ما هو أول ما نزل من القرآن؟
هل هو ﴿اقْرَأْ﴾ .
هل هو ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرْ﴾ .
لقد دافع ابن حجر في فتح الباري عن رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن لما سأله يحيى بن أبي كثير عن أول ما نزل فقال: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله -ﷺ- قال:
"جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا علي ماء باردا"، قال: "فدثروني وصبوا عليّ ماء باردا"، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .
قال ابن حجر في هذه الرواية نقلا عن الكرماني: استخرج جابر أول ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، باجتهاد وليس هو من روايته، والصحيح ما وقع في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
ثم قال: ويحتمل أن تكون الأولية في نزول ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ يفيد السبب أي هي أول ما نزل من القرآن بسبب متقدم، وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب، وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم
[ ٢٩١ ]
وهو احتمال بعيد في نظر ابن حجر كذلك هنا رأي آخر في أن أول ما نزل "المزمل" أن فيها ذكر قيام الليل، وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي.
بخلاف "المدثر" فإن فيها ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ١ إلخ.
ما ذكره ابن حجر في الدفاع عن هذه الروايات ليرجح أن أول ما نزل هو "اقرأ" كما جاء في رواية السيدة عائشة ﵂ في بدء الوحي٢.
وإذا كانت معرفة ما نزل بتاريخه في هذه الفترة المكية قد شاء الله تعالى أن يستأثر بعلمها، فلم يبق لي بعد أن كثر الحديث بين العلماء في تحديد أول ما نزل إلا ما اتفق عليه العلماء، وهو ترتيب سور القرآن الكريم على نحو ما ذكره علماء علوم القرآن٣.
وقد لاحظت أن اتخاذ ترتيب السور على نحو ما ذكره علماء علوم القرآن وحده كضابط لتقسيم مراحل الدعوة، قد لا يساعد على تحقيق
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١٠ ص٣٠٤، ٣٠٥، إرشاد الساري ج٧ ص٤٠٣، المواهب ج١ ص٢٢٠، ٢٢٢، الحلبية ج١ ص٢٨٥، أسباب النزول للواحدي ص٤٧٥، روح المعاني ج٢٩ ص١١٥، التاج ج٤ ص٢٥٢ ٢٥٥، راجع تفسير الطبري ج٢٩ ص٩٠، الخازن ج٧ ص١٧٢، تفسير ابن كثير ج٤ ص٤٤٠، التفسير الحديث ج١ ص٩٢، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٣٩٣، ٣٩٧، السيرة لابن كثير ج١ ص٤١٣، مناهل الفرقان ج١ ص٨٦، ٨٨ تاريخ التشريع للشيخ السايس ص٤٠، ٤١، الكامل في التاريخ ج١ ص٤٩، ٥٠. ٣ راجع الإتقان للسيوطي ج١ ص٦٨، ٧٢. ٣ راجع الإتقان للإمام السيوطي ج١ ص٧٢، ٧٣، التفسير الحديث ج١ ص١٤، ١٥.
[ ٢٩٢ ]
فائدة، إذ في سورة متقدمة يوجد ذكر للدعوة العامة قبل الدعوة الخاصة، فسورة الأعراف مثلا تأخذ في التسلسل المتفق عليه عند العلماء رقم ٣٩، والشعراء ٤٧، ومع هذا ففي الشعراء: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وفي الأعراف: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ .
فأضفت إلى ترتيب السور الذي اتفق عليه العلماء دلالة الآية على الأمر بالتبليغ، أو بأنها إخبار عن حدوده، ومعالمه، وآفاقه.
وعلى هذا فالضابط الذي سأعتمد عليه -إن شاء الله- في تقسيم مراحل تبليغ الدعوة هو:
الترتيب المتفق عليه بين العلماء لسور القرآن الكريم.
ومدلول الآية: أمر هو أو إخبار؟
فإن اجتمع الترتيب، والدلالة على الأمر بالتبليغ كانت الآية علامة مرحلة من مراحل تبليغ الدعوة.
وهي في نظري قدر ما وصلت إليه كالآتي:
[ ٢٩٣ ]