١٩٩ القيادة وديناميكية الجماعات؛ ترجمة للدكتور العريان وشهاب، وبهذا يكون القرآن قد قدم أصلح أنواع الجماعات الإنسانية من قبل البحث الاجتماعي الحديث كوسيلة لتطبيق المنهج.
[ ١٦٧ ]
إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد، إنه هاتف يحذر من حريق يكاد يعم قبيلتهم، القبيلة كلها، وهو لمس على شغاف القلوب لعلها تلين١.
هكذا تتحدد في سهولة ويسر طريقة استخدام المنهج:
١- أن يقوموا لله قومة صادقة.
٢- أن يتجردوا في هذه القومة من كل مؤثر خارجي أو أناني.
٣- أن يتكاشف الصديقان بإخلاص.
٤- أو أن يحاسب الفرد نفسه ويكاشف سريرته.
فسوف يسمعون جميعا النداء الحق الأمين ﴿أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ .
_________________
(١) ١ راجع في ظلال القرآن ج٢٢ ص٩١، راجع ابن كثير ج٣ ص٥٤٣، راجع تفسير الطبري ج٢٢ ص١٠٤، ١٠٥ط ثانية.
[ ١٦٨ ]