"أفرغت يا أبا الوليد؟ ".
بهذا الأدب الجم واستعمال الكنية في مخاطبة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وبنداء رخي هادئ يتحدث الرسول -ﷺ- إلى عتبة مجيبا عليه بعد أن تحدث طويلا، وأفرط في الحديث، وذكر كلاما يثير الحليم ويهيج العفيف ويغضب الحر. لقد تحدث عتبة بكلام بذيء غير موقر، لقد عرض فيما عرض على النبي -ﷺ:
"أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا وأخذا.
وإن كان إنما بك من الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا"١.
هذا عرض رجل جاهل لا يعرف أقدار الناس، ولا منازل الرجال، فقد عرفت قريش محمدا -ﷺ- في شبابه أعف الرجال
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج٣ ص١٤٩، الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٣، الوفا بأحوال المصطفى ج١ ص٢٠١.
[ ٢٤٥ ]
نفسا وأطهرهم قلبا وأنقاهم خاطرا وما هفا هفوة صغيرة، فقد عصمه الله، وكان هو الأمين وحده دون سائر شباب قريش وشيوخها أجمعين.
لقد كان أرضاهم وهو صغير، فماذا حدث لعقولهم بعد أن جاءهم بالروح الأمين؟
مقالة شنعاء، وقحة، بذيئة، جافية، جامدة، عمياء، قالها عتبة بن ربيعة ويستحق في مقابلها ردا مساويا لها جفوة وقسوة وإيلاما، ولكن الداعية الأول -ﷺ- يقدم في رده برهانا على أنه لا يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه.
لقد أبرز النبي -ﷺ- مبادئ الدعوة في رده "أفرغت يا أبا الوليد" في هدوء هادئ، واتزان رزين، وصفح كريم، وعفو صادق.
يقولها رسول الله -ﷺ- معلنا بها أن مبدأ العمل مع الجماعة في نظر الدعوة هو مطابقة سلوك الداعية إلى المبادئ الإسلامية، فتلا عليه القرآن حتى وصل إلى قوله تعالى:
﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ .
فأمسك عتبة بفم رسول الله -ﷺ- خوفا من نزولها، فإنه يعلم أن محمدا لصادق، وأنه ما كذب أبدا، فبات ذلك في التاريخ شهادة عليه، وأن ساعة أن عرض ما عرضه على النبي -ﷺ- كان غير كريم السجية، وغير صادق في مسعاه، وأن رد النبي -ﷺ- بات في سجلات التاريخ
[ ٢٤٦ ]
شهادة رائعة الدلالة على أن الإسلام ما يرجو للبشرية إلا خيرا يحقق لها السعادة والأمن والتكريم١.
ولم يكن ذلك الحلم مرة واحدة لقد كان منهجا في أسلوب العمل للدعوة، لقد ذهب رسول الله -ﷺ- إلى الطائف يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وهي دعوة صريحة في احترام الإنسان نفسه وتوقيره لذاته أن يتوجه بالعبادة إلى الله الحق الذي يملك السموات والأرض، وترفع الإنسان عن الانحطاط الذي يزاوله بالسجود إلى حجر أو خشب صنعه بيده، ثم هو لا يملك لنفسه قطميرا من خير أو شر، وهي دعوة تتفق مع العقل العادي الذي يفكر تفكيرا عاديا مستقيما، وكذلك هي دعوة إلى الحق فيما كان عليه الآباء الأطهار سالفا قبل الانحراف الذي جره عمرو بن لحي٢، ولكن القوم آذوا رسول الله -ﷺ- بصورة شنيعة قاسية لا تتفق مع الواجبات الأخلاقية لضيف أو قريب أو عابر سبيل.
لقد سلطوا عليه سفهاءهم وعبيدهم، فجعلوا يسبونه، ويصيحون به، ويرضخونه بالحجارة حتى أدموا رجليه، وهم يضحكون.
السلوك العادي هنا أن تنفجر النفس غيظا وحنقا، وأن يود الإنسان أن لو كان معه قوة السماء والأرض لينتصر لنفسه من هذه الأهزوءة
_________________
(١) ١ راجع القصة في السيرة لابن هشام ج١ ص٢٩٥، السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٤، ٥٠٥، المواهب اللدنية ج١ ص٢٥٦، السيرة الحلبية ج١ ص٢٣٩، الوفا ج١ ص٢٠١، الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٣، ٢٨٤. ٢ الحلبية ج١ ص١١.
[ ٢٤٧ ]
التي فعلها قوم ثقيف، وتأتي قوة السماء بجنودها وتستأذن رسول الله -ﷺ- في أن تطبق الأخشبين على قوم ثقيف، وهذه القوة إذ تأتي إنما تأتي في لحظة حرارة النفس والموقف ما زال ملتهبا، وتأتي وهي تقص عليه الوقائع التي حدثت كأنما تعلل مجيئها بإقامة العدل.
إن الله قد سمع قول قومك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
ويقول ملك الجبال للنبي -ﷺ:
أنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بما شئت، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين١.
ولكن الإسلام دعوة لصلاح الناس، والنبي -ﷺ- رحمة للعالمين، فهل تبقى المبادئ الإسلامية نظرية فقط؟ هنا يأتي دور التطبيق فيقول النبي -ﷺ:
"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا" ٢. ويصفح رسول الله الصفح الجميل ويدعو دعاء
_________________
(١) ١ هما جبلان تارة يضافان لمكة وتارة يضافان لمنى، فيقال: أخشبا مكة وأخشبا منى، وهما أبو قيس وقعيقعان "بالتصغير" ويسميان أيضا الجبجبان. راجع الشفا شرح نسيم الرياض ج٢ ص٨٢. ٢ الشفا ج٢ ص٨٢ الدرر ص٦٧، ٦٨، الحلبية ج١ ص٣٩٥-٣٩٦، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٥٢، المواهب اللدنية ج١ ص٢٩٨، الخصائص الكبرى ج١ ص٤٥٢، مسلم ج٣ ص١٤٥٠، ١٤٥١.
[ ٢٤٨ ]
نديا رخيا أخاذا بالنفس، والمشاعر والوجدان يعلم الداعية في كل زمن كيف يكظم غيظه، ويعفو عن قومه ويدعو ربه:
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب، فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" ١.
وحق لملك الجبال أن يقول للنبي -ﷺ: أنت كما سماك ربك رءوف رحيم٢.
وصدق صاحب الهمزية:
جهلت قومه عليه فأغضى وأخو الحلم دأبه الإغضاء
وسع العالمين علما وحلما فهو بحر لم تعيه الأعياء
ولم يكن ذلك في مكة فقط، وهي موضوع الحديث والدراسة، بل إن هذا المنهج استمر مع الدعوة في كل ظروفها يخلصها لله، ويجعل
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٤٢٠، تاريخ الطبري ج٢ ص٣٤٥. ٢ الحلبية ج١ ص٣٩٦.
[ ٢٤٩ ]
كل حركة فيها ابتغاء وجه الله، ويبرهن في كل مصيبة يأتي بها الأعداء أن الدعوة ما تقصد إلا تكريمهم وتوقيرهم وإعزازهم واحترامهم، ففي الشفا:
روي أن النبي -ﷺ- لما كسرت رباعيته وشج وجهه الكريم يوم أحد شق ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوت الله عليهم.
فقال ﵊:
"إني لم أبعث لعانا ولكن بعثت داعيا ورحمة، اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون" ١.
إنهم حقا لا يعلمون طريق الحق فما زالوا في غواية النفس، ولا يعرفون قدر النبي -ﷺ- فما زالوا في حجاب من الجاهلية الأولى ولا يعرفون حقيقة الإسلام فقد طمسوا قلوبهم بثقافة الأجداد، وجعلوا على سمعهم ختما، وران على قلوبهم ما كان به يأفكون.
لقد كان السلوك المطابق هو منهج العمل مع الجماعة الذي كان يوصي به رسول الله -ﷺ- القيادة التي تحمل معه في حقل الدعوة الإسلامية مسئولية العمل، لما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي وعاد إليه قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأبطئوا عليه، فأنف الطفيل منهم ذلك الإبطاء، فهو رجل وجيه في قومه وإنه للبيب ذكي مشهور بالألمعية
_________________
(١) ١ الشفا ج١ ص١٤.
[ ٢٥٠ ]
والفطنة والرجاحة، وما كان يظن أن قومه يلبثون مليا إذا دعاهم إلى الإسلام حتى يجيبوا داعي الله، فلما أبطئوا عليه جاء إلى رسول الله -ﷺ- بمكة، فقال له: يا رسول الله! إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم.
لقد ضاقت نفس الداعية، ونفد صبره، وكره من قومه الاستمرار في الضلالة والانحراف، ولكنه هو ذاتيا واثق من دعوته ومبادئه، فاستعان برسول الله -ﷺ- أن يدعو الله عليهم ليهلكهم.
ولكنه منطق لا يتفق مع عالمية الإسلام واستمراره إلى يوم القيامة، فليس بعد الإسلام دين آخر، حتى يهلك هؤلاء، ثم يأتي قوم آخرون، ولهم نبي آخر كما فعل بأشياع الكافرين في الغابر.
إنه دين خاتم ورسالة سرمدية إلى يوم القيامة، ومنهج يربي ويسوس ويبني لخير الإنسانية كلها.
ولهذا قال النبي -ﷺ:
"اللهم اهد دوسا".
ثم قال للطفيل:
"ارجع إلى قومك، فادعهم، وارفق بهم" ١.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج٢ ص٧٤، الحلبية ج١ ص٤٠٣، ٤٠٤، الروض الأنف ج٣ ص٣٧٨، الروض الأنف ج٣ ص٣١٧، الوفا ج١٢ ص٢٠٦.
[ ٢٥١ ]
لقد كان الخلق الفاضل والمؤانسة والوداد والصفح هي أسلوب العمل مع معاندي الدعوة حتى تبرز معالم الإسلام وحقائقه وأفضاله؛ ولهذا كان الرسول -ﷺ- دائما ودودا، رءوفا صفوحا، وكان لا ينادي الواحد من أعداء الدعوة إلا بالكنية المؤدبة والاسم اللطيف.
ففي الخصائص الكبرى، عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفنا رسول الله -ﷺ- أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ- لأبي جهل: "يا أبا الحكم! هلمّ إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله ".
إن سلطة محمد في قومه معروفة، ومكانته مشهورة، ومركزه وحده فريد في القوم، وأبو جهل واحد من كبار أعداء الله ورسالته، ولكن أسلوب التعامل هنا هو أن يظهر الداعية أخلاقيات الدعوة عمليا، فيناديه الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام: "يا أبا الحكم! " ١، إن اسمه المشهور به: عمرو بن هشام بن المغيرة ابن أخ الوليد بن المغيرة٢ من أسرة تعادي الله ورسوله وجماعة المسلمين، ولكن الداعية الأول -ﷺ- يبسط إليه القول في لين وسماحة ومودة كسلوك عملي لمحاسن الإسلام، وتطبيق وجودي لأخلاقياته حتى يظهر للخصم أن المعركة ليست أنانية، وإنما هي لخير الخصم نفسه أن يثوب إلى الله الذي خلقه وأنعم عليه بعديد الآلاء.
_________________
(١) ١ الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٦. ٢ الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٠ تعليق.
[ ٢٥٢ ]
ولذا فما كانت تحمل نفس رسول الله -ﷺ- ألما لواحد من المجابهين للدعوة العتاة القساة في تصرفاتهم نحو المسلمين الأول، فلقد كان يدعو ربه أن يعز الإسلام بأحد الرجلين اللذين أطنبا في السخرية بالإسلام والمسلمين، ففي الدلائل للبيهقي:
"اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك" ١.
قال في الخصائص رواية عن الطبراني: عن أنس أن رسول الله -ﷺ- دعا عشية الخميس فقال:
"اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام". فأصبح عمر يوم الجمعة فأسلم٢.
ولقد كان عقبة بن أبي معيط من كبار المستهزئين بالإسلام وبالمسلمين وكان كثير الأذى لرسول الله -ﷺ- قال فيه -ﷺ:
"كنت بين شر جارين أبي لهب وعتبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي".
ومع هذا فإن صاحب الحلبية يروي أن رسول الله -ﷺ- كان يكثر من مجالسة عقبة بن أبي معيط٣، ليدعوه إلى الإسلام.
_________________
(١) ١ الدلائل للبيهقي ج٢ ص٣، راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج٣ ص٢٦٧. ٢ الخصائص الكبرى ج١ ص٣٣٣، راجع الحلبية ج١ ص٣٦٧، المواهب ج١ ص٢٧٢. ٣ الحلبية ج١ ص٣٥٣.
[ ٢٥٣ ]
لقد كان رسول الله -ﷺ- على المستوى الرفيع. تحمل أعباء الرسالة، وكان عمله الكريم نبراسا لمنهجية العمل مع الجماعة في المستقبل، وقد أثبت القرآن الكريم ذلك بقول الله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢.
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِير﴾ ٣.
ولقد وصفه الله جل شأنه بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٤.
قال ابن كثير في تفسيرها: عن قتادة: سئلت عائشة عن خلق رسول الله -ﷺ- قالت: كان خلقه القرآن٥.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١١٢ من سورة هود. ٢ الآية رقم ١٩٩ من سورة الأعراف. ٣ الآية رقم ١٥ من سورة الشورى. ٤ الآية رقم ٤ من سورة القلم. ٥ تفسير ابن كثير ج٤ ص٤٠٣، راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ج١ ص٣٦٤.
[ ٢٥٤ ]
يقول شيخنا العارف بالله فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود: وحقيقة الأمر أن رسول الله كان في كل ما يأتيه، وكل ما يدعيه قرآنا مطبقا، ومن هنا كان قوله ﷾ في بيان ذلك في شأنه -ﷺ:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ١.
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ .
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ ٣.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ .
كانت تأتيه الدنيا فينفقها وهو جالس، أتى إليه صلوات الله وسلامه عليه سبعون ألف درهم فوضعها، كما يروي هارون بن رباب على حصير، ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها٤.
لقد كان رسول الله -ﷺ- مثالا وأسوة لتطبيق مبادئ الدعوة سلوكيا حتى كانت حقيقة نفسه الشريفة من حقيقة الرسالة، وكانت عظمة نفسه الزكية من عظمة هذه الرسالة.
_________________
(١) ١ من الآية رقم ١٥ من سورة يونس. ٢ الآية رقم ١٨ من سورة الجاثية. ٣ الآية رقم ٣٧ من سورة الرعد. ٤ الإسلام والعقل ص١٢٤، ١٢٥.
[ ٢٥٥ ]
إن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية أبعد من كل مدى يملكه مجهر مكبر بشري، وقصارى ما يملكه راصد لعظمة محمد -ﷺ- التي يراها ولا يقدر على تحديدها أنه كان لهذه الرسالة نبيا فلولاه ما كانت لغيره ولو كانت ما كانت إلا له.
إن محمدا -ﷺ- وحده هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة إنه وحده الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفحة الله في كيانه هو، هو الذي أعد خاصة لهذه الرسالة الكونية العالمية حتى لتتمثل في شخصيته الحية، إنه وحده أهل لهذا المقام الرفيع ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه﴾ ولهذا فقد كان خلقه القرآن، وكان وصفه العظيم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ وليس غير محمد -ﷺ- يطيق هذا الثناء من جلال الله وهو ثابت لا ينسحق تحت ضغطها الهائل ولا تأرجحت شخصيته فوق كل دليل، وتلك هي السوية البشرية للأنبياء، وكان هو وحده الأسوة الحسنة التي يتأسى بها الدعاة في كل عصر وحين.
ولقد شهد في العصر الحديث بهذه الأسوة وتطبيق مبادئ الدعوة رجل من الأذكياء المنصفين من متمذهبي البراهمة سئل: بماذا كان رسول الإسلام عندك أكمل رجال العالم؟ فأجاب: لأني أجد في رسول الإسلام خلالا مختلفة وأخلاقا جمة وخصالا كثيرة لم أرها اجتمعت في تاريخ العالم لإنسان واحد في آن واحد، فقد كان ملكا دانت له أوطانه كلها يصرف الأمر فيها كما يشاء، وهو مع ذلك متواضع في نفسه يرى أنه لا يملك من الأمر شيئا، وأن الأمر كله بيد ربه.
[ ٢٥٦ ]
وتراه في غنى عظيم تأتيه الإبل موقرة بالخزائن إلى عاصمته، ويبقى مع ذلك محتاجا، ولا توقد في بيته نار لطعام الأيام الطوال، وكثيرا ما يطوي على الجوع.
ونراه قائدا عظيم يقود الجند القليل العَدد الضعيف العُدد، فيقاتل بهم ألوفا من الجند المدجج بالأسلحة الكاملة، ثم يهزمهم شر هزيمة، وتجده محبا للسلام مؤثرا للصلح، ويوقع شروط الهدنة على القرطاس بقلب مطمئن، وجأش هادئ، ومعه ألوف من أصحابه كل منهم شجاع باسل وصاحب حماسة وحمية تملأ جوانحه.
ونشاهده بطلا شجاعا يصمد وحده لآلاف من أعدائه غير مكترث بكثرتهم، وهو مع ذلك رقيق القلب رحيم رءوف متعفف عن سفك قطرة دم.
وتراه مشغولا بجزيرة العرب كلها بينما هو لا يفوته أمر من أمور بيته وأزواجه وأولاده، ولا من أمور فقراء المسلمين ومساكينهم، ويهتم بأمر العالم كله، وهو مع ذلك متبتل إلى الله منقطع عن الدنيا فهو في الدنيا وليس فيها؛ لأن قلبه لا يتعلق إلا بالله وبما يرضي الله١.
لقد كان رسول الله -ﷺ- أسبق الناس إلى عمل ما يأمر به، يقول الشيخ الندوي:
ومن أفضل سيرته وأعلاها أنه بعدما أوحي إليه لم يأمر أتباعه وأصحابه بأمر إلا وقد سبقهم إلى العمل به٢.
_________________
(١) ١ الرسالة المحمدية ص٨٧. ٢ الرسالة المحمدية ص١٠٨.
[ ٢٥٧ ]
ولقد حدد بذلك رسول الله -ﷺ- قاعدة من قواعد منهج العمل مع الجماعة، وهي اتحاد السلوك مع المبادئ التي يدعو إليها، ولهذا استحق هذا المنهج صبرا طويلا على مشقة التبليغ وعداوة المكابرين.
[ ٢٥٨ ]