وعلى الرغم من تطور وسائل الاتصال في العصر الحديث التي تستخدم في بث الأفكار والدعوة لمبدأ ما فإن الاتصال عن طريق اللغة والمقابلة
[ ٣٥٢ ]
الشخصية ما زال هو العامل الأساسي في توصيل آية دعوة، لأن اللغة تمثل أهم طريقة للتفاعل الاجتماعي بين الأفراد، وعن سبيلها يمكن الإلمام بمعرفة أحوال الناس والمشاركة في الأفكار والمشاعر والمعتقدات، ونتيجة لهذا يمكن تحديد وتشخيص وحل المشكلات في المجتمع١.
وقد نشطت الدراسات الاجتماعية الحديثة في تصوير وسائل الاتصال بالجماعة عن طريق اللغة التي تعتبر وسيلة أساسية فعالة في توصيل المبادئ للناس.
وقد توصل الدارسون الغربيون والشرقيون إلى وضع عدة وسائل منها:
١- المناقشة في الجماعة الصغيرة، وقد حاولوا وضع تعريف لها فقالوا: إنها تبادل الأفكار والآراء وجها لوجه بين أعضاء جماعة صغيرة نسبيا "وتكون عادة من خمسة إلى عشرين".
وحددوا سمات لهذه الوسيلة منها: إنها تتيح الحد الأقصى من التفاعل المتبادل بين الأعضاء، وأنها تعلم الأعضاء التفكير في حيز إطار الجماعة الذي ينمي الإحساس بالمساواة، وإنها تساعد على انبثاق قيادة٢، ولقد سبق رسول الله -ﷺ- هذه الدراسات منذ أن توجه إلى تبليغ دعوة الله.
_________________
(١) ١ القيادة وديناميكية الجماعات ص٧٨. ٢ القيادة وديناميكية الجماعات ص١٨٣.
[ ٣٥٣ ]
ففي أسباب النزول للواحدي: أن النبي -ﷺ- كان يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام وعباس بن عبد المطلب وأبيا وأمية بن خلف ويدعوهم إلى الله تعالى، ويرجو إسلامهم فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله! علمني مما علمك الله، وجعل يناديه ويكرر النداء، ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره١.
٢- جماعة الطنين: وهي وسيلة بديلة عن وسيله "الحابل والنابل" التي تتفتت الجماعة فيها إلى وحدات صغيرة لتيسير المناقشة٢.
وطريقة الطنين هذه يقتصر فيها على عضوين اثنين فقط لمناقشة موضوع ما، وقد سبق القرآن الكريم هذه الدراسة منذ فجر الدعوة حيث دعا المخاصمين إلى أن يقوموا قومة خالصة لله مثنى وفرادى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٣.
٣- الندوة: وهي طائفة من الأحاديث والكلمات أو المحاضرات يعرضها أشخاص لموضوع مشكلة واحدة٤.
_________________
(١) ١ أسباب النزول للواحدي ص٤٧٨. ٢ القيادة وديناميكية الجماعات ص١٩٩. ٣ الآية رقم ٤٦ من سورة سبأ. ٤ القيادة وديناميكية الجماعات ص٢٠٣.
[ ٣٥٤ ]
وقد سلف أن النبي -ﷺ- لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين﴾ أقام لهم ندوة مرتين تكلم أبو لهب في الأولى وعرض وجهة نظره وتكلم رسول الله -ﷺ- في الثانية وشرح لهم دعوته١.
٤- المناظرة: هي محاورة تجري بين شخصين من ذوي المعرفة القادرين على الحديث عن موضوع معين٢.
وقد سبقت الدعوة الإسلامية بهذا الأسلوب في العمل لتبليغ الدعوة كما وقع بين الرسول -ﷺ- وحصين٣، وسبق أن ذكرت كيف أسلم ضماد٤ وقد أسلم عمرو بن عبسة السلمي٥ نتيجة محاورة بينه وبين الرسول -ﷺ- غير أن عنصر المحاورة هنا كان طبيعيا لا يحمل صفة التعصب أو التعنت وهو أمر غير سهل في العصر الحديث.
٥- المقابلة٦: وهي وسيلة متعددة الأساليب بالزيارة أو بالراديو والتلفزيون إلخ.
وقد كان رسول الله -ﷺ- دائما حريصا على أن تتم المقابلة بينه وبين خصوم الدعوة فإنه رغم الأذى الذي كان
_________________
(١) ١ راجع السيرة لابن كثيرة ج١ ص٤٥٨، ٤٥٩. ٢ القيادة وديناميكية الجماعات ص٢٣٣. ٣ راجع الحلبية ج١ ص٣١٨. ٤، ٥ راجع السيرة لابن كثير ج١ ص٤٥٢، ٤٤٢. ٦ دراسات في تنظيم المجتمع ص١٧ القيادة وديناميكية الجماعات ص٢٣٩.
[ ٣٥٥ ]
يدأب على تقديمه عقبة بن أبي معيط إلا أن رسول الله -ﷺ- كان يكثر من مجالسته، ولما دعا النبي -ﷺ- لوليمة في بيته أثر عودته من سفر استجاب له رسول الله -ﷺ- وما أكل حتى أنطقه شهادة التوحيد١.
٦- المؤتمرات المؤقتة٢: وقد استخدم النبي -ﷺ- المؤتمر المؤقت في أسلوب الدعوة حين صعد على الصفا يوم أن نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، وناداهم فاجتمع الناس إليه وكانوا بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسولا عنه، ثم قال لهم: "لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ "، قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" ٣.
المؤتمرات الدورية وهي مواسم الحج:
وقد كان النبي -ﷺ- يمر على الناس في أسواق الحج يقول لهم: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" ٤.
وقد كانت هذه الوسيلة هي ركيزة العمل التمهيدي لنقل الدعوة من مكة إلى طابة المدينة المنورة.
_________________
(١) ١ الحلبية ج١ ص٣٥٣. ٢ دراسات في تنظيم المجتمع ص١٧٦، القيادة وديناميكية الجماعات ص٢٩٤. ٣ الوفا ج١ ص١٨٣. ٤ الوفا ج١ ص١٨٢، السيرة لابن كثير ج٢ ص١٥٥ وما بعدها.
[ ٣٥٦ ]
إن وسائل الدعوة التي استخدمها رسول الله -ﷺ- هي أمنية العاملين في الحقل الاجتماعي في العصر الحديث.
وما يزيد المبشر في المجتمعات البدائية عن هذه الطريقة التي سنتها الدعوة الإسلامية كأسلوب ووسيلة لنشر دين الله، إلا أنه ينفذها فقط.
ويا ليت شعري لو أن بعثات الأزهر الشريف في آسيا وأفريقيا، وهم يكتسبون رزقا واسعا ومركزا جليلا، ليت شعري لو أنهم أخلصوا العمل لله فامتثلوا والتزموا وأحيوا سنة رسول الله -ﷺ- في نشر الدعوة بهذه الوسيلة، والله ما أعوذ الناس يومها بعد ذلك جرعة دواء من يد كافر، ولفتح الله لنا ولدينه في بلاد الله خيرا كثيرا.
وكما قالها رسول الله -ﷺ:
"لقد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة".
ولكن متى كان لليت جواب؟
أو لعل أن يكون لها جواب إن شاء الله.
[ ٣٥٧ ]