الوفاء للزوجة وأهل العشرة والمعروف
كلنا يلقى الخير من والديه وزوجه وأساتذته وبعض جيرانه وأحبابه، ثم تدور الأيام، فينسى المرء حق هؤلاء أو بعضهم عليه، ولربما لقي في الشارع أستاذه فأعرض عن السلام عليه، ولربما نسي الواحد فضل زوجه عليه وتعبها في تربية أبنائه ورعاية بيته، فطلقها بعد طول خدمتها له ولأولاده لسبب تافه أو لغير سبب، وأعظم منه جرمًا أن ينسى بعضنا حق والديه عليه وما قدماه له حال صغره، فيعرض عنهما في كبرهما، ولربما أهمل رعايتهما، وأسلمهما إلى دور الرعاية لتقوم بالواجب نيابة عنه.
لذا فنحن أحوج ما نكون للتأمل في خُلة جميلة تزين بها المصطفى - ﷺ -، وهي الوفاء الذي هو حسن العهد، وهو الذي عده النبي - ﷺ - من خصال الإيمان: «وإن حسن العهد من الإيمان» (١).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (١/ ٦٢)، والبيهقي في الشُعب (٦/ ٥١٧)، وقال البخاري في صحيحه: "باب: حسن العهد من الإيمان".
[ ١٢٢ ]
وقد شرح الشوكاني الحديث بقوله: " «إن حسن العهد» أي الوفاء والخِفارة ورعاية الحرمة «من الإيمان» أي من أخلاق أهل الإيمان ومن خصائلهم أو من شعب الإيمان " (١).
صور من وفاء النبي - ﷺ - لزوجه خديجة:
ولمزيد من التأكيد والغرس لهذا الخلق الفاضل نتذاكر بعض مواقف الأسوة الحسنة لمحمد - ﷺ - في وفائه وحسن عهده لزوجه خديجة ﵂، فقد تزوجها النبي - ﷺ - وهو في الخامسة والعشرين من العمر، بينما بلغت الأربعين حينذاك، وكان زواجه منها ميمونًا، فكانت نِعمَ الأمِّ لأبنائه، كما واسته بمالها، وآزرته برجاحة عقلها وحسن تبعلها، فكانت سيدة الزوجات وقدوتهن إلى يوم الدين.
ولما أكرم الله نبيه - ﷺ - بالنبوة والرسالة كانت أم المؤمنين خديجة أول من صدَّق النبي - ﷺ - وآمن به، ووقفت معه بمالها ومشاعرها وكلِّها إلى أن ماتت ﵂ في العام العاشر للبعثة النبوية، فسمي - ﷺ - عام فراقها بعام الحزن، لبالغ حزنه على موت خديجة ﵂.
_________________
(١) فيض القدير (٢/ ٤٤٦).
[ ١٢٣ ]
وطوال حياته - ﷺ - بقي وفيًا لخديجة لا يفتر لسانه عن ذكرها بالخير والدعاء لها وتذكر جميلها وحقوقها عليه - ﷺ -، فصدق فيه قول الإمام الشافعي: "الحر يحفظ وداد لحظة"، وفي هذا الفصل البديع من فصول سيرة النبي - ﷺ - درس لكل زوج وخاصة ذاك الذي ينسى سراعًا عشرة زوجته، فيسارع إلى طلاقها أو إيذائها ناسيًا سابق جميلها والأيام الجميلة التي قضاها معها.
لكن الجديد الذي أعيى الباحثين في سير الرجال وتراجم العظماء أن يجدوا مثيلًا له؛ الوفاء بعد الوفاة، حيث لا يشعر الميت بمشاعر الحي ولا يدركها، فسرعان ما تذبل هذه المشاعر وتذوي وتطويها ذاكرة النسيان.
وخصلة الوفاء للميت بعد وفاته مأثرة من مآثر النبي - ﷺ -، وخصلة بديعة من خصاله القرآنية، فقد وصفت عائشة ﵂ وفاءه لخديجة وقد ماتت قبل زواجه من عائشة بسنوات، فتقول: (ما غرت على امرأة للنبي - ﷺ - ما غرت على خديجة، لما كنت أسمعه يذكرها .. وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها [أي صديقاتها] منها ما يسعهن) (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٨١٦)، ومسلم ح (٢٤٣٥).
[ ١٢٤ ]
مظهران من مظاهر الوفاء لخديجة الحبيبة الراحلة: ذكرُها بلسان محب لا يمل من ذكر الحبيب ومآثره، وإكرامُ أهلها وذويها وصديقاتها؛ بِرًَّا بها.
وفي رواية أن عائشة ﵂ لما رأت النبي - ﷺ - يكثر من ذكر خديجة ﵂، ويهدي إلى صديقاتها قالت: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فكان الزوج الوفي يرد بالقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» (١).
قال النووي: "في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًا وميتًا، وإكرام معارف ذلك الصاحب" (٢).
وقال ابن بطال: "حسن العهد في هذا الحديث هو إهداء النبي ﵇ اللحم لأجوار [أي جيران] خديجة ومعارفها؛ رعيًا منه لذمامها، وحفظًا لعهدها" (٣).
وتنقل أم المؤمنين عائشة صورة أخرى عجيبة من صور الوفاء للزوجة بعد وفاتها، لا يقف عند ذكر الزوجة بالخير، بل
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٨١٦) و(٣٨١٨)، ومسلم ح (٢٤٣٥).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٢٠٢).
(٣) شرح ابن بطال (٩/ ٢١٦).
[ ١٢٥ ]
يتضمن الدفاع عنها والذب عن حرمتها ولو كان القبر قد غيبها، لكنه لم يغيب حقها وذكراها، وقد صنعه - ﷺ - حين استأذنت عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة، فعرف - ﷺ - استئذان خديجة [أي لشبه صوتهما]، فارتاح لذلك، فقال: «اللهم هالة».
تقول أم المؤمنين عائشة: فغِرت. فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرًا منها (١).
فرد عليها النبي - ﷺ - وهو الزوج الوفي الذي لا ينسى محاسن خديجة وسابق فضلها: «ما أبدلني الله ﷿ خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ﷿ ولدها إذ حرمني أولاد النساء».
وفي رواية أن عائشة أدركت وفاء النبي - ﷺ - ومحبته لزوجه الراحلة فقالت: (والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير) (٢)، فأعظم صور الوفاء ديمومة الحب بعد الوفاة، فقد قال رسول الله - ﷺ - عنها بعد وفاتها: «إني قد رزقت حبها» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٨٢١)، ومسلم ح (٢٤٣٧).
(٢) أخرجه أحمد ح (٢٤٣٤٣)، والطبراني في معجمه الكبير ح (١٧٥٥٧).
(٣) أخرجه مسلم ح (٢٤٣٥).
[ ١٢٦ ]
وفي مرة أخرى دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو عند عائشة - عجوزٌ تدعى أم زفر كانت ماشطة لخديجة، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «من أنت؟» قالت: أنا جَثامة المُزنية، فقال: «بل أنت حَسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟» قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
فلما خرجت قالت عائشة: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: «إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» (١).
ومن صور الوفاء للزوجة ولغيرها من أصحاب الحقوق الدعاء لهم بعد وفاتهم، فقد كان رسول الله - ﷺ - إذا ذكر خديجة لم يكن يسأم من ثناء عليها والاستغفار لها (٢)، فالاستغفار للميت من خير ما يهدى إليه، وهو دليل وفاء، وحجة صدق في العهد، لا يفرط في فعله كل من يحب النبي - ﷺ - ويتأسى به.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه (١/ ٦٢)، والبيهقي في الشُعب (٦/ ٥١٧).
(٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (١٨٥٥٥).
[ ١٢٧ ]
الوفاء للأصحاب وغيرهم حال الخطأ والزلل:
والوفاء ليس خاصًا بالزوجة، بل هو خلق كريم يرعاه المرء مع جاره وصاحبه ومع كل ذي مودة وفضل وسابق عشرة.
وعشرة هؤلاء وأمثالهم من أهل الفضل والود لا تسلم من منغصات واختلاف، فلا تحلو الصحبة أو الجيرة دومًا، بل لابد – بسبب طبيعتنا البشرية -أن يثلمها بعض ما يكدرها، فكيف نصنع إذا وقع شيء من تلك المكدرات؟ هل ننسى ما فات من طويل صحبة لهفوة ساعة؟ ما هو منهج النبي - ﷺ - في التعامل مع أهل عشرته إذا عثروا؟
لقد حذر النبي - ﷺ - أولئك الذين ينسون الود ولا يحفظونه وتهددهم بالنار، فقد وقف يومًا بين أصحابه يحدثهم عن رؤيته للجنة والنار، فقال: «وأُريت النار، فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء»، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن؟» قيل: يكفرن بالله؟ فقال - ﷺ -: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط» (١)، وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٠٥٢)، ومسلم ح (٨٠)، واللفظ للبخاري.
[ ١٢٨ ]
هذا الحديث "وعظ وزجر عن كفر الإحسان وجحدِه عند بعض التغيير ومواقعةِ شيء من الإساءة؛ فإنه لا يسلم أحد مع طول المؤالفة من إساءة أو مخالفة في قول أو فعل، فلا يُجحد لذلك كثيرُ إحسانه ومتقدمُ أفضاله" (١).
والنبي - ﷺ - أكمل الناس خلقًا، كان يأمر أصحابه بالتماس المعاذير لأهل الخطأ، وكان يصفح عما يقع فيه بعض أهل عشرته، ممن أحسن وأجاد فيما سبق، فلا ينسى سابقته لخطأ أخطأه أو لهفوة فعلها، فهذا هو حسن العهد الذي نسميه الوفاء.
وقد صنع ذلك النبي - ﷺ - مع من أخطأ من أصحابه، صنعه مع حاطب بن أبي بلتعة حين أرسل إلى قريش يفشي لهم أسرار جيش النبي - ﷺ - القادم إلى مكة، فأطلع الله نبيه على صنيع حاطب، فدعاه، وقال: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله - ﷺ -، أردت أن يكون لي عند القوم يد يَدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله.
_________________
(١) المنتقى شرح الموطأ، الباجي (١/ ٤٥٤).
[ ١٢٩ ]
فقال النبي - ﷺ -: «صدق، ولا تقولوا له إلا خيرًا .. أليس من أهل بدر .. لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت» (١).
قال الطبري: "في حديث حاطب بن أبي بلتعة من الفقه أن الإمام إذا ظهر من رجل من أهل السِتر؛ على أنه قد كاتب عدوًا من المشركين ينذرهم ببعض ما أسره المسلمون فيهم من عزم، ولم يكن الكاتب معروفًا بالسفه والغش للإسلام وأهله، وكان ذلك من فِعله هفوةً وزلة من غير أن يكون لها أخوات؛ فجائز العفو عنه كما فعله الرسول بحاطب من عفوه عن جرمه بعدما أُطلع عليه من فعله" (٢).
ومثل هذا الخلق الرفيع والسلوك الجميل صنعه الصديق وابنته الصديقة عائشة مع مِسطحٍ وحسان، وكانا قد تكلما فيمن تكلم في الإفك، فغفرا لهما لسابقتهما في الإسلام.
فأما مِسطح فكان قريبًا للصديق، وكان الصديق ينفق عليه، فلما أخطأ مِسطح في خوضه في الإفك توعده الصديق بترك النفقة، فلما ذكَّر الله المؤمنين بسابقته في الإسلام، وأنه - ﵁ - من
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٩٨٣)، ومسلم ح (٢٤٩٤).
(٢) شرح ابن بطال (٥/ ١٦٢).
[ ١٣٠ ]
﴿الْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النور: ٢٢) قال الصديق: (بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي)، فرجع إلى مِسطحٍ بالنفقة التي كان ينفق عليه (١).
وبمثل هذا الأدب النبوي صنعت ابنته الصديقة عائشة ﵂ مع حسان بن ثابت - ﵁ -، فرغم خوضه في الإفك؛ لم تنس الصديقة له سابقته ولا تناست حسن صحبته للنبي - ﷺ - وبلائه في الذبِّ عن الإسلام، فقد سمعت عروة ابن أختها ينال من حسان، فقالت: (يا ابن أختي دعه، فإنه كان ينافح عن رسول الله - ﷺ -) (٢).
وفي رواية أن عروة قال: (كانت عائشة تكره أن يُسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالدَه وعِرضي لعِرض محمدٍ منكم وِفاء) (٣).
وهذا الأدب في الغض عن إساءات المحسنين تعلمه الصديق وابنته من النبي الأسوة - ﷺ -، فقد سمعته عائشة ﵂ يقول: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتِهم؛ إلا الحدود» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٤١٤١)، ومسلم ح (٢٧٧٠).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٤٨٧)، ونحوه في البخاري ح (٤١٤٦).
(٣) أخرجه البخاري ح (٤١٤١).
(٤) أخرجه أبو داود ح (٤٣٧٥)، وأحمد ح (٢٤٩٤٦).
[ ١٣١ ]
بل إن النبي - ﷺ - عرَف للمطعم بن عدي – وهو مشرك أجار النبي - ﷺ - في مكة – إحسانه وسابقة فضله، فحين وقع في يده أُسارى المشركين في بدر قال: «لو كان المطعِم بنُ عَدي حيًا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له» (١).
وهكذا يترجم النبي - ﷺ - معنى الحب الصادق الذي لا يتوقف عند حدود الزمان، ولا يأبه لتصرم السنين والأيام، وفيه أسوة حسنة لكل من ألقى السمع وهو شهيد.
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٤٠٢٤).
[ ١٣٢ ]