قال البيهقي في دلائله:
لما نزلت هذه الآية على رسول الله -ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال رسول الله -ﷺ: "عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت عليها، فجاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك"، قال علي: فدعاني، فقال: "يا علي، إن الله قد أمر أن أنذر
[ ٣١٣ ]
فصمت عن ذلك، ثم جاءني جبيل ﵇ فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك"، قال: "فاصنع لنا يا علي رجل شاة على صاع من طعام وأعد تعب لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب"، ففعلت فاجتمعوا له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله -ﷺ- منها قطعة فشقها بأسنانه، ثم رمى بها نواحيها وقال: "كلوا باسم الله"، فأكل القوم حتى نهلوا عنه، ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم يأكل مثلها، ثم قال رسول الله -ﷺ: "اسقهم يا علي"، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله -ﷺ- أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله -ﷺ- فلما كان الغد قال رسول الله -ﷺ: "يا علي! عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قبل أن أكلم القوم"، ففعلت ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله -ﷺ- كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم فشربوا من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله -صلى الله
[ ٣١٤ ]
عليه وسلم "يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة" ١.
هذه محاولة أولى مع عشيرته الأقربين وخطوة أساسية في وسيلة تبليغ الدعوة عن طريق اللقاء الشخصي، وهو أجدى وسائل العمل الاجتماعي في كل عصر وحين، ولهذا كرر النبي -ﷺ- اللقاء بعشيرته في الحلبية: فجمعهم رسول الله -ﷺ- ثانيا وخطبهم، ثم قال لهم: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا، والله يا بني عبد المطلب ما أعلم شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة"، فتكلم القوم كلاما لينا غير أبي لهب فإنه قال: يا بني عبد المطلب هذه والله السوأة، خذوا على يده قبل أن يأخذ على يده غيركم فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم وإن منعتموه قتلتم.
فقالت أخته صفية عمة رسول الله -ﷺ- رضي الله تعالى عنها: أي أخي! أيحسن بك خزلان ابن أخيك.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٢٨، ٤٢٩، وهذه الرواية نظيفة من الزيادة التي رواها الطبري في تفسيره ج١٩ ص١٢١، ١٢٢، وردها ابن كثير في السيرة ج١ ص٤٥٩، والحلبية ج١ ص٣٢٢، ولهذا لم أعتمد على رواية الطبري في التفسير راجع الوفاء ج١ ص١٨٤، ١٨٥، الخصائص الكبرى ج١ ص٣٠٦- ٣٠٩، الكامل في التاريخ ج٢ ص٦٢-٦٣، تفسير بن كثير ج٣ ص٣٥١.
[ ٣١٥ ]
فوالله ما زال العلماء يخيرون أنه يخرج من بني عبد المطلب نبي، فهو هو، قال: هذا والله الباطل والأماني، وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش، وقامت معها العرب فما قوتنا بهم فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس، فقال أبو طالب، والله لنمعنه ما بقينا.
ثم دعا النبي -ﷺ- جميع قريش، وهو قائم على الصفا وقال: "إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سنح" "سفح" هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تكذبوني؟ "، قالوا ما جربنا عليك كذبا، فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، إني لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد" ١.
والنص الذي ساقه صاحب الحلبية يفيد أن النبي -ﷺ- كان يلح في دعوة أهله وعشيرته٢، وكان يزاوج في استخدامه لوسائل التبليغ بين الحديث الشخصي والندوة والمؤتمر المؤقت، فهو يتحدث إليهم في جو عائلي ويكرر هذا اللقاء، ثم يصعد على الصفا ويناديهم، ففي البخاري:
لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي -ﷺ- على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر! يا بني عدي! " لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرأيتكم
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٢١. ٢ راجع روح المعاني ج١٩ ص١٣٥.
[ ٣١٦ ]
لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ "، قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ١.
وبذلك يتم توصيل الدعوة إلى عشيرته الأقربين، وسورة النقاش التي دارت بين صفية بنت عبد المطلب، وأبي لهب "عبد العزى بن عبد المطلب" أثر طبيعي لدعوة الرسول -ﷺ- لهم وهو، انفعال أو تفاعل داخل الجماعة مطلوب حصوله؛ لأن الإقناع لا يتم إلا عن طريق المناقشة الضيقة التي تعطي وتأخذ وتقيم الأدلة وتناقش البراهين٢. وقد حجت صفية أخاها أبو جهل فلم يخرج من المأزق إلا بغلظة التعبير "كلام النساء في الحجال".
لقد ثبت بهذه النصوص:
أن نقل الدعوة من طورها السري إلى طورها الجهري، كان بإذن من عند الله حيث أمر -ﷺ- بأن ينذر عشيرته الأقربين، فثبت أن الدعوة تسير في رعاية الله وكنفه.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج١ ص١١٨-١٢٠، راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٦، تفسير الطبري ج١٩ ص١٢١ دلائل النبوة للبيهقي ج١ ص٤٣١، الوفا ج١ ص١٨٣. ٢ راجع القيادة ودينامكية الجماعات ص١٩٩.
[ ٣١٧ ]
وأن الرسول -ﷺ- استخدم في هذه المرحلة وسيلتين للتبليغ:
١- اللقاء الشخصي فيما صنعه سيدنا علي ﵁ من طعام مرات تمكن في آخرها رسول الله -ﷺ- من تبليغ رسالته.
وهذه الرواية على ما ذكره ابن كثير في سيرته أو ما ذكره الطبري في تفسيره تفيد حدوثها تاريخيا بغض النظر عن الزيادة التي لم يقبلها ابن كثير وصاحب الحلبية١.
٢- والوسيلة الثانية المؤتمر المؤقت على نحو ما ذكره الإمام البخاري فيما نقلته عنه سالفا.
٣- أخبار العلماء السابقين بنبوة سيدنا محمد -ﷺ- وذلك يؤكد مرحلة التمهيد للدعوة.
لقد كلف رسول الله -ﷺ- بإنذار أهله بعد مرحلة التبليغ السري لإعداد القيادة حتى تكون عشيرته لمن سواهم عبرة، فهؤلاء مع قربهم وقرابتهم من النبي -ﷺ- يتهددهم العذاب لو بقوا على الشرك لا يؤمنون، وقد أخرج مسلم والترمذي بإسناده عن أبي هريرة ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية
_________________
(١) ١ السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٩، الحلبية ج١ ص٣٢٢ ففيهما أنكرا الزيادة المذكورة "أخي ووزيري" ومع رفض الزيادة فالحادثة صحيحة، راجع روح المعاني ج١٩ ص١٣٥.
[ ٣١٨ ]
دعا رسول الله -ﷺ- قريشا فعم وخص، فقال: "يا معشر قريش! أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها".
ففي هذه النصوص توضيح شفاف لكيفية تلقي الرسول -ﷺ- وكيف بلغه لعشيرته الأقربين، ونفض يديه الكريمتين من أمرهم، ووكل موقفهم وشئونهم إلى ربهم، وبين لهم أن قرابتهم له لا تنفعهم شيئا إذا لم ينفعهم عملهم، وبأنه لا يملك لهم من الله شيئا وهو رسول الله، وهذا هو الإسلام في نصاعته: أنه يتقي الوساطة بين الله وعباده، حتى ولو كانوا أقرباء إلى رسول الله -ﷺ- ما لم يكونوا مسلمين١.
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ مع تصرف في ظلال القرآن ج١٩ ص١١٧، من راجع هذا البحث الخصائص ج١ ص٣٠٦-٣٠٩، الوفا بأحوال المصطفى ج١ ص١٨٢ -١٨٥ تاريخ الطبري ج٢ ص٣١٩-٣٢٢ الطبقات ج١ ص٢٠٠، دلائل النبوة البيقهي ج١ ص٤٣١، ٤٣٢، مسلم ج١ ص١٩٢، ١٩٣، اللؤلؤ والمرجان ج١ ص٥٢. ٢ الآية رقم ٢٢ من سورة لقمان.
[ ٣١٩ ]