الأسرة هي قوام المجتمع، وهي المحضن الطبيعي لتخريج جيل من الأبناء الأسوياء الذين يعمرون الأرض بطاعة الله، وهذه الأسرة قوامها الأساس الوالدان اللذان يبنيان معًا هذه المؤسسة على قاعدة متينة من الحقوق والواجبات المتبادلة بينهما.
وحديثنا في هذا المقام عن زوج لا كالأزواج، عن سيد الأزواج - ﷺ -، نتسور حائط بيته لنطل على بعض جوانب حياته الخاصة - ﷺ -، نرنو منه تعلم أصول العشرة بين الزوجين، فحديثنا عن معاملة النبي - ﷺ - مع نسائه وأهل بيته تمس إليه حاجة كل منا، وهو هدية نخص بها كل زوج لا يعرف قيمة رباط الزوجية الوثيق، فيسيء إلى شريكة حياته، فيشتمها، أو يرفع صوته عليها، أو يغاضبها؛ لأن طعامها تأخر نضجه بضع دقائق، أو لأنها خالفته الرأي في مسألة ما أو لغيره من الأسباب التافهة التي لأجلها نقيم الدنيا ولا نقعدها.
ومن أعجب ما رأينا من صور سوء المعاملة؛ ما درج عليه بعض الأزواج، فتراه مع أصحابه طلْقَ المحيا براقَ الثنايا، فإذا ما وصل إلى عتبة بيته أخفى ابتسامته وتصنع تكشيرة وعبوسًا،
[ ٩ ]
يدعي أنه يحفظ بهما رجولته ووقاره في بيته، وما درى المسكين أن لا علاقة بين العَبُوس والرجولة إلا في مخيلة أشباه الرجال.
مع النبي - ﷺ - في بيته:
ولو تطفلنا على حياة النبي - ﷺ - الخاصة، وسألنا زوجه الأثيرة عائشة ﵂: كيف كان رسول الله - ﷺ - إذا خلا مع نسائه؟! لسمعنا الجواب: (كان كرجلٍ منكم لنسائكم، إلا أنه كان أكرمَ الناس خُلُقًا، وأبينَ الناس، ضاحكًا بسامًا - ﷺ -) (١).
ولا عجب أن يكون - ﷺ - كذلك فهو القائل: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا»، وفي رواية: «إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» (٢)، وكان يقول: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ح (٤٣٨٦)، ولكن معناه صحيح فقد شهد له وصف أم معبد له بأنه حسن الخلق بسام. انظر الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٦/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١١٦٢)، وأبو داود ح (٤٦٨٢)، وأحمد ح (٢٣٦٤٨).
(٣) أخرجه الترمذي ح (٣٨٩٥)، وابن ماجه ح (١٩٧٧).
[ ١٠ ]
وهكذا يضع النبي - ﷺ - ميزانًا فريدًا للخيرية، لا يقوم على كثرة الصيام ولا طول القيام، إنما يستمد قيَمَه من الإحسان إلى الزوجةِ خصوصًا، والأبناءِ والأهلِ عمومًا.
ولم يكن النبي - ﷺ - في بيته يأنف من شيء مما يأنف منه بعض الأزواج، ويرونه قادحًا بالرجولة وغير متناسب مع مَقامِها، فيتركون خدمة أنفسهم في البيت، ويأنفون من مساعدة زوجاتهم في أعباء المنزل، فلا تراه إلا صارخًا يطلب الماء تارة، والطعام تارة، وبقية حاجاته الشخصية في تارات أخرى، وكأنه يقيم في فندق من فنادق النجوم الخمسة، ومن يشاركه البيت هم خدمه الخاص، ولهؤلاء نذكر ما تقوله أم المؤمنين عائشة ﵂ في وصفه - ﷺ -، فقد سئلت: ما كان النبي - ﷺ - يصنع في بيته؟ فقالت: (كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمةَ أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)، وفي رواية: (كان بشرًا من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلب شاتَه، ويخدم نفسه) (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٦٧٦)، والرواية الثانية رواها الترمذي في الشمائل المحمدية ح (٣٣٧).
[ ١١ ]
قال المناوي: " فيه ندب خدمة الإنسان نفسَه، وأن ذلك لا يخل بمنصبه وإن جل" (١).
ويضيف ابن بطال: "من أخلاق الأنبياء التواضعُ، والبعدُ عن التنعم، وامتهانُ النفس، ليُستنَّ بهم، ولئلا يَخلُدوا إلى الرفاهية المذمومة، وقد أشير إلى ذمها بقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ (المزمل: ١١) (٢).
ومن عجيب ما نسمع من أخبار بعض الأزواج أنه يكثر السمر والسهر خارج البيت أو مع ضيوفه، ولا تجده كذلك مع زوجه التي لا تسمع منه إلا توجيه الأوامر: اصنعي ولا تصنعي، ولربما تكبر هذا المسكين عن الجلوس إلى زوجته ومباسطَتِها وتبادلِ الحديث معها.
ولهذا وأمثاله نقول: إن النبي - ﷺ - ورغم كثرة أعبائه ومشاغله جلس مرة يسامر زوجه عائشة، فسمع منها قصة عشر نسوة في الجاهلية، تحكي كل واحدة منهن قصتها مع زوجها، والنبي - ﷺ - يستمع لذلك كله بإصغاء وسرور، والحديث طويل معروف مشهور بحديث أمِ زَرْع، فلم تمنعه
_________________
(١) فيض القدير (٥/ ٣٠٠).
(٢) فتح الباري (١٠/ ٤٦١).
[ ١٢ ]
أعباء الأمة وواجبات الرسالة عن الوفاء بحق زوجه في المؤانسة والمباسطة.
قال النووي: "قال العلماء: في حديث أم زرعٍ هذا فوائد، منها استحباب حسن المعاشرة للأهل" (١).
وبعض الأزواج لربما يؤانس زوجته في الحديث في بعض الأوقات دون بعض، فهو لا يطيق كلامها إذا أتى من عمله متعبًا أو كان الوقت في الليل متأخرًا، لكن النبي - ﷺ - لم يكن كذلك، فمؤانسته - ﷺ - لأزواجه ولطفُه لا يعرف وقتًا دون وقت، تقول عائشة ﵂: (كان رسول الله - ﷺ - يصلي [في قيام الليل] جالسًا، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحوٌ من ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع ثم سجد؛ يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فإذا قضى صلاته نظر، فإن كنت يقظى تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع) (٢).
ولو عرض هذا الأمر على بعض الناس، فقيل له بأن فلانًا يجالس زوجته ويسامرها في الساعات الأخيرة من الليل، لأجاب بأن هذا وقت السحر، وقت القيام والتهجد
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٢٢١).
(٢) أخرجه البخاري ح (١١١٩).
[ ١٣ ]
والدعوات، وقوله صحيح، لكن السمر مع الزوجة هو أيضًا من عظيم العبادات وفاضِلها.
ومن ملاطفة النبي - ﷺ - لأزواجه مسابقتُه لعائشة ﵂، تحكي أم المؤمنين أنها كانت مع النبي - ﷺ - في سفر: فسابقتُه فسبقْتُه على رجليِّ، فلما حملت اللحم سابقتُه فسبقني. فقال: «هذه بتلك السبقة» (١).
ومن عجيب لطف النبي - ﷺ - ما صنعه مع عائشة حين جاء بعض الأحباش، ليلعبوا في المسجد بحرابهم، تقول عائشة: (فسترني رسول الله - ﷺ - وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف)، وتعقِّب عائشة ﵂ على هذا الهدي الجميل بدعوة المسلمين إلى التأسي به - ﷺ -: (فاقدُروا قدْر الجارية الحديثةِ السن) (٢).
ولئن كان الكثير من الأزواج يأنف من استشارة أزواجهم في قراراتهم الخاصة أو المتعلقة بشؤون الأسرة، فيرى أن من حقه الانفراد بالقرار دون استشارة زوجته التي تشاركه الحياة وآلامها، وما درى بأن النبي - ﷺ - المسدد بالوحي - استشار
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٢٥٧٨).
(٢) أخرجه البخاري ح (٥١٩٠)، ومسلم ح (٨٩٢).
[ ١٤ ]
أزواجه في قضايا تتعلق بالأمة، لا بالأسرة فحسب، كما في استشارته لزوجه أم سلمة يوم الحديبية.
والقصة بتمامها أنه لما وقّع النبي - ﷺ - اتفاق الحديبية كان من شروطه أن يعود النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة من غير اعتمار، فأمر النبي - ﷺ - أصحابه فقال: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات.
فلما لم يقم منهم أحد؛ دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: (يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ وتدعو حالِقَك فيحلِقَك، فخرج، فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه، ودعا حالِقه فحلَقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلِق بعضًا حتى كاد بعضُهم يقتل بعضًا غمًا) (١).
وينبه ابن حجر في شرحه الحديث إلى جملة من فوائده: "فيه فضل المشورة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغَ من القول المجرد .. وجوازُ مشاورة المرأة الفاضلة، وفضلُ أم سلمة ووفُورُ عقلها" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٧٣٤).
(٢) فتح الباري (٥/ ٣٤٧).
[ ١٥ ]
وهكذا فالنبي - ﷺ - يستشير زوجه ويأخذ برأيها، ولا يأنف من ذلك، ولا يراه قدحًا في عقله أو رجولته أو رأيه.
ومازال النبي - ﷺ - يوصي مرة بعد مرة بحسن عشرة النساء وحسن التعامل معهن، ومراعاة طبيعة الاختلاف في الطبيعة بين جنس الذكورة والأنوثة، فقد قال - ﷺ -: «واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خلقن من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضِلَع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا» (١)، وضلع المرأة هو غلبة العاطفة عليها بما يوقعها في الخلاف مع الرجل الذي تغلب عليه العقلانية في التحليل والتفكير.
وفي هذا الحديث تكررت وصاة النبي - ﷺ - بالنساء حتى حال الإساءة، وفيه تنبيه على أمور مهمة، "في الحديث الندبُ إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن، وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه، فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٣٣١)، ومسلم ح (١٤٦٨).
(٢) فتح الباري (٩/ ٢٥٤) وفي المطبوع: " وأن من رام تقويمهن فإنه الانتفاع بهن". ولعله تصحيف.
[ ١٦ ]
وفي حجة الوداع وأمام جموع الصحابة وقف النبي - ﷺ - مذكرًا بحقوق النساء على أزواجهن، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم [أي مثل الأسيرات عندكم] .. ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشَكُم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنَّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كِسوتهن وطعامهن» (١).
التعامل مع المرأة الغيراء:
ولن يفوتنا هنا التنبيه على حال تضطرب فيها النساء، فيحصل منها ما قد يؤدي إلى نفرة وجفاء، وهو حال الغيرة، والغيرة صفة حميدة يتصف بها المؤمنون والمؤمنات، لكن البعض وخاصة من النساء تستبد بها الغيرة، فتخرج عن طور الاعتدال إلى الإفراط الذي يسيء إلى الحياة الزوجية ويصبغها بطابع النكد وكثرة الخصام.
وتزداد الغيرة في المرأة إذا كان لزوجها أكثر من زوجة، فتراها ترتاب بظلمه لها وتجافيه عنها بحق وبغير حق، ولعلها تتهمه بالميل إلى ضرتها بمبرر وبغير مبرر.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (١١٦٣)، وابن ماجه ح (١٨٥١).
[ ١٧ ]
ومن أراد التعرف على قدر غيرة النساء على أزواجهن؛ فليصغ إلى قصة ترويها عائشة ﵂ تصف غيرتها وغيرة النساء بني جنسها: كان النبي - ﷺ - إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة مرة لعائشة وحفصة، وكان النبي - ﷺ - إذا جاء الليل سار مع عائشة يتحدث.
فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك، تنظرين وأنظر؟ [أي تجرب كل منا جمل الأخرى وترى كيف هو] فقالت عائشة: بلى. فركبتُ.
فجاء النبي - ﷺ - إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة فغارت، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وجعلت تقول: (يا رب سلط علي عقربًا أو حية تلدغني، ولا أستطيع أن أقول له [أي للرسول] شيئًا) (١)، وهذا الذي فعلته وقالته ﵂ "حملها عليه فرْطُ الغَيرة على رسول الله - ﷺ -، وقد سبق أن أمر الغيرة معفو عنه" (٢) لغلبته على المرأة.
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٢١١)، ومسلم ح (٢٤٤٥)، واللفظ له.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٢١٠).
[ ١٨ ]
فكيف لنا أن نتعامل مع غيرة زوجاتنا، وكيف نتصرف تجاه ما يصدر منهن من حب صادق دفعهن لتصرف خاطئ معنا، فالحب ينتج غيرة، والغيرة تحتاج إلى رفق وروية، كما تحتاج إلى عدل وإنصاف.
إن التأمل في حياة النبي - ﷺ - وكيفية تعامله مع مثل هذه المواقف يكشف عن تقديره - ﷺ - لما يستتر خلف الغيرة من حب كامن له في قلب زوجه ورغبتها أن تكون الأثيرة عنده - ﷺ -، وهكذا يقرأ الزوج الوفي المحب الموقف السلبي بعين مفعمة بالحب والرضا.
وها هو النبي - ﷺ - يجلس عند بعض نسائه، فترسل إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام إلى رسول الله، وهو في بيت ضرتها، فتغار الزوجة صاحبة البيت، فتضرب يد الخادم، فتسقط الصحفة من يده وتنفلق ويتناثر ما فيها من الطعام.
وقبل أن نسترسل في معرفة ردة فعل النبي - ﷺ - تجاه هذه الإساءة من زوجه التي غارت من أختها، أود أن أسأل قارئي الكريم عما سيفعله لو حصل هذا الفعل من زوجته.
وقبل أن يجيبني بما أعرف من المعهود في أخلاقنا وتصرفاتنا أنقل ما صنعه النبي - ﷺ -، فقد جمع فِلَق الصحفة، ثم
[ ١٩ ]
جمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، وهو يقول: «غارت أمكم»، لينتهي الموقف بيسر ولطف.
لكن غيرة الزوجة صاحبة البيت لا تبرر الظلم الذي لحق بالثانية، لذا سارع النبي - ﷺ - إلى رد الحق لصاحبته، فحبس النبي - ﷺ - الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسرت (١)، وفي رواية أنه قال: «طعام بطعام، وإناء بإناء» (٢)، فتغاير النساء لن يمنع العدل بينهن.
ويستخرج ابن حجر من هذه الحادثة جملة من الفوائد، ويهمنا هنا أن "فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها، لأنها في تلك الحالة يكون عقلُها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة، وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعًا: «أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه» (٣).
وهو - ﷺ - لن يغتفر إساءة الواحدة منهن إلى الأخرى بسبب غيرتها، لما فيه من ظلم للأخرى وهتك لحرمتها، لذا لما
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٢٢٥).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٣٥٩).
(٣) فتح الباري (٩/ ٣٢٥)، والحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده ح (٤٦٧٠).
[ ٢٠ ]
تحدثت عائشة بين يدي النبي - ﷺ - عن صفية فقالت: يا رسول الله، إن صفية امرأة. وأشارت بيدها هكذا، كأنها تعني قصيرة.
فلم يغفر النبي - ﷺ - لها قولها، بل قال ناصحًا ومؤدبًا ورافضًا الاستماع للغيبة: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجتْه» (١)، وهذا الحديث "من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها، وما أعلم شيئًا من الأحاديث بلغ في ذمها هذا المبلغ" (٢).
وبينما هو - ﷺ - جالس بين أزواجه أتته عائشة بخزيرة [وهو لحم ينثر عليه الدقيق]، تقول عائشة: فقلتُ لسودة - والنبي - ﷺ - بيني وبينها-: كلي، فأبتْ، فقلتُ: لتأكلِن أو لألطخن وجهكِ، فأبتْ، فوضعتُ يدي في الخزيرة، فطليتُ وجهها، فضحك النبي - ﷺ -، فوضع بيده لها [أي لسودة]، وقال لها: «الطخي وجهها»، فضحك النبي - ﷺ - (٣)، فحول النبي - ﷺ - بحكمته تغاير أزواجه إلى موقف باسم عمّق من خلاله قيم الحب والعدل والوئام.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٥٠٢)، وأبو داود ح (٤٨٧٥)، واللفظ له.
(٢) نقله عنه المناوي في فيض القدير (٥/ ٥٢٥).
(٣) أخرجه أبو يعلى ح (٤٤٧٦).
[ ٢١ ]
وهكذا، فإن النبي - ﷺ - كان يحتمل غيرة زوجاته، ويرشِّد هذه الغيرة فلا يسمح لواحدة منهن أن تظلم أختها، وهو من جهته - ﷺ - كان يقيم العدل بينهن ويكرمهن جميعًا، كيف لا وهو القائل: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا» (١).
ولنصغ إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي تحدث عن موقف غريب لها في غيرتها على رسول الله - ﷺ - فتقول: لما كانت ليلتي التي هو عندي؛ انقلب فوضع نعليه عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، ثم انتعل رويدًا، وأخذ رداءه رويدًا، ثم فتح الباب رويدًا، وخرج رويدًا.
ولم تطق عائشة خروجه في ليلتها، وغارت على النبي - ﷺ -، وظنت أنه يذهب في ليلتها إلى بعض أزواجه، وكيف لا تغار على حبيبها - ﷺ -، ومثله يُغار عليه، تقول: جعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعت إزاري، وانطلقت في إثره، حتى جاء البقيع فرفع يديه ثلاث مرات، فأطال.
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (١٨٢٧).
[ ٢٢ ]
ثم تحكي عائشة أن النبي - ﷺ - رجع إلى بيته، فأسرعت، ودخلت البيت قبله، وتصنعت النوم، فقال لها النبي - ﷺ - معاتبًا: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله .. فإن جبريل أتاني حين رأيتِ، ولم يدخل عليَّ وقد وضعتِ ثيابَكِ، فناداني فأخفى منكِ، فأجبتُه؛ فأخفيته منكِ، فظننتُ أن قد رقدتِ، وكرهتُ أن أوقظكِ، وخشيتُ أن تستوحشي، فأمرني أن آتي البقيع، فأستغفر لهم» (١).
وفي رواية أنه - ﷺ - سألها: «أغرتِ يا عائشة»؟ فقالت: ومالي ألا يغار مثلي على مثلِك؟ (٢).
وهكذا نرى في معاملة النبي - ﷺ - مع أزواجه وأهل بيته ما يصلح الكثير من الأوضاع الخاطئة في حياتنا الاجتماعية، ويحاصر التصرفات المشينة التي يصنعها البعض مع أزواجه، وينقلنا للحديث عن مثال أسمى يقدم سيد الأزواج محمد - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه النسائي ح (٢٠٣٧)، وأحمد ح (٢٥٣٢٧).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٤٢٥).
[ ٢٣ ]