كلٌ منا يخطئ في حق الآخرين، فلربما أخذ شيئًا من أموالهم بغير حق، ولربما استطال عليهم بالضرب أو السخرية أو الهمز واللمز، وكل ذلك مسجل علينا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولسوف نوفى قصاصَه يومَ القيامة بين يدي الله الحكمِ العدلِ.
والعاقل الحصيف هو من يتخلص من هذه الذنوب والمظالم في الدنيا باسترضاء أصحابها وطلب صفحهم ومسامحتهم، أو بتمكين المظلومين من القود منه والأخذِ بقدر مظلمتهم، فهذا خير له من أن يأتي يوم القيامة مع المفلسين «المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه؛ أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (١) فهذا مصير البطالين الذين ما عرفوا قدر الله ولا خافوا جزاءه.
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٥٨١).
[ ٤٩ ]
وأما المؤمن فيَفْرَق من عقاب الله وحسابه، فيتقيه بخصلة جميلة، وهي العدل والإنصاف من النفس والاعتراف بالحق والتراجع عن الظلم؛ هذه فضائل أمر بها الله في القرآن ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ (النحل: ٩٠)، والتزمها النبي - ﷺ -، وهو الذي كان خلقه القرآن.
قال المناوي: "والإنصاف من نفسك أي معاملة غيرك بالعدل والقسط، بحيث تحكم له على نفسك بما يجب له" (١).
وقد كان رسول الله - ﷺ - أخوف الناس لربه وأخشاهم له، وكان أحرصهم على أن يلقى الله وليس لأحد عليه مظلمة، وهذا بيّن وجلي لمن تدبر أحواله - ﷺ - التي أنصف من نفسه، فلقي الله وليس لأحد في رقبته حق يسأله عنه يوم القيامة.
فقبيل وفاته - ﷺ - وُعِك، فعصب رأسه، وأخذ بيدي الفضل، فأقبل حتى جلس على المنبر، ثم خطب فقال: «أما بعد، أيها الناس، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، وإنه قد دنا مني خُفُوق من بين أظهركم [أي اقترب موته - ﷺ -]، فمن كنتُ جلدتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن
_________________
(١) فيض القدير، المناوي (١/ ٦٤٤).
[ ٥٠ ]
كنتُ شتمتُ له عرضًا فهذا عرضي فليستقدْ منه، ومن كنتُ أخذتُ له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه» (١).
وحذرًا من استحياء الصحابة عن المطالبة بحقوقهم قال لهم - ﷺ -: «لا يقولن رجل: إني أخشى الشحناء من قِبل رسول الله - ﷺ -، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي ولا من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ حقًا إن كان له، أو حللني فلقيتُ الله وأنا طيب النفس» (٢).
ولما سمع الصحابة تأكيد النبي - ﷺ - على تذكيره بحقوقهم، وأن ذلك مدعاة لمحبته - ﷺ - قام رجل فقال: يا رسول الله، إن لي عندك ثلاثة دراهم.
فقال - ﷺ -: «أما أنا فلا أكذب قائلًا، ولا أستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندي؟» فقال: يا رسول الله أتذكر يوم مر بك المسكين، فأمرتني، فأعطيتُه ثلاثة دراهم، فقال - ﷺ - مخاطبًا ابن عمه الفضل بن العباس: «يا فضل أعطه» (٣).
_________________
(١) أخرجه البزار في مسنده. انظر البحر الزخار ح (٢١٥٤).
(٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (١٥١١٩)، وعبد الرزاق في مصنفه ح (١٨٠٤٣).
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده ح (٦٦٧٥).
[ ٥١ ]
وفي يوم بدر، وبينما النبي - ﷺ - يعدل صفوف أصحابه بقدح في يده؛ مر بسواد بن غزية وهو خارج من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: «استو يا سواد»، فقال: يا رسول الله! أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني.
وهنا يقف التاريخ على أطراف قدميه ليرى فعل هذا النبي القائد، جنديُه يطالبه القود أمام شعبه ورعيته، الذين تثور في مخيلتهم مآثر النبي - ﷺ - عليهم، فهو رحمة الله لهم، استنقذهم الله به من النار، فهل يمكن بعد هذا أن يضرب - ﷺ - وهو حبيب رب العالمين؟ هل سيسلم أشرف الخلق وخاتم النبيين نفسه لميزان العدل الذي ما زال يدعو إليه منذ أن بعثه الله؟
نعم، لقد كشف رسول الله - ﷺ - عن بطنه، وقال: «استقد».
لكن سوادًا كان أعرف الناس بحق النبي - ﷺ - وفضله على الناس، فأقبل على بطن النبي - ﷺ - يقبِّلها.
فيتساءل النبي - ﷺ -: «ما حملك على هذا يا سواد؟» ألا تريد القود والنصف والعدل، فدونك بطني، وخذ حقك قبل الوقوف بين يدي العظيم الذي يحسب عنده الحقير والقطمير، فقال سواد: يا رسول الله، حضر ما ترى من القتال، فأردت أن
[ ٥٢ ]
يكون آخر العهد بك: أن يمس جلدي جلدَك (١)، درس بليغ في الحب والعدل، لا يتسامى إلى عليائه إلا العظماء.
وفي موطن ثالث، وبينما النبي - ﷺ - يمازح أسيدَ بن حضير؛ طعنه في خاصرته بعود، فقال أسيد: أصبرني. [أي أقدني من نفسك].
فما تريث النبي - ﷺ - في الأمر وما تلكأ، بل قال: «اصطبر» [أي استقد].
أما أسيد فقد أغراه ما يعرفه من عدل النبي - ﷺ - وإنصافه لطلب المزيد من النصفة، فقال: يا رسول الله، إن عليك قميصًا، وليس علي قميص؟!
فرفع النبي - ﷺ - عن قميصه إحقاقًا للعدل، فاحتضنه أسيد، وجعل يقبل كشحه، ويقول: إنما أردت هذا يا رسول الله (٢).
وهكذا، فرسول الله - ﷺ - لا يرى بأسًا أن يقيد من نفسه في سبيل طلب الصفح والسلامة في الآخرة، وهو الذي غفر الله
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق في السيرة. سيرة ابن هشام (٢/ ٢٦٦)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٢٨٣٥).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ١٠٢).
[ ٥٣ ]
له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهل ترانا نصنع هذا مع من نخطئ عليهم في حياتنا اليومية؟ أولسنا أحوج إلى هذا من نبينا - ﷺ -؟
واستدان النبي - ﷺ - من الحبر اليهودي زيد بن سعنة، وقبل حلول أجل الدين بثلاثة أيام أقبل الحَبر يتقاضاه، فجبذ ثوب النبي - ﷺ - عن منكبه الأيمن، ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مَطلْ [أي مماطلة وتأخير في رد الدين]، وإني بكم لعارف.
فانتهره عمر لسوء أدبه وغلظته وفجاجته، وقال: (يا يهودي، أتفعل هذا برسول الله، فو الذى بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك)، أفهكذا يطلب صاحب الحق حقه ممن لا يجحده ولا يتلكأ في أدائه؟! أنسي حبر اليهود أنه يعيش في المدينة بأمان محمد - ﷺ - وذِمَّته؟ أهكذا تتحدث السوقة مع الخاصة؟ أما كفاه سلاطة لسانه وقلة أدبه حتى تجرأ بجذب ثوب النبي - ﷺ -؟
لكنه - ﷺ - نهر عمر، وقال له بإنصاف المؤمن وحِلمِه والبسمة تملأ وجهه الشريف: «يا عمر، أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج: أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، انطلق يا عمر أوفه حقه».
[ ٥٤ ]
ولم يقف - ﷺ - عند مقتضى العدل، بل قال: «أما إنه قد بقي من أجله ثلاث، فزده [يا عمر] ثلاثين صاعًا لتزويرك عليه» (١).
ويروي لنا أبو هريرة مشهدًا آخر مشابهًا، فيذكر أن النبي - ﷺ - اقترض من رجل، فجاء صاحب الدين إلى النبي فأغلظ له في القول، فهمَّ به أصحاب النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: «إن لصاحب الحق مقالًا، فقال لهم: اشتروا له سنًا فأعطوه إياه».
فقالوا: إنا لا نجد إلا سنًا هو خير من سنه. قال: «فاشتروه، فأعطوه إياه، فإن من خيركم أو خيرَكم أحسنكم قضاء» (٢).
وإن من أقاد من نفسه وأعطى العدل منها لهو من باب أولى يعطيه من قومه وعشيرته وأصحابه، وهو ما صنعه الأسوة الحسنة - ﷺ - حين بعث أبا جهم بن حذيفة لأخذ الصدقة من بني ليث، فلاجَّه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي - ﷺ - فقالوا: القود يا رسول الله؟!
فجعل النبي - ﷺ - يعرض عليهم الصلح، فيقول: «لكم كذا وكذا»، فلم يرضوا.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٣٧)، والبيهقي في السنن (٦/ ٥٢).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٣٠٦)، ومسلم ح (١٦٠١)، واللفظ له.
[ ٥٥ ]
فقال: «لكم كذا وكذا»، فلم يرضوا فقال: «لكم كذا وكذا»، فرضوا
ثم صعد النبي - ﷺ - المنبر، فأخبر الناس بخبر الليثيين، وأنهم لم يرضوا أول الأمر، فقام المهاجرون وهموا بهم سوءًا لولا أن رسول الله - ﷺ - كفهم، ثم دعا الليثيين، فقال: «أرضيتم؟»، فقالوا: نعم (١).
وقد فقه الصحابة هذا المبدأ العظيم من العدل والإنصاف من النفس، فوقف عمر يخطب الناس زمن خلافته فقال: أيها الناس، إني ما أُرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنةَ نبيكم، فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنَّه منه.
فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لو أن رجلًا أدب بعض رعيته أتقصه منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده أقصه، وكيف لا أقصه وقد رأيت النبي - ﷺ - يقصُّ من نفسه (٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٥٣٤)، وابن ماجه ح (٢٦٣٨)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (٣٨٠١).
(٢) أخرجه أبو داود ح (٤٥٣٧)، وأحمد ح (٢٨٨)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود ح (٩٨٠).
[ ٥٦ ]
ويؤكد ابن شهاب الزهري على شهرة هذا الخلق الكريم بين الصحابة، فيقول: "إن أبا بكرٍ الصديق وعمرَ بنَ الخطاب وعثمانَ بنَ عفان ﵃ أعطوا القَوَد من أنفسهم وهم سلاطين، فلم يُستقَد منهم" (١).
وهكذا، فإن الحصيف من الناس يطلب السلامة في آخرته، فيتحلل من المظالم أو يردها، خشية أن يحاسب عليها يوم القيامة، وأسوته في ذلك محمد - ﷺ - القائل: «من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ إلا الحسناتُ والسيئاتُ» (٢).
_________________
(١) ذكره البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٥٠).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٤٢٩).
[ ٥٧ ]