رابعا: تربية قيادة
دار الأرقم بن الأرقم.
اختيار القيادة.
الجهر بالمبادئ فجأة عملية خطيرة مراهقة لا يوصى بها المشتغلون في حقل الخدمة الاجتماعية.
وإعداد القيادة داخل المجتمع قبل إعلان المبادئ جزء من منهج العمل مع الجماعة توصي به، وتؤكده الدراسات الاجتماعية التي نيط بها وظيفة التغيير الاجتماعي المرغوب فيه١.
_________________
(١) ١ دراسات في تنظيم المجتمع ص١٥٥، الخدمة الاجتماعية والمجتمع ص١٧٩.
[ ١٩٨ ]
وهذا المبدأ قد أسسته من قبل الدعوة الإسلامية في "دار الأرقم بن الأرقم" حيث اختار النبي -ﷺ- الأشخاص الذين توسم فيهم الاستجابة للدعوة١، ثم تعهدهم بعيدا عن المجتمع وثقافته بالتربية والإعداد.
وأول من اختارهم رسول الله -ﷺ- ألصق الناس به من آل بيته وأصدقائه، فآمنت خديجة ﵂، وزيد بن ثابت مولاه، وعلي بن أبي طالب، وصديقه الحميم أبو بكر، وورقة بن نوفل٢.
ثم راح رسول الله -ﷺ- ينتخب الأخيار المصابيح ويدعوهم إلى الإسلام يعاونه في ذلك سيدنا أبو بكر ﵁، فقد تعرف على وظيفته بفطرته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه٣.
واتخذت هذه المرحلة دورا سريا حتى تكتمل التربية للقيادة بعيدا عن جاذبية المجتمع التي تضغط دائما على المبادئ في مهدها لتموت، ولذا فقد كان النبي -ﷺ- يتخير الأشخاص أولا، ثم ينبئهم عن الضغط الاجتماعي، حتى تسربت مبادئ الإسلام إلى المجتمع كالنور يقهر الظلام رويدا رويدا.
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٢٧، سيرة الرسول عزة دروزة ج١ ص١٧٨، وراجع من حضارة الإسلام ج١ ص١٩. ٢ فقه السيرة لفضيلة الشيخ محمد الغزالي ص٩٧-٩٨ الحلبية ج١ ص٣٠٢ وما بعدها ص٣٠٦، الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٩، المواهب اللدنية ج١ ص٢٤٤-٢٤٥. ٣ ابن هشام ج١ ص٢٥٠ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٩.
[ ١٩٩ ]
يقول في ذلك ابن هشام:
ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله ﷿ أمر رسوله -ﷺ- أن يصدع بما جاء به١.
وتأتي هذه القضية واضحة في قصة إسلام سيدنا علي ﵁. روى البيهقي:
ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ جاء بعد ذلك فوجدهما يصليان فقال علي:
ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله -ﷺ: "دين الله اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته وتكفر باللات والعزى".
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب، وكره رسول الله -ﷺ- أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره فقال له:
"يا علي إذا لم تسلم فاكتم"، فمكث على تلك الليلة حتى جاء فقال: ما عرضت علي يا محمد؟ فقال رسول الله -ﷺ: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم فمكث علي يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه، ولم يظهره٢.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام ج١ ص٢٦٢ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٩. ٢ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤١٤، ابن كثير ج١ ص٤٢٨.
[ ٢٠٠ ]
واستمر على هكذا مستخفيا يصلي مع رسول الله -ﷺ- في شعاب مكة بعيدا عن أعين الناس، حتى عثر عليهما أبو طالب يوما وهما يصليان، فقال أبو طالب لعلي: أي بني! ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت آمنت بالله ورسوله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، قال ابن هشام: فزعموا أنه قال له: إنه لم يدعك إلا إلى الخير فالزمه١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٤٧ الحلبية ج١ ص٣٠٦ الكامل في التاريخ ج٢ ص٥٨ تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٤.
[ ٢٠١ ]