الفخر بالنسب والتباهي به من أوائل المعاصي التي عصي بها الرب ﵎، فحين أمر الله إبليس بالسجود لآدم؛ تكبر وتعالى بأصله الشريف ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (البقرة: ١٢).
وإلى يومنا هذا ما زال من عادة الناس التفاخر بالحسب والزهو بالنسب، فهذا لا يخطِّب ابنته إلا ابن قبيلته، إذ لا يساميه في الشرف أحد، فهو سليل الأماجد، والناس جميعًا دونه سوقة ورعاع.
والفخر على الناس بالحسب والنسب غريب عن مقومات المجتمع المسلم، وهو سمة من سمات الجاهلية التي تنبأ النبي - ﷺ - بديمومة بعض المسلمين على فعلها تأثرًا بالجاهلية وأدرانها «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونَهن: الفخرُ في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنِّيَاحة» (١).
وهكذا فإن ميزان الجاهلية في تقويم الناس واحترامهم يعتمد على الحسب والنسب والمال وأمثال ذلك، وهي أمور لا
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٩٣٤).
[ ١٣٥ ]
تعدو - لو كانت مَزِيَّة - أن تكون بعضَ فضلِ الله على عباده، وهذا مدعاة التواضع والشكر له ﵎، لا الفخرَ على عباده والتكبر عليهم.
وحين بعث النبي - ﷺ -؛ شرع في تصحيح أخطاء الجاهلية وتغيير قيمها الخاطئة، فعالج الأسوةُ الحسنة - ﷺ - هذه الخَصْلة الذميمة التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي وأرسى الموقف الإسلامي الصحيح في مسألة التفاخر بالنسب.
وبداية نقول: إن النبي - ﷺ - أخبر أن الناس جميعًا متساوون في الآدمية، فكلهم أبناء آدم، وهم جميعًا على اختلاف ألوانهم وأجناسهم مكرَّمون بما خصه الله من خصائص الإنسانية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠).
وإذا كان جميع البشر متساوين في الإنسانية، فإنما تتفاوت أقدارهم بأمر زائد على إنسانيتهم، وهو ما يقدمونه بين يدي الله من أعمال صالحة ترفع منزلتهم عنده وعند عباده ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣).
[ ١٣٦ ]
ميزان الجاهلية في تقديم أهل الحسب والنسب والجاه:
ولقد شنع النبي - ﷺ - على فعل أولئك الذين يتفاخرون على عباد الله بأحسابهم وأنسابهم، واعتبر صنيعهم من بقية أدران الجاهلية، والمفروض بالمسلم أن يتسامى عليها ويترفع عنها: «إن الله ﷿ قد أذهب عنكم عُبِيَّة الجاهلية وفخرَها بالآباء، [الناس] مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب، ليدَعنَّ أقوام فخرَهم برجال أو ليكونُنَّ أهون على الله من الجِعلان التي تدفع بأنفها النتن» (١).والجِعلان هي الحشرات التي تلامس القاذورات.
وفي رواية أنه قال: «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده لما يدهده الجُعل بمنخريه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» (٢)، فشبه - ﷺ - "المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعلان، وآباءَهم المفتخرَ بهم بالعذْرة، ونفسَ افتخارِهم بهم بالدفعِ والدهدهةِ بالأنف،
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٥١١٦)، وأحمد في مسنده (٨٥١٩).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ح (٢٧٣٤).
[ ١٣٧ ]
والمعنى أن أحد الأمرين واقعٌ ألبتة: إما الانتهاءُ عن الافتخار، أو كونُهم أذلَّ عند الله تعالى من الجعلان الموصوفة" (١).
ولما كان الفخر بالأنساب عملًا من أعمال الجاهلية؛ فإن النبي - ﷺ - ما فتئ يحذر منه، ويربي أصحابه: «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا؛ حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخرْ أحد على أحد» (٢).
ولما رأى النبي - ﷺ - بعضَ التفاخرِ بالنسب بين أصحابه؛ سارع إلى تقويمهم، ومن ذلك خبرُ سعدِ بنِ أبي وقاص الزهري، الذي كان النبي - ﷺ - يخصه بمزيد محبة، لأنه من بني زهرة أهل أمِ النبي - ﷺ -، فكان - ﷺ - يقول لأصحابه عن سعد متحببًا: «هذا خالي، فليُرِني امرؤ خالَه» (٣).
لكن سعدًا حين سمع - ﵁ - النبي يقول فيه ذلك؛ ظن أن له فضلًا على غيره، فنبهه - ﷺ - على خطئه، وبين له فضل الضعفاء ومنزلَتهم عند الله بقوله الذي يرويه لنا مصعبُ بنُ سعد بنِ
_________________
(١) عون المعبود (١٤/ ١٧).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٨٦٥).
(٣) أخرجه الترمذي ح (٢٧٥٢).
[ ١٣٨ ]
أبي وقاص بقوله: رأى سعد - ﵁ - أن له فضلًا على من دونه فقال - ﷺ -: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» (١).
وفي موقف آخر بلغ صفيةَ بنتَ حيي أن حفصةَ بنتَ عمر قالت عنها أنها ابنة يهودي، فبكت صفية لذلك، فدخل عليها النبي - ﷺ - وهي تبكي، فقال: «ما شأنُك؟»، فأخبرته بما قالته حفصة عنها، فقال - ﷺ - مواسيًا: «إنك ابنة نبي [أي هارون لأنها من نسله]، وإن عمك لنبي [أي موسى ﵇]، وإنك لتحت نبي [أي هي زوجة نبي]، ففيم تفخر عليك؟»
ولم يفُتْه - ﷺ - النصح لزوجه المخطئة فقال لها: «اتق الله يا حفصة» (٢).
قال المباركفوري: " قال «اتقي الله» أي مخالفته أو عقابه؛ بترك مثل هذا الكلام الذي هو من عادات الجاهلية" (٣).
ونلحظ هنا أن النبي - ﷺ - أرشد إلى طريقة ينجبر بها كل نسب يظنه البعض سُبة، وهي الانتساب إلى الأب الشريف ولو كان بعيدًا، كما هو الحال في صفية، فهي من نسل هارون
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٨٩٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ح (١١٩٨٤).
(٣) تحفة الأحوذي (١٠/ ٢٦٩).
[ ١٣٩ ]
﵇ الذي مضى قبل الإسلام بألفي سنة، ومثل هذا الأب البعيد لا يعدمه أحد في دنيا الناس اليوم.
وذات مرة انتسب رجلان على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال أحدُهما للآخر: أنا فلان بنُ فلان، فمن أنت لا أم لك؟ فما كان من رسول الله - ﷺ - إلا المسارعة إلى علاج هذا الخلل بذكر قصة مشابهة حصلت زمن موسى ﵇، فقال - ﷺ -: «انتسب رجلان على عهد موسى ﵇، فقال أحدهما: أنا فلانُ بنُ فلان - حتى عد تسعة - فمن أنت لا أم لك؟ فقال الآخر: أنا فلانُ بنُ فلان ابنُ الإسلام.
قال - ﷺ -: فأوحى الله إلى موسى ﵇ أنَّ هذين المنتسبين، أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار، فأنت عاشرُهم، وأما أنت يا هذا المنتسبُ إلى اثنين في الجنة، فأنت ثالثُهما في الجنة» (١).
وهكذا ينبغي أن يدع المتأسون بالنبي - ﷺ - فعلَ الجاهلية وضلالَها بالافتخار بالأحساب والأنساب والأجناس والأعراق والألوان والبلدان، فكلنا بنو آدم، وإنما تتفاوت أقدارنا عند الله بعبادتنا له وتكريمه ﵎ لنا.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ح (٢٠٦٧٤).
[ ١٤٠ ]
إن أكرمكم عند الله أتقاكم:
ولابد لنا هنا من الحديث عما أرساه - ﷺ - بدلًا عن الحسب والنسب من قيم إسلامية، يتفاضل الناس على أساسها فيما بينهم؛ إنه قربهم من الله تعالى وعبادتهم له ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣).
هذا المبدأ الإسلامي العظيم رسخه النبي - ﷺ - في أقوال كثيرة ربط فيها الخيرية بالعمل الصالح، ومنها قولُه - ﷺ -: «خيرُكم من تعلم القرآن وعلمه» (١)، وقولُه: «خيرُكم من يرجى خيره ويؤمن شره» (٢)، وقولُه: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» (٣)، وقولُه: «خيرُكم إسلامًا أحاسنُكم أخلاقًا إذا فقِهوا» (٤)، وقولُه: «خيرُكم من أطعم الطعام أو الذين يطعمون الطعام» (٥)، ففي هذه الأحاديث ربطٌ للخيرية
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٠٢٧).
(٢) أخرجه الترمذي ح (٢٢٦٣).
(٣) أخرجه الترمذي ح (٣٧٩٥).
(٤) أخرجه أحمد ح (٩٧٢٠).
(٥) أخرجه أحمد ح (٢٣٤١١).
[ ١٤١ ]
بأعمال صالحة يتعدى نفعُها إلى الآخرين، هي تعلُمُ القرآن وتعليمُه، وحسنُ المعاملة مع الأهل وغيرِهم، وكفُ الشر والأذى، وإطعامُ الطعام.
وذات يوم جلس أصحاب النبي - ﷺ - يتحادثون في أكرم العرب نسبًا، فهذا الموضوع له عمق وأهمية في مخيلة العربي الذي نشأ في البيئة العربية التي ما فتئ الناس فيها يتفاخرون بالأحساب والأنساب، ثم رأوا أن يحسموا أمرهم بسؤال النبي المعصوم الذي يوحى إليه، فقالوا: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ فأجاب النبي - ﷺ - بأخصر جواب وأدقه وأعمقه: «أتقاهم».
لكن الصحابة كانوا يبحثون عن إجابة سؤال آخر، إنهم يريدون معرفة أكرمِ الناس نسبًا وأعلاهُم مقامًا، فقالوا: ليس عن هذا نسألك. فأجابهم - ﷺ - وهو يغرس ميزان الإسلام في صدورهم: «فيوسف، نبيُّ الله ابنُ نبي الله ابنِ نبيِّ الله ابنِ خليل الله».
لقد عاد النبي - ﷺ - للتأكيد على ميزان الخيرية الإسلامي الذي يقدم المرء حسب الإيمان ونسب العقيدة، وهو بالطبع ليس جواب السؤال الذي يسأله الصحابة، لذلك قالوا ثانية:
[ ١٤٢ ]
ليس عن هذا نسألك! فقال - ﷺ -: «فعن معادن العرب تسألون، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا» (١).
قال القاضي عياض: "وقد تضمن الحديث في الأجوبة الثلاثة أن الكرم كلَّه عمومَه وخصوصَه ومجملَه ومبانيه؛ إنما هو الدين، من التقوى والنبوة والإسلامِ مع الفقه" (٢).
ولقد تكرر سؤال الصحابة للنبي - ﷺ - عن خير الناس وأفضلِهم في مواطن كثيرة، فما فتئ - ﷺ - في جوابه يؤكد على خيرية العبادة والعمل، فحين جاءه أعرابي فقال: أي الناس خير؟ فأجابه - ﷺ -: «رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره» (٣).
وفي مرة أخرى سأله الصحابة: أي الناس خير؟ فقال وهو يؤكد على أن الخيرية خيرية القيم والعمل: «من طال عمره وحسُن عمله» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٣٥٣).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ١٣٥).
(٣) أخرجه البخاري ح (٦٤٩٤).
(٤) أخرجه الترمذي ح (٢٣٣٠).
[ ١٤٣ ]
وذات مرة قام إليه رجل وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟
فلم يجبه النبي - ﷺ - بأن خير الناس أكثرُهم مالًا وولدًا، ولا أحسنُهم جاهًا أو أكرمُهم نسبًا، بل قال: «خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهُم عن المنكر، وأوصلُهم للرحم» (١)، فالتكريم عند الله والتفاضل والخيرية إنما هو بالتقوى والعمل الصالح، الذي يرفع مقام العبد عند الله، والكريم عند الله ينبغي أن يكون كريمًا عند المؤمنين، والعكس بالعكس.
لقد أراد النبي - ﷺ - وهو يبعث في مجتمع جاهلي القيم، يقدم أهل الدنيا ويؤثِرهم على غيرهم، أراد أن يصحح القيم بروية الحكيم وتأني المشفق الناصح؛ فما زال كذلك حتى خلص المجتمع من أدرانها.
ومن هذه القيم الإسلامية الجديدة قوله - ﷺ - لمن أراد الزواج مخلصًا إياه من قيم الجاهلية: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (٢)،
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٦٨٨٨).
(٢) أخرجه البخاري ح (٥٠٩٠)، ومسلم ح (١٤٦٦).
[ ١٤٤ ]
والمعنى: "أن اللائق بذي الدين والمروءة، أن يكون الدين مطمحَ نظره في كل شيء، لا سيما فيما تطول صحبته، فأَمره النبي - ﷺ - بتحصيل صاحبة الدين، الذي هو غاية البُغية، وقد وقع في حديث عبد الله بنِ عمرو «لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهُن - أي يهلكهُن -، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهُن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمةٌ سوداءُ ذاتُ دين أفضل» " (١).
وفي درس عملي آخر ربى النبي - ﷺ - أصحابه على تفضيل الناس بحسب ميزان الله الذي يتساوى عنده الشريف والوضيع، فلا يتفاضلون عنده وعند عباده إلا بالتقوى، فقد جلس - ﷺ - بين أصحابه، فمر عليه رجل (٢)، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. قال: فسكت رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ١٣٥)، الحديث رواه ابن ماجه ح (١٨٥٩).
(٢) لم يرد في هذه الرواية اسم الرجل، لكن جاء رواية أخرى أنه عيينة بن حصن أو الأقرع بن حابس.
[ ١٤٥ ]
ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا يُنكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله.
فقال - ﷺ -: «هذا خير من ملئ الأرض مثل هذا»، وفي رواية للحديث عند الروياني في مسنده أن اسم هذا الفقير جُعيل، وأن النبي - ﷺ - قال: «فجُعيل خير من ملئ الأرض مثل هذا» (١).
وجعيل بن سراقة الضمري من فقراء المسلمين، وكان رجلًا صالحًا دميمًا قبيحًا، أسلم قديمًا، وشهد مع رسول الله أُحدًا (٢).
يقول ابن حجر: "وفي الحديث بيان فضل جُعيلٍ المذكور، وأن السيادة بمجرد الدنيا لا أثر لها، وإنما الاعتبار في ذلك بالآخرة كما تقدم، أن العيشَ عيشُ الآخرة، وأن الذي يفوته الحظ من الدنيا؛ يعاض عنه بحسنة الآخرة .. تبين من سياق طرق القصة أن جهة تفضيله إنما هي لفضله بالتقوى" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٠٩١).
(٢) انظر: عمدة القاري (٢٩/ ٢٢٥).
(٣) فتح الباري (١١/ ٢٧٨).
[ ١٤٦ ]
وكما حرص النبي - ﷺ - على إرساء قيم الإسلام العظيمة في المجتمع المسلم، وفق مبدأ التفاضل بالتقوى فإنه حرص على تخليصه من قيمة جاهلية، وهي التفاخر والتشريف بالحسب أو النسب أو المال أو اللون، فالناس عند الله سواء، لا فرق بين أبيضهم وأسودِهم، ولا بين غنيهم وفقيرِهم «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١).
وخلال سني دعوته - ﷺ - أرى الصحابة نماذج عملية في تفضيل بعض فقراء المسلمين وضعفائهم على غيرهم من أهل الجاه والمنزلة؛ لسابقتهم في الإسلام والعمل الصالح، ومن ذلك أنه - ﷺ - دفن شهداء أُحد أزواجًا، فكان إذا أوتي باثنين منهم سأل، ولعله يعلم جواب سؤاله: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟»، فإن أشير إلى أحدهما، قدمه في اللحد (٢). تقديمًا لمن قدمه الله تعالى.
والتفضيلُ لأهل القرآن ليس خاصًا بالأموات في قبورهم، بل هو تفضيل يرفعهم في الدنيا قبل الآخرة، فقد كان النبي - ﷺ - يقدم أهل القرآن في الإمارة على غيرهم، كما أمَّر قارئ القرآن ابن
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٥٦٤).
(٢) أخرجه البخاري ح (١٣٤٣).
[ ١٤٧ ]
أم مكتوم الضرير على المدينة في بعض أسفاره، كيف لا وهو - ﷺ - القائل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١).
ولو أصخنا السمع إلى أبي هريرة - ﵁ - لسمعناه يقص علينا نموذجًا آخر من تربية النبي - ﷺ - لأصحابه على التحاكم إلى ميزان الخيرية والتقوى، فقد بعث سرية من السرايا، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على شاب من أحدثهم سنًا فسأله: «ما معك يا فلان؟» فأجاب الشاب: معي كذا وكذا وسورةُ البقرة. فقال - ﷺ -: «أمعك سورة البقرة؟» قال: نعم، قال: «فاذهب فأنت أميرهم» (٢)، فلم يتأخر به سنه، كيف وقد قدمه الله بما آتاه من قرآنه.
والقارئ في سيرة النبي - ﷺ - تستوقفه قصة عجيبة، فقد مر أبو سفيان سيد قريش قبيل إسلامه على سلمانَ وصهيبٍ وبلالٍ في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها.
فسمع أبو بكر الصديق مقالتهم، فرفق بسيد العرب وكبير قريش، فقال معاتبًا: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدِهم؟
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٠٢٧).
(٢) أخرجه الترمذي ح (٢٨٧٦).
[ ١٤٨ ]
ثم أتى النبي - ﷺ - يشكوهم عنده، ويخبره بما قاله سلمان وبلال لأبي سفيان، فقال له - ﷺ - مستفهمًا: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم؛ لقد أغضبت ربك».
ذعر الصديق لما سمع، فانطلق يسارع في خطاه إلى هؤلاء الضعفة الذين يغضب الله لغضبهم، فأتاهم، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. ويغفر الله لك يا أُخي (١).
قال النووي: "وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، وفي هذا فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقتِه هؤلاء، وفيه مراعاة قلوبِ الضعفاء وأهلِ الدين وإكرامُهم وملاطفتُهم" (٢).
ولئن كان الناس يعيرون بالفقر والمسكنة؛ فإن النبي - ﷺ - نبه أصحابه إلى أنهما ليسا منقصة لأحد، لا بل قد يكونان سببًا في النجاة ورفعة الدرجات، كيف لا والفقراء أسبق من غيرهم إلى الجنة: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» (٣)، لذلك كان - ﷺ - كثيرًا ما يدعو الله
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٥٠٤).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٦٦).
(٣) أخرجه مسلم ح (٢٩٧٩).
[ ١٤٩ ]
بقوله: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» (١) لقد أراد - ﷺ - "إظهارَ تواضعه، وافتقارَه إلى ربه، إرشادًا لأمته إلى استشعار التواضع، والاحترازِ عن الكبر والنخوة، وأراد بذلك التنبيه على علو درجات المساكين وقربِهم من الله تعالى" (٢).
إن بعض هؤلاء الذين نزدريهم لفقرهم ومسكنتهم أفضلُ من كثيرين ممن نحتفي بهم ونصدِّرهم في المجالس ونسارع إلى تزويج بناتنا لهم: «رُبّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» (٣)، وفي رواية: «ألا أخبركم بشر عباد الله؟ الفظُّ المستكبر، ألا أخبركم بخير عباد الله؟ الضعيفُ المستضعَف ذو الطمرين، لو أقسم على الله لأبر الله قسمه» (٤).
قال النووي: "قوله: «الأشعث» الملبدُ الشعر، المغبرُ غير مدهونٍ ولا مرَجَّل، وقوله: «مدفوعٍ بالأبواب» أي لا قدْر له عند الناس، فهم يدفعونه عن أبوابهم، ويطردونه عنهم
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٣٥٢).
(٢) تحفة الأحوذي (٧/ ١٦).
(٣) أخرجه مسلم ح (٢٦٢٢).
(٤) أخرجه أحمد ح (٢٢٩٤٧).
[ ١٥٠ ]
احتقارًا له، و[لكن هذا العبد المحتقر من الناس] لو حلف على وقوع شيء؛ أوقعه الله إكرامًا له بإجابة سؤاله، وصيانتِه من الحنث في يمينه، وهذا لعِظَم منزلته عند الله تعالى، وإن كان حقيرًا عند الناس" (١).
وقد فقه أصحاب النبي - ﷺ - هذا الهدي النبوي، وأقاموه منهجًا في حياتهم، فقدموا في سائر أمورهم من تقدمهم بالعمل الصالح، ولو كان فقيرًا أو عبدًا أو مولى، ومن ذلك أنه: (لما قدم المهاجرون الأولون العُصبَة [موضعٌ بقباء] قبل مقدم رسول الله - ﷺ -؛ كان يؤمهم سالمُ مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا) (٢)، فلم يمنعه تأخر نسبه عن تقدم أشراف العرب وإمامتهم في أعظم فرائض الإسلام.
وبعد هجرة الرسول - ﷺ - قدّم النبيُّ سالمًا على سائر الصحابة بما معه من القرآن، فكان يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة (٣).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٧٥).
(٢) أخرجه البخاري ح (٧٥٦٣).
(٣) انظره في صحيح البخاري ح (٧١٧٥).
[ ١٥١ ]
وكذلك عرف عمر بن الخطاب - ﵁ - لبلالٍ الحبشي الأسود منزلته وسبْقه إلى الإسلام وعذابه في سبيله، فكان يقول: (أبو بكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا) يعني بلالًا (١).
وحين دوّن عمر - ﵁ - الدواوين، وكتب للناس رواتبهم، لم يلتفت إلى أحسابهم وأنسابهم، بل قدَّمهم بحسب سبقهم في الإسلام وقربِهم من رسول الله - ﷺ -، ففرض للمهاجرين الأولين السابقين إلى الإسلام خمسةَ آلاف، وللأنصار الذين آمنوا بعدهم أربعةَ آلاف، ولأزواج النبي ﵇ اثني عشر ألفًا، ثم فرض للناس على قدر منازلهم وقراءتِهم للقرآن وجهادِهم (٢).
وأما صغار الصحابة كعبدِ الله بنِ عمر، فأعطاهم ثلاثة آلاف، فدخل ابن عمر على أبيه مستعتبًا فقال: يا أبتِ فرضت لي ثلاثةَ آلاف، وفرضتَ لأسامةَ بنِ زيد أربعة آلاف، وقد شهدتُ مع رسول الله ما لم يشهد أسامة، فبيَّن عمر لابنه سبب زيادة عطاء أسامةَ ابنِ المولى على ابنِ الخليفة، وقال: (لأن زيدًا [والدَ أسامة] كان أحبَّ إلى رسول الله - ﷺ - من أبيك، وكان
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٧٥٤).
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٢٦).
[ ١٥٢ ]
أسامة أحبَّ إلى رسول الله - ﷺ - منك، فآثرت حبَّ رسول الله - ﷺ - على حبي) (١).
وإذا تبين لنا هذا الهدي النبوي فإن الواجب علينا أن نجري مراجعات صادقة في مفاهيمنا وموازيننا، ونستهدي بها بدلًا من موازين الجاهلية التي تجعلنا نفاضل بين الناس وفق القيم الدنيوية الرخيصة من جنس وجنسية ولون وقوم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٣٨١٣).
[ ١٥٣ ]