١- ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ١ المدثر "٧٤".
وهذا دور العمل السري واختيار الرعيل الأول وإعداد القيادة التي تتحمل مع النبي -ﷺ- نشر الدعوة.
_________________
(١) ١ الآيتان ٢، ٣ من سورة المدثر.
[ ٢٩٣ ]
٢- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الشعراء "٤٧".
وهو بدء بالعمل الجهري بعد أن أمر النبي -ﷺ- بالجهر بالدعوة. قال في إرشاد الساري: لأن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم٢.
٣- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٣ الشورى "٦٢".
وهو على ما قاله الطبري مكة ومن حولها شرقا وغربا٤.
وهو دور دعوة العرب.
٤- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٥ إبراهيم "٧٢".
وهو دور العمل على المستوى الإنساني كله.
وقد اخترت هذه الآيات كضابط لمراحل تبليغ الدعوة لأنها في سورها المتسلسلة حسب اتفاق العلماء فيها أمر بالإنذار، وفيها سير طبيعي مع منهجية القرآن الكريم التي تأخذ بالتدرج في التربية، والإعداد حتى في العصر المدني نجد التدرج سمة التشريع الإسلامي٦ على نحو ما ذكره الكاتبون في تاريخ التشريع الإسلامي.
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤-٢ من سورة الشعراء. ٢ إرشد الساري ج٧ ص٢٧٩. ٣ من الآية رقم ٧ من سورة الشورى. ٤ الطبري تفسير ج٧ ص٢٧١، روح المعاني ج١٩ ص١٣٤. ٥ من الآية رقم ١ من سورة إبراهيم. ٦ تاريخ التشريح. الخضري بك ص ١٧ تاريخ التشريع الشيخ السايس ص٥٣.
[ ٢٩٤ ]
حقيقة هناك آيات تدل على عالمية الدعوة في سورة الأعراف "٣٩" آية رقم "١٥٨"، ولكنها أخبار عن أبعاد الرسالة وشمولها للناس كافة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، والأخبار ليس كالأمر بالتبليغ في اتخاذه ضابطا يصطلح عليه في تقسيم مراحل تبليغ الدعوة كذلك في سورة الفرقان "٤١" آية رقم "١" دلالة على هذا العموم، ولكنه كذلك إخبار عن حدود الرسالة وآفاقها العالمية.
وفي سورة سبأ "٥٨" آية رقم "٢٨"، وهي في نفس الاتجاه الذي يعلن ويخبر أن الإسلام رسالة للعالمين لا لبيئة ولا لقومية خاصة.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وكذلك في سورة الأنبياء "٧٣" آية رقم "١٠٧":
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
وفي سورة الأنعام "٥٥" آية رقم "٩٢" ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ مما يفيد تبليغ الدعوة إلى العرب ولكنها جاءت في وسط الآية التي تتوجه إلى الإخبار عن صفة القرآن الكريم، أنه كتاب مبارك مصدق الذي بين يديه.
[ ٢٩٥ ]
وإذن فلم يبق على ما وصلت إليه بعون من عند الله إلا الآيات الدالة على الأمر بالتبليغ حسب ورودها ووجودها في السور المتسلسلة باتفاق العلماء، ولعله مما يقوي هذا الضابط الذي أذهب إليه الحديث الشريف الذي أورده شارح الشفاء١:
"بعثت إلى الناس كافة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب، فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش، فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم، فإن لم يستجيبوا لي فإليّ وحدي".
ذكره السيوطي في جامعه الصغير.
ففي الحديث خمس دعوات:
واحدة للناس كافة.
وواحدة للعرب.
وواحدة لقريش.
وواحدة لبني هاشم.
وواحدة لذاته الشريفة.
_________________
(١) ١ الشفاء شرح علي القاري ج١ ص٣٠٠، راجع السراج المنير ج٢ص١٤٣ من حديث ابن سعد عن خالد بن سعدان مرسلا.
[ ٢٩٦ ]
فإذا استثنينا الدعوة الأخيرة؛ لأن الله تعالى فتح به لدينه في كل صوب وحدب بقيت أربع دعوات، للناس كافة وللعرب ولقريش ولبني هاشم.
فإذا ما تتبعنا أحداث التاريخ، وجدنا قريشا وبني هاشم، قد أدخلهما النبي -ﷺ- في عشيرته الأقربين يوم أن صعد على الصفا وجعل ينادي:
"يا معشر قريش! -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد -ﷺ- سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا" ١.
قال ابن جرير في شرح الحديث في رواية موسى بنت طلحة عن أبي هريرة عنه مسلم واحد: دعا رسول الله -ﷺ- قريشا فعم وخص، فقال: "يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب كذلك، يا معشر بني هاشم كذلك، يا معشر بني عبد المطلب كذلك " الحديث، وقد ذكر صاحب الحلبية أنهم بنو هاشم وبنوا المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١٠ ص١٢٠ راجع محمد رسول الله -ﷺ- محمد رضا ص٨٢، راجع روح المعاني ج١٩ ص١٣٥، الطبري ج١٨ ص١١٩، ١٢٠، الوفا ج١ ص١٨٢، ١٨٣، السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٦. ٢ الحلبية ج١ ص٣١٩.
[ ٢٩٧ ]
فكان ذلك عونا لي على أن أجعل قريشا، وبني هاشم المذكورين في الحديث السالف مرحلة واحدة داخلة ضمن ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ .
وعلى هذا فأطوار الدعوة في مكة زمنيا اثنتان:
١- الدعوة وهي في ظل العمل السري ومدتها ثلاثة أعوام.
٢- الدعوة وهي في ظل العمل الجهري ومدتها عشرة أعوام١.
ومراحل تبليغها أربعة:
١- مرحلة واحدة في دور العمل السري وهي مرحلة إعداد القيادة وثلاث مراحل بعد قوله تعالى:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهي:
١- ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ .٢- ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ .
٣- ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ .
أما ما ذكره صاحب زاد المعاد في فصل ترتيب الدعوة، ففيه تداخل إذ قد جعل إنذار قومه مرحلة ثالثة، وجعل ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ مرحلة سابقة عليها، وهما واحد لا فرق بينهما كما أنه
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٨، الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٠، راجع فتح الباري ج٨ ص١٦٤، صحيح مسلم ج١ ص١٨٢٦، محمد رسول الله. محمد رضا ص٧٧، ٨٢، دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٣٩٠.
[ ٢٩٨ ]
جعل النبوة مرحلة داخل أقسام الدعوة مع أن الدعوة هي وظيفة النبوة على الرأي القائل بالفرق بين الدعوة، وهي الرسالة وبين النبوة، ولهذا لم أحظ بشرف التبعية لابن القيم الجوزية في تقسيمه للدعوة، ونص عبارته:
"فصل في ترتيب الدعوة، ولها مراتب":
المرتبة الأولى: النبوة.
المرتبة الثانية: إنذار عشيرته الأقربين.
المرتبة الثالثة: إنذار قومه.
المرتبة الرابعة: إنذار قوم ما آتاهم من نذير من قبلهم وهم العرب قاطبة.
المرتبة الخامسة: إنذار جميع من بلغته من الجن والإنس إلى آخر الدهر١.
ولو أنه قصد بمرحلة النبوة مرحلة العمل الفردي السري للدعوة الإسلامية، وجعل المرحلة الثانية والثالثة مرحلة واحدة هي: دعوة أهله وأقاربه كما هو واضح من تحديد الرسول -ﷺ- لمدى الأهل والأقربين في ندائه لقريش، وبطونها يوم نزلت هذه الآية، لكان متمشيا مع النصوص القرآنية التي توحي بمدلولها
_________________
(١) ١ زاد المعاد ج١ ص٢٠، راجع الوحي إلى رسول الله محمد -ﷺ- ص٦٦، ٦٧.
[ ٢٩٩ ]
ووجودها في السور بتسلسلها على التدرج في التبليغ وهو المنهج الطبيعي الذي دائما يستخدمه القرآن الكريم وهو كذلك منهج يتمشى مع طبائع الأشياء يتدرج من الأدنى إلى الأعلى، ويتصاعد من القليل إلى الكثير، حتى يشمل الدائرة التي يهدف إليها.
ولكن ابن القيم الجوزية قسم مراتب الدعوة هكذا دون اعتماد على أصل أو ضابط، ولعل عذره أن العمل الأكاديمي للدعوة الإسلامية لما يتهيأ له بعد الجو العلمي الذي يسمح بمثل هذه الدراسات وعلى كل فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه.
كذلك لم أحظ بشرف المتابعة للتقسيم الذي ذكره شيخي فضيلة الدكتور المرحوم العلامة محمد بن فتح الله بدران طيب الله ثراه وتغمده برحمته وأفسح له في قبره وتقبل عمله في الصالحين.
لأنه وصل مرحلة إعداد القيادة وهي مرحلة العمل السري للدعوة بمرحلة، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهي المرحلة التي نفذ بها الرسول -ﷺ- أمر الله تعالى بأن يصدع بما يؤمر قال ابن هشام: ثم إن الله ﷿ أمر رسوله -ﷺ- أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادئ الناس بأمره وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله -ﷺ- أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين، فيما بلغني من مبعثه. ثم قال الله تعالى له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ ١.
_________________
(١) ١ ابن هشام ج١ ص٢٦٢، راجع الطبري ج١٤ ص٦٨، محمد رسول الله -ﷺ- محمد رضا ص٨٢، راجع تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٨.
[ ٣٠٠ ]
قال في شرح المواهب:
ما زال النبي -ﷺ- مستخفيا هو والمسلمون في دار الأرقم حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فجهر هو وأصحابه١.
فدل ذلك على أن العلاقة بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ هي علاقة التنجيز للأمر، قال في المواهب: قيل معناه أفرق بين الحق والباطل لأن الصدع الفرق بين الشيئين٢.
فجعل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ مرحلة.
وجعل: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ مرحلة قسيمة للمرحلة الثانية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾، مع أن ﴿فَاصْدَعْ﴾ ليست مرحلة التبليغ بل هي مرحلة زمنية في التبليغ، والفرق بينهما أن مرحلة التبليغ لها حد تعمل فيه كالأفراد، أو البيئة الخاصة أو البيئة العامة أو الناس جميعا.
أما مرحلة في التلبيغ فهي المرحلة الزمنية الفاصلة بين أسلوبي العمل للدعوة أسلوب العمل بالطريقة السرية، أو بالطريقة الجهرية. والذي يمثل المرحلة في التبليغ هو ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ لأنه يأمر النبي -ﷺ- أن ينتقل بالعمل من طريقته السرية إلى طريقة جديدة وهي الجهر الذي يفصل بين الحق والباطل.
كذلك جعل فضيلته الإسراء والمعراج مرحلة في الدعوة مع أنهما معجزتان للنبي -ﷺ- ولهما أسرار خاصة في مجال
_________________
(١) ١ و٢ المواهب ج١ ص٢٤٩.
[ ٣٠١ ]
العمل للدعوة، وليسا قسما من أقسام الدعوة لا من حيث العمل لها أو من حيث تبليغها.
وعلى كل حال فإن تقسيم فضيلته مراحل الدعوة في العهد المكي -حسبما استخلصته -إلى خمس مراحل١، كان له أثر طيب في إلقاء أضواء على تفهمي خاصة لهذا التقسيم، فجزاه الله خيرا وغفر له ورفعه مكانا عليا إن شاء الله.
وفضيلة الدكتور محمد أبو شهبة يذكر للدعوة طورين: الطور السري والطور الجهري٢، ولكنه لم يتحدث عن مراحل التبليغ.
فقد أصاب المحز في جانب تقسيم الدعوة إلى طورين حسب العمل الزمني، ولكنه ترك تقسيمها من الناحية التوجيهية، وهي مراحل التبليغ، ولعل العذر الذي يلتمس لفضيلته أنه اتخذ المنهج التقليدي المألوف للكاتبين أسلوبا لعرضه السيرة النبوية في مجال تخصصه من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
فلم يكن لي كذلك شرف متابعته في التقسيم الزمني فقط؛ لأنه وضع تاريخي لا مفر منه لمن يتصدى لدراسة هذه الفترة المكية في عمر الدعوة الإسلامية.
وأيما كان فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه وهدى بفقهه إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ١ الفلسفة الحديثة في الميزان ص٤٥٢-٤٥٥. ٢ السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ص٢٨٩، ٢٩٨.
[ ٣٠٢ ]