من عوامل منهج التغيير الاجتماعي إيجاد استقطاب من البيئة حول الدعوة أو المبادئ.
والدراسات الاجتماعية تركز اهتماما بالغا في منهج العمل مع الجماعة على حدوث تغيير في البيئة، ينشد به الناس حول المبادئ المرغوب في تنفيذها، كعنصر أساسي من عناصر النجاح المطلوب.
والاستقطاب أنواع فقد يكون جزئيا، وقد يكون كليا حسب مقدار الداعية وثقله الاجتماعي والفكري.
ولا تعرف الحياة الإنسانية والفكرية على السواء داعية قط أحدث استقطابا كاملا حوله وحول دعوته غير سيدنا محمد -ﷺ- فلقد أنشد نحوه ونحو دعوته أجيال من العلماء والمفكرين منذ نشأ في جوار البيت العتيق حتى أذن له بالجوار في الرفيق الأعلى.
لقد استقطب محمد -ﷺ- حوله الفكر الإنساني كله سواء المسلمون الصادقون أو المسلمون المتهوكون أو الكافرون المنصفون أو الكافرون المتعصبون.
[ ٢٣٢ ]
لقد ألف في سيرته ومبادئه خلق كثير.
لقد ألف فيه كاتبو اللسان العربي.
وألف في كاتبو اللسان الإنجليزي.
وألف فيه كاتبو اللسان الفرنسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الأندونيسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الماليزي.
وألف فيه كاتبو اللسان الفارسي.
وألف فيه كاتبو اللسان الصيني والياباني.
وألف فيه كاتبو اللسان الأوردي إلخ.
ولقد بلغت هذه المؤلفات في كل لغة حدود المئات، حتى صار في كل مكتبة ومعهد وجامعة ودولة وجنس ولغة كتاب عن الإسلام، وعن نبيه الكريم.
فصار أمر الإسلام واضحا كل الوضوح ليس فيه سر مكتوم، ولا أحاجي يغمض تفسيرها، ففي أيدي الناس على اختلاف ألسنتهم وجنسياتهم تاريخه ودعوته ومبادؤها وسلوكه ومنهاجه، وهم يعلمون من أمر محمد -ﷺ- كل صغيرة وكبيرة منذ ولادته ورضاعه وشبابه حتى بعثته.
[ ٢٣٣ ]
وأن قبره المعطر الكريم لأثبت في سنده التاريخي من كل تواريخ العظماء وجميع أصحاب الدعوات.
فماذا يعرفه الناس عن ذرادشت وكوفشيوس؟
وماذا يعرفه التاريخ عن سولون وسقراط؟
وماذا يعرفه التاريخ عن موسى وعيسى؟
أما قبر محمد -ﷺ- فهو منزله الذي كان يعيش فيه، وتلقى فيه الوحي، وخرج منه للجهاد الخالص في سبيل الله، وهو المشكاة التي شع نورها على الدنيا بأسرها.
ولا يزال المسلمون ينشدون إلى الروضة الشريفة وهم على ثقة أن هنا كان يجلس النبي -ﷺ- وكان يستقبل الوفود، ويدرب الجيش على السلاح، ويلقي مواعظه وتوجيهاته، فتنشد قلوبهم الطيبة مع الذكريات العظيمة، وهم يؤمنون أن هنا كان النبي محمد -ﷺ- معلم البشر أجمعين١.
ومنذ القدم والرسول -ﷺ- قد رسم للعمل مع الجماعة منهج الاستقطاب كعامل مثير مغير للبيئة إلى الاتجاه الأفضل المرغوب فيه.
لقد قلقلت الدعوة الإسلامية كل الثقافات الموروثة في البيئة العربية؛ لتحل محلها تصورا جديدا في العقيدة، والأخلاق، والمعاملات. وقد أنشد المجتمع تلقائيا إلى هذا الاستقطاب الذي أحاط بالمنطقة كلها منذ فجر الإرهاصات بالنبوة.
_________________
(١) ١ راجع حول هذه المعاني: الرسالة المحمدية للأستاذ سليمان الندوي، ص٥٩، ٦٣.
[ ٢٣٤ ]
يروي ابن هشام: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من من قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا.
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس! فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: نقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر؟ قال: ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر. قالوا: نقول: ساحر. قال: ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا على ذلك١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٧٠-٢٧١ دلائل النبوة ج١ ص٦٤٧-٤٤٨ الوفاء ج١ ص٣٠٢.
[ ٢٣٥ ]
إن معنى هذا أن النبي -ﷺ- أحدث استقطابا حول الدعوة وصل إلى أطراف البيئة، إذ خشيت جماعة الكافرين في مكة من انجذاب الحجاج القادمين من الخارج الذين سمعوا عن الإسلام إلى الدخول فيه، فألهب ذلك قلوب قريش خوفا وهلعا وحيرهم في التعرف على رأي يتفقون عليه؛ ليكون وسيلة إعلام مضادة يشككون بها في دعوة الإسلام.
وما تحير الوليد بن المغيرة على علو منزلته وشرفه في القوم إلا لمعرفته بالحق الذي جاء به محمد -ﷺ- ولكنه العمى الذي يختم به الشيطان على القلوب والصدور، ومع أنه قد نفى السحر أولا لكنه لم يجد له مخرجا من استخدامه إفكا وتعنتا ضد الدعوة الإسلامية.
ومع هذا فإن الأحداث التي وقعت فيما بعد تبرهن على فشل المواجهة التي شنها الكافرون وأن الاستقطاب الذي أحدثته الدعوة الإسلامية حول مبادئها قد أثمر.
ففي الخصائص الكبرى: أن الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله -ﷺ- بها فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه.
[ ٢٣٦ ]
قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئا، ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله، فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله -ﷺ- قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟
فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فتبعته، فقلت: إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فاعرض علي أمرك فعرض علي الإسلام، وتلا القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت١.
لقد اختار القوم كلمة السحر كدعاية مشوهة، ولكن الاستقطاب الذي نشرته الدعوة كان له جاذبية أقوى، فانشد الطفيل على الرغم مما قالوه عنده وانجذب إلى معرفة الحق الذي جاء به سيدنا محمد -ﷺ- فلما سمع وهو رجل لبيب شاعر لا يغيب عنه تمييز الحق من الباطل أسلم، وكان إسلامه خيرا عميما على الإسلام.
_________________
(١) ١ الخصائص ج١ ص٣٣٦، الحلبية ج١ ص٤٠٣، الوفاء ج١ ص٢٠٤، ٢٠٥، السيرة لابن كثير ج٢ ص٧٢، ٧٣.
[ ٢٣٧ ]
والنضر بن الحارث اللبيب المتفيهق، وهو من أشد الأعداء للإسلام ونبيه ﵊ تزلزله جاذبية الاستقطاب، فيقول في حيرة وغيظ وكمد:
يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، فقد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن لا والله ما هو بكاهن لقد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بحنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش! فانظروا في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم١.
هكذا كان عمق الاستقطاب في النفوس تصديقا وجدانيا داخليا متفقا عليه من جميع الكافرين.
إنه ليس مجنونا ولا كاهنا ولا شاعرا ولا ساحرا. ولكنهم مع هذا الانجذاب الوجداني يكابرون ويجادلون بالباطل، ولكن القافلة تسير غير آبهة بمعوق.
قدم ضماد مكة، وهو رجل من أزد شنوءة، وكان يرقي من الرياح فسمع سفهاء الناس يقولون: إن محمدا مجنون فقال: آتي هذا الرجل
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٩٩، ٣٠٠، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٤٨، ٤٤٩ الشفاء ج٢ ص١١٠، ١١١.
[ ٢٣٨ ]
لعل الله أن يشفيه على يدي. قال: فلقيت محمدا فقلت: إني أرقي من هذه الرياح وإن الله يشفي على يدي من يشاء فهلم. فقال رسول الله -ﷺ: "إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله". فقال ضماد: أعدهن علي، فأعادهن. فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشرك فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، ولقد بلغن قاموس البحر فهلم يدك أبايعك على الإسلام فبايعه١.
لقد فشلت أسلحة الدعاية وخابت مساعي المتهوكين وما زالت القافلة تسير غير آبهة بمعوق.
ففي السيرة لابن هشام: أن عشرين رجلا، أو قريب من ذلك من النصارى قدموا على رسول الله -ﷺ- وهو بمكة حين بلغهم خبره من الحبشة فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه عن رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة.
فلما فرغوا من مساءلة رسول الله -ﷺ- عما أرادوا دعاهم رسول الله -ﷺ- إلى الله ﷿ وتلا عليهم
_________________
(١) ١ الخصائص الكبرى ج١ ص٣٣٤، حياة الصحابة ج١ ص٥٣، الوفا ج١ ص٢٠٠، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٣، الحلبية ج١ ص٣٨٤، السيرة لابن كثير ج٢ ص٤٠، دلائل النبوة للبيهقي ج٢ ص١٠، ١١.
[ ٢٣٩ ]
القرآن فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم١.
لقد خرج أبو جهل وجماعته على حدود الأدب في مجابهة هذا الوفد الكريم الذي جاء مستجيبا لنداء الله وانجذب بالروحانية التي استقطب بها نبي الدعوة سيدنا محمد -ﷺ- بيئات الدعوة في مكة وخارجها.
ولئن كانت أطراف الجزيرة من بعيد قد أنشدت في وثاق حبيب إلى الدعوة فإن القوم في داخل مكة قد أنشدوا إليها كذلك غير أنهم يحملون صدور أصدئة وقلوبا مظلمة وعقولا متحجرة، وآذانا صماء وعيونا عمياء، وأفئدة خاوية.
فقد روى ابن هشام:
أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة؛ ليستمعوا من رسول الله -ﷺ- وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع
فيه وكل لا يعلم
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٣٩١، ٣٩٢ الحلبية ج١ ص٣٨٤ السيرة لابن كثير ج٢ ص٤٠.
[ ٢٤٠ ]
بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى وصل أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك.
قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي
[ ٢٤١ ]
رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه١.
ينطق النص بمقدار العمق الذي أحدثه الاستقطاب حول الدعوة الإسلامية حتى أنشد إليها ثلاثة من كبار القوم ومن فحول الكفر دون إرادة ولا وعي ودون موعد ولا اتفاق، فلما كشفهم الصباح مرات ثلاث تعاهدوا وحلفوا على الكفر والضلالة.
ومفهوم هذا النص أنه ليس في الوجود الفكري والإصلاح الاجتماعي رجل قط غير محمد -ﷺ- استطاع أن يحدث استقطابا لا شعوريا حول الدعوة والداعية إلى درجة شد الخصوم من عناقيد أفكارهم بالليل ليباتوا ثلاث ليال سويا يستمعون فيها القرآن حتى أحسوا بلذة روحانية ملكت عليهم مشاعرهم فعاودوا الكرة مرات ثلاث حتى عاودهم ما ران على قلوبهم من قبل، فأغمضوا أعينهم عن نور الحقيقة وأغلقوا قلوبهم عن دخول الإيمان.
ولقد أكسبت هذه المعارضة الدعوة الإسلامية انتشارا في البلاد والقبائل التي كانت تفد للحج كل عام.
يقول ابن هشام:
تفرقوا، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره، وجعلوا يقولون
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٣١٥، ٣١٦، الخصائص الكبرى ج١ ص٢٨٥، ٢٨٦، السيرة لابن كثير ج١ ص٥٠٦، دلائل النبوة البيهقي ج١ ص٤٥٢، ٤٥٣.
[ ٢٤٢ ]
ذلك في رسول الله -ﷺ- لمن لقوا من الناس وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله -ﷺ- فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها١.
وفي الخصائص عن مسلم عن أبي ذر قال: انطلق أخي أنيس إلى مكة ثم أتاني فقال: لقيت رجلا بمكة يزعم أن الله أرسله، قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: إنه شاعر وساحر وكاهن، وكان أنيس أحد الشعراء فقال: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وصفت قوله على أقراء الشعراء، فوالله ما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون٢.
فساعدت قريش بهذه المعارضة على توسيع رقعة الاستقطاب، والناس فطريا مجبولون على حب الاستطلاع، وكل قاطن في بيته بعيد عن الجاذبية القرشية، فهو طليق التفكير من ضغط العادات، وجاذبية التقاليد، فسوف يفكر بأسلوب سليم نقي من غوغائية الجهالة الجاهلة التي يعيش، فيها أبو جهل والوليد وعتبة والنضر وأبو سفيان والأخنس بن شريق.
لقد آمن ضماد من أزد شنوءة ومثيله في الصحة النفسية والسلامة العقلية الطفيل بن عمرو من أول مرة يستمعون فيها إلى آي الذكر الحكيم وقد جاءوا من بعيد، كما آمن معهم وفد نجران الذي قال لأبي جهل وهو يسفه عليهم: سلام عليكم.
_________________
(١) ١ يتصرف ابن هشام ج١ ص٢٧١، ٢٧٢. ٢ الخصائص ج١ ص٢٨٧، وراجع الشفا ج٢ ص٤٩٨، راجع مسلم ج٤ ص١٩٢٠ تخريج المرحوم الأستاذ عبد الباقي.
[ ٢٤٣ ]
ولم يؤمن النضر بن الحارث ولا أبو جهل ولا الوليد، وقد اتفقوا على أن الذي يقوله محمد ليس مثل كلام البشر، وأنه لا يكذب قط أبدا. فقد حاولوا أن يخلعوا أنفسهم من استقطاب الإيمان الذي حاصرهم وجدانيا، فأغلقوا دونه القلوب والأسماع، ولكنهم فتحوا بهذا الموقف العنيد آفاقا فسيحة، ونشروا بهذا الجحود والمكابرة والمواجهة استقطابا شاملا في أنحاء البيئة من قريب ومن بعيد، يقول ابن هشام:
فلما انتشر أمر رسول الله -ﷺ- في العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله -ﷺ- حين ذكر، وقبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك كلما كانوا يسمعون من أحبار اليهود وكانوا حلفاءهم ومعهم في بلادهم، فلما وقع ذكره بالمدينة، وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف.
قال أبو قيس بن الأسلت أخو بني واقف -وكان يحب قريشا- قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشًا فيها عن الحرب ويذكر فضلهم وأخلاقهم، ويأمرهم بالكف عن رسول الله -ﷺ- ويذكرهم بآلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده عنهم١.
هكذا آثار الرسول الكريم -ﷺ- بيئة الدعوة باستقطاب شامل كامل ساعدت في اتساع رقعة الجبهة المعارضة ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وتلك واحدة من امتيازات الدعوة الإسلامية يوم أن تكون خالصة لوجه الله يأتيها نصره من حيث لا نعلم.
_________________
(١) ١ يتصرف ابن هشام ج١ ص٢٨٢، ٢٨٣.
[ ٢٤٤ ]
وما أحوج الدعوة الإسلامية في العصر الحديث إلى هذا المستوى من العمل ينجذب إليها الناس كافة، إذ يسمعون عنها سلوكا مطبقا ووجودا عيانا فيه الخلاص والطمأنينة والأنس والسعادة، تعلو فيه أسماء الله الحسنى، وتخضع فيه النفوس كلها لجلال الله العظيم.
[ ٢٤٥ ]