حرص النبي - ﷺ - وهو المبعوث رحمة للعالمين على تشريع كل ما من شأنه أن يؤلف قلوب المسلمين، فقد أرسله الله بكل بر وخير، وامتن على عباده بما قذفه في قلوبهم من ألفة ومحبة ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ومن هذه الشرائع التي تفتح مغاليق القلوب، وتبذر المحبة، وتفرش الورود والندى بين الناس؛ الهدية، وقد حثَّ عليها النبي - ﷺ - بقوله: «تهادوا، فإن الهدية تذهب وغَر الصدر»، وفي حديث آخر يقول - ﷺ -: «تهادوا تحابُّوا» (١).
هدايا الناس بعضهُم لبعض تولِّد في قلوبهم الوصال
وتزرع في الضمير هوى ووُدًا وتُلبسهم إذا حضروا جمالًا
وقد كان النبي - ﷺ - يهدي ويقبل هدية الآخرين، يقول أبو هريرة: (كان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية، ولا يأكل
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٧٩٩٧).
[ ١٧٦ ]
الصدقة) (١)، وتفسيره كما يقول ابن عبد البر: "رسول الله - ﷺ - كان لا يأكل الصدقة وكان يأكل الهدية، لما في الهدية من تآلف القلوب والدعاء إلى المحبة والألفة، وجائز عليها الثواب، فترتفع المِنَّة، ولا يجوز ذلك في الصدقة، وكان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية ويثيب عليها خيرًا منها، فترتفع المنة " (٢).
وقد ندب النبي - ﷺ - إلى التهادي في القليل والكثير، وكان هو - ﷺ - يقبل الهدية ولو كانت زهيدة، وكان يقول: «لو دعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت؛ ولو أهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت» (٣)، وفي هذا "حض منه لأمته على المهاداة، والصلةِ، والتأليفِ، والتَحابِ، وإنما أخبر أنه لا يحقِّر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المُهدى، وإنما أشار بالكُراع وفِرسِن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفِرسِن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك" (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٥١٢).
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (٦/ ٧٠).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٥٦٨).
(٤) شرح ابن بطال (٧/ ٨٨).
[ ١٧٧ ]
إن التهادي بالقليل الذي ليس فيه كلفة يدل على تمام المحبة وكمالِها، فقال: «يا نساء المسلمات لا تحقرنَّ جارة لجارتها؛ ولو فِرسِنَ شاة» (١)، وفي رواية: «تهادوا، فإن الهدية تذهب وحَر الصدر، ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فِرسِن شاة» (٢)، والفرسن هو الحافر، وفي هذا الحديث "الحض على التهادي والمتاحفة؛ ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهابِ الشحناء، واصطفاءِ الجيرة، ولما فيه من التعاونِ على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهلُ على المُهدي لاطراح التكليف" (٣).
وأخبر النبي - ﷺ - أن الهدية من خير العمل عند الله، وأنها تعدل في أجرها عِتق الرقبة، على عظم منزلة العتاق عند الله، فقد قال - ﷺ -: «من منح مَنيحة ورِق [أي فضة] أو منيحة لبن أو هدى زُقاقًا [يعني الدلالة على الطريق]؛ كان له كعدل رقبة - وقال مرة: - كعِتق رقبة» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٦٦)، ومسلم ح (١٠٣٠).
(٢) أخرجه الترمذي ح (٢١٣٠).
(٣) شرح ابن بطال (٧/ ٨٥).
(٤) أخرجه أحمد ح (١٨١٩٠).
[ ١٧٨ ]
وحين أعتقت ميمونة بنت الحارث جارية عندها؛ أخبرها النبي - ﷺ - أن إهداءها الجارية إلى بعض أقاربها خير لها من عتاقها، وهو من فاضل العمل عند الله، تقول أم المؤمنين: أشعرتَ يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: «أوفعلتِ؟ .. أما إنك لو أعطيتِها أخوالَك كان أعظمَ لأجرِك» (١).
قال ابن بطال: "وفي حديث ميمونة أن صلة الأقارب أفضلُ من العِتق، على أن العِتق قد جاء فيه أن الله يعتِق بكل عضو منه عضوًا منها من النار، وأن بالعتق تُجاز العقبةُ يوم القيامة". (٢)
ولما أخبر النبي - ﷺ - عن أربعين خصلة تُدخل صاحبَها الجنة، جعل أُولاها إهداء عنز إلى من يستفيد من لبنها ثم يردها إلى صاحبها، فقال - ﷺ -: «أربعون خصلة؛ أعلاهن مَنيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابِها وتصديقَ موعودها؛ إلا أدخله الله بها الجنة» (٣).
وقال - ﷺ -: «نِعم المنيحةُ اللِّقْحةُ، الصَفِي منحة [أي الكريمة الغزيرة اللبن]، والشاة الصفيُّ تغدو بإناء، وتروح بإناء»، وفي
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٩٢)، ومسلم ح (٩٩٩).
(٢) شرح ابن بطال (٧/ ١١١).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٦٣١).
[ ١٧٩ ]
رواية: «من منح مَنيحة غدت بصدقة، وراحت بصدقة، صَبوحِها وغَبوقِها» (١)، والمنيحة تدور حول معنيين"أحدهما أن يعطي الرجل صاحبَه صلة فتكونَ له، والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفعُ بحلْبها ووَبرِها زمنًا ثم يردُها" (٢).
كما حث النبي - ﷺ - على إهداء منفعة الفضول التي تزيد عن حاجة صاحبها، ولو كانت أرضًا، يقول جابر - ﵁ -: كانت لرجال منا فضول أرضين فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي - ﷺ -: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحْها أخاه؛ فإن أبى فليمسك أرضه» (٣).
قال الملا علي القاري في شرحه: "ينبغي أن يحصُل للإنسان نفعٌ من ماله، فمن كانت له أرض فليزرعها حتى يحصُل له نفع منها، أو ليعطها أخاه ليحصُل له ثواب، فإن لم يفعل هذين الشيئين فليمسك أرضه، فهذا توبيخ لمن له مال ولم يحصُل له منه نفع" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٦٢٩)، ومسلم ح (١٠٢٠).
(٢) فتح الباري، ابن حجر (٥/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٣٤١)، ومسلم ح (١٥٣٦).
(٤) مرقاة المفاتيح (٩/ ٤٣٣).
[ ١٨٠ ]
ولما خرج - ﷺ - إلى أرض تهتز زرعًا فقال: «لمن هذه؟» فقالوا: اكتراها فلان. فقال: «أما إنه لو منحها إياه كان خيرًا له من أن يأخذ عليها أجرًا معلومًا» (١).
إهداء الطعام
ومما شرع النبي - ﷺ - إهداءه؛ الطعام، وهذا يشمل الغني والفقير، والإطعام أوسع من الصدقة التي هي مخصوصة بالفقير وذي الحاجة، بينما الإطعام يكون للغني والفقير، أي هو نوع عام من الصلة والبر، وهو من أفضل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، فهو باب من أبواب الجنة: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، واضربوا الهام؛ تورثوا الجنان»، وفي حديث آخر يقول - ﷺ -: «إن في الجنة غرفًا، ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال - ﷺ -: «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام» (٢).
ولما أتى النبي - ﷺ - المدينةَ المنورة أتاه حَبْرُ اليهود عبدُ الله بن سلام يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُ وجه
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٦٣٤).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٩٨٤)، وأحمد ح (١٣٤٠).
[ ١٨١ ]
رسول الله - ﷺ - عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به - ﷺ - أن قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام» (١).
بل إن النبي - ﷺ - لما سأله عمرو بن عبسة: ما الإسلام؟ أجابه النبي - ﷺ - بذكر خصلتين عظيمتين، إحداهما إطعام الطعام، فقد قال - ﷺ -: «لين الكلام وإطعام الطعام» (٢).
وأتاه - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله وتصديق وجهاد في سبيل الله وحج مبرور»، فقال الرجل: أكثرتَ يا رسول الله؟ فقال - ﷺ -: «فلين الكلام وبذل الطعام وسَماح وحُسن خلق» (٣).
ولما جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - قال: علمني عملًا يدخلني الجنة؟ فقال - ﷺ -: «لئن كنت أقصرتَ الخطبة لقد أعرضتَ المسألة، أعتق النسمة، وفك الرقبة .. والمنحة: الوكوف،
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٤٨٥)، ابن ماجه ح (١٢٣٤)، وأحمد في المسند ح (٢٣٢٧٢)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (١٠٩٧).
(٢) أخرجه أحمد ح (١٨٩٤٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٥٥١).
(٣) أخرجه أحمد ح (١٧٣٨٥)، قال الهيثمي: "أخرجه أحمد، وفي إسناده رشدين وهو ضعيف ". مجمع الزوائد (١/ ٦٨).
[ ١٨٢ ]
والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأْمُر بالمعروف، وانهَ عن المنكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير» (١).
وفي مرة أخرى سأل رجل النبيَّ - ﷺ -: أي الإسلام خير؟ فذكر النبي - ﷺ - له هذه الخصلة الفاضلة من خصال الخير وقال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٢)، وفي هذا "الحض على المواساة، واستجلاب قلوب الناس بإطعام الطعام وبذل السلام، لأنه ليس شىء أجلب للمحبة وأثبت للمودة منهما، وقد مدح الله المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ٨)، ثم ذكر الله جزيل ما أثابهم عليه، فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (الإنسان: ١١ - ١٢) " (٣).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (٣٣٨٤).
(٢) أخرجه البخاري ح (١٢)، ومسلم ح (٣٩).
(٣) شرح ابن بطال (١/ ٦٣).
[ ١٨٣ ]
لقد تشرب الصحابة ﵃ معنى الإطعام الجميل، فسبقوا إليه وأكثروا منه حتى لام بعضهم بعضًا من الإكثار منه، فذات يوم لقي عمر بن الخطاب صهيبًا الرومي، فقال له: أي رجل أنت؛ لولا خصال ثلاث فيك! فقال صهيب: وما هن؟
فقال: اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم، وفيك سرف في الطعام.
فقال صهيب: أما قولك: اكتنيت ولم يولد لك؛ فإن رسول الله - ﷺ - كناني أبا يحيى.
وأما قولك: انتميتَ إلى العرب ولست منهم، وأنت رجل من الروم؛ فإني رجل من النمر بن قاسط، فسبَتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام عرفتُ نسبي.
وأما قولك: فيكَ سرف في الطعام؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خياركم من أطعم الطعام»، فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٣٤١١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (٤٤).
[ ١٨٤ ]
ويزداد فضل هذه العبادة حين يكون الإطعام للفقراء والمساكين، فهم أحوج إلى الطعمة من غيرهم، ومن أول ذلك إطعام السائقين والخدم في البيوت، فقد قال - ﷺ - عن هؤلاء: «إن إخوانَكم خَولُكم [أي خدمُكم]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» (١).
وجاء رجل إلى النبي - ﷺ - يشكو قسوة قلبه فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (٢).
هدي النبي - ﷺ - في إهداء الكافر:
وإذا كانت الهدية مفتاحًا من مفاتيح القلوب، فإن لها كبير أثر في استلال الشحناء والعداوة، فقد قال - ﷺ -: «تصافحوا يَذهبُ الغِل، وتهادوا تحابوا، وتَذهبُ الشحناء» (٣)، وقد "ثبت أن النبي - ﷺ - كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة، ومن فضل
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٤٥).
(٢) أخرجه أحمد ح (٧٨٩١).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ح (١٦٨٥).
[ ١٨٥ ]
الهدية - مع اتباع السنة - أنها تزيل حزازاتِ النفوس، وتُكسب المهدي والمهدى إليه رنَّة في اللقاء والجلوس" (١).
ولأجل ذلك فإن الهدية تسن للبر والفاجر، بل والكافر، سواء أكان محاربًا أم مسالمًا، فقد أهدى النبي - ﷺ - وقبل هدايا المشركين، ومن ذلك قول علي - ﵁ - أن كسرى أهدى له - ﷺ - فقبِل، وأن الملوك أهدوا إليه فقبل منهم (٢).
كما قبِل - ﷺ - هديةَ أُكيدر ملكِ أيْلة، فقد أهداه بغلة بيضاء وكساه بردًا (٣).
وأهدى إليه المقوقس بغلة، وقيل قدحًا من زجاج، فقِبل - ﷺ - هديته (٤).
قال ابن قدامة: "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب، لأن النبي - ﷺ - قبِل هدية المقوقس صاحب مصر" (٥).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ١٩٩).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٥٧٦)، وأحمد ح (٧٤٩).
(٣) أخرجه البخاري ح (١٤٨٢).
(٤) انظر البخاري ح (١٤٨٢)، وأحمد ح (٧٤٩).
(٥) المغني (٩/ ٢٦٢) وانظر: كتاب الأموال، ابن زنجويه (٢/ ٥٩٠).
[ ١٨٦ ]
وكذلك أهدى ذي يزن ملك حِميَر في اليمن إلى رسول الله - ﷺ - حُلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرًا، فقبلها - ﷺ - (١) وفي مقابلها كافأه النبي - ﷺ - على هديته، فاشترى حُلة ببضعةٍ وعشرين قَلوصًا، فأهداها إلى ذي يزن في اليمن (٢).
كما أهدى النبي - ﷺ - تمر عجوة إلى أبي سفيان، وهو بمكة قبل أن يسلم، وكتب إليه يستهديه أُدمًا، فأهدى إليه أبو سفيان (٣).
وأهدى النبيُّ - ﷺ - عمر بن الخطاب - ﵁ - حُلّةً ثمينة، فأهداها عمر - ﵁ - إلى أخيه بمكة كان يومئذ مشركًا (٤)، وفي هذا "دليل لجواز صلة الأقارب الكفار، والإحسان إليهم، وجواز الهدية إلى الكفار" (٥).
ولما قدمت قتيلةُ ابنةُ عبد العزى، وهي مشركة على ابنتها أسماءَ ابنةِ أبي بكر بهدايا ضِبابٍ وأقطٍ وسمن، أبت أسماء أن تقبل هدية أمها وأن تدخلها بيتها، فسألت عائشةُ النبي - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٠٣٤).
(٢) أخرجه أبو داود ح (٤٠٣٥).
(٣) أخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال (٢/ ٥٨٩).
(٤) أخرجه البخاري ح (٨٨٦)، ومسلم ح (٢٠٨٦).
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ٣٩).
[ ١٨٧ ]
الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨)، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها (١).
ولأجل هذا المعنى قال عبد الله بن عمرو لأهله لما ذبحوا له شاة: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٢).
وكما قبِل النبيُّ - ﷺ - هدايا بعض المشركين من أهل الكتاب؛ فإنه رد هدايا غيرهم؛ حين رأى ما يستوجب ردها، يقول: عِياض بنُ حمار: أهديت للنبي - ﷺ - ناقة فقال: «أسلمتَ» فقلتُ: لا. فقال النبي - ﷺ -: «إني نُهيت عن زبْد المشركين» (٣) أي هداياهم وعطاياهم.
قال النووي: "قبِل النبيُّ - ﷺ - ممن طمع في إسلامه وتأليفه لمصلحةٍ يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم، وردَّ هديةَ من لم
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٥٦٧٩).
(٢) أخرجه البخاري ح (٦٠١٥)، ومسلم ح (٢٦٢٤).
(٣) أخرجه أبو داود ح (٣٠٥٧).
[ ١٨٨ ]
يطمعْ في إسلامه ولم يكن في قَبولها مصلحة، لأن الهدية توجب المحبة والمودة ..
قال الطبري: إنما رد النبي - ﷺ - مِن هدايا المشركين ما علم أنه أُهدي له في خاصة نفسه ..
قال القاضي: .. إنما قبل النبي - ﷺ - هدايا كفار أهل الكتاب ممن كان على النصرانية، كالمقوقس وملوك الشام، فلا معارضة بينه وبين قوله - ﷺ -: «لا يقبلُ زبْد المشركين»، وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم بخلاف المشركين عبدة الأوثان» (١).
الهدايا المنهي عنها:
بقي أن ننبه على نوع آخر من الهدايا، وهي الهدايا التي حرمها الأسوة الحسنة - ﷺ - أو نهى عنها لما فيها من التعدي على حقوق الآخرين أو الإضرار بهم.
وأول أنواع الهدايا المنهي عنها هديةُ بعض الأبناء دون بعض، وإيثارُهم بشيء من المال دون إخوانهم، فهذا وإن كان نوعًا من التحبب للابن المهدى إليه؛ إلا أن فيه تجافيًا عن
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ١١٤).
[ ١٨٩ ]
إخوانه وإضرارًا بهم، لذا فمثل هذه الهدية نهى عنها - ﷺ - في قصة النعمان بن بشير ﵄، وفيها أن أباه أعطاه عَطية، فقالت أمه عَمرة بنتُ رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله - ﷺ -، فأتى بشير رسولَ الله - ﷺ - فقال: إني أعطيت ابني من عمرةَ بنتِ رواحة عطية، فأمرَتني أن أُشهدك يا رسول الله. فقال - ﷺ -: «أعطيتَ سائر ولدِك مثلَ هذا؟» قال: لا. قال: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، قال النعمان: فرجع فردَّ عطيته.
وفي رواية أنه - ﷺ - قال: «فلا تشهدني إذًا؛ فإني لا أشهد على جَور».
وفي رواية قال: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى. فقال - ﷺ -: «فلا إذًا» (١) أي لا تفعل.
وقد حفظ النعمان بن بشير هذا الدرس النبوي الجميل في العدل بين الأبناء في الهدايا، فكان يخطب بعد وفاة النبي - ﷺ - فيقول: قال رسول الله - ﷺ -: «اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم» (٢)، وفي الحديث من الفوائد "الندب إلى التأليفِ بين
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٥٧٨، ٢٦٥٠)، ومسلم ح (١٦٢٣).
(٢) أخرجه النسائي ح (٢٦٨٧)، وأبو داود ح (٣٥٤٤)، وأحمد ح (١٧٩٥٤).
[ ١٩٠ ]
الإخوة وتركِ ما يوقع بينهم الشحناء، ويورثُ العقوق للآباء وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض، لأن هذا أمر قلبي، وليس باختياري" (١).
وعلى هذا الهدي النبوي في التسوية بين الأبناء في العطية سار الصديق - ﵁ -، فقد أهدى ابنتَه عائشةَ زوجَ النبي - ﷺ - بستانًا له، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية، ما من الناس أحد أحب إلي غنىً بعدي منكِ، ولا أعز علي فقرًا بعدي منك، وإني كنت نحَلْتُك جادَ عِشرين وسْقًا، فلو كنت جَددْتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليومَ مالُ وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله.
قالت عائشة الصديقة الزاهدة مطيبة لخاطر أبيها: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته (٢).
ومن الهدايا المحرمة أيضًا ما يناله الموظفون من هدايا بعضِ المتعاملين معهم أو المراجعين لهم، فهذه الهدايا ليست أجرًا على عملهم، وإنما هي في حقهم بمثابة الرشوة التي
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (١٤٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٧٠).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ ح (١٤٧٤).
[ ١٩١ ]
يأكلها صاحبها سُحتًا، وقد قال النبي - ﷺ -: «هدايا العمال غلول» (١).
ونقل الطبراني عن ابن عباس أن رجلًا أهدى إلى عمر - ﵁ - فخذَ جَزور، ثم أتاه بعد مدة ومعه خصم له، فقال الرجل وهو يريد تذكير الخليفة بهديته: يا أمير المؤمنين، اقض لي قضاء فصلًا؛ كما يُفصل الفخِذ من الجَزور.
فضرب عمر - ﵁ - بيده على فخذه، وقال: (الله أكبر، اكتبوا إلى الآفاق: هدايا العمال غلول) (٢).
وحين استعمل النبي - ﷺ - ابن الأُتَبيَّة الأزدي على الصدقة قدم على النبي - ﷺ - فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي.
فكره النبي - ﷺ - مقالته، وقال: «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يُهدى له أم لا. والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوار، أو شاةَ تيعَر»، ثم رفع - ﷺ - بيده حتى رأينا عُفرة إبطيه: «اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟» (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٣٠٩٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (١٢٩٧٧).
(٢) أخرجه الطبراني، وضعفه الحافظ العراقي. فيض القدير (٦/ ٤٦٢).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٥٩٧)، ومسلم ح (١٨٣٢).
[ ١٩٢ ]
قال ابن بطال: "يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين، ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه، وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ ".
وأما ابن المنير فنبه على أنه "يؤخذ من قوله «هلا جلس في بيت أبيه وأمه» جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، كذا قال، ولا يخفى أن محل ذلك - إذا لم يزد - على العادة" (١).
ولما بعثَ رسول الله - ﷺ - معاذَ بنَ جبل أرسل إليه بعد خروجه، فرجع إليه، فقال: «أتدري لم بعثتُ إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني؛ فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك، فامض لعملك» (٢).
وكان إمام العدل عمر بن عبد العزيز يرفض هدايا العمال ويقول: "كانت الهدية في زمن رسول الله - ﷺ - هدية، وهي اليوم رشوة".
ومن الهدايا المحرمة أيضًا أن يأخذ المرء هدية ممن قضى له بعض أموره وحوائجه، كمن شفع بشفاعة أو توسط بأمر من
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ١٦٧).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٣٣٥).
[ ١٩٣ ]
الخير، فمثل هذا من المعروف، وينبغي أن يكون قربة وعملًا خالصًا لوجه الله مجردًا من طمع الدنيا؛ لذلك فإن النبي - ﷺ - يحذر الشافع وصاحب المعروف من أخذ شيء من الأجرة عليه في الدنيا، فيقول: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها؛ فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا» (١)، وذلك "لأن الشفاعة الحسنة مندوب إليها، وقد تكون واجبة، فأخذ الهدية عليها يضيع أجرها، كما أن الربا يضيع الحلال " (٢).
وأيضًا فإن من الهدايا التي ترد ولا تقبل، الهدايا التي يحرم الانتفاع بها، كأن تهدى لرجل ساعةً ذهبية أو ثوبَ حرير أو كأسَ خمر وأمثال ذلك، وقد صنعه النبي - ﷺ - حين كان محرمًا، فصاد له الصعب بن جَثامة - ﵁ - حمارًا وحشيًا، وأهداه إليه، فرده عليه - ﷺ -، فلما رأى ما في وجهه [أي من الحزن لرد هديته] قال - ﷺ -: «أما إنا لم نرده عليك، إلا أنا حُرُم».
قال ابن حجر: "وأما حديث الصعب فإن النبي - ﷺ - بيَّن العلة في عدم قبوله هديته لكونه كان محرِمًا، والمحرم لا يأكل ما
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٣٥٤١).
(٢) عون المعبود (٩/ ٣٣١).
[ ١٩٤ ]
صِيد لأجله؛ واستنبط منه المهلَب ردَّ هدية من كان ماله حرامًا أو عُرف بالظلم" (١).
مكافأة المُهدي على هديته:
وكما يعلمنا النبي - ﷺ - قبول الهدية؛ فإنه يرشدنا إلى مكافأة مُسديها بهدية مثلِها، وخاصة في الهدايا التي جرى العرف بين الناس على مكافأتها وتبادلها في المناسبات الاجتماعية، كهدايا التهنئة بالزواج والولادة وأمثالِهما، فقد تعارف الناس على أن مثل هذه الهدايا تُكافئ في مناسباتٍ مشابِهة، تقول عائشة ﵂: (كان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية، ويثيب عليها) (٢).
قال المهلَب: "الهدية على ضربين: فهدية للمكافأة، وهدية للصلة والجِوار، فما كان للمكافأة؛ كان على سبيلِ البيعِ وطريقِه، ففيه العِوَض، ويجبر المُهدى إليه على سبيل العوض، وما كان لله أو للصلة؛ فلا يلزم عليه مكافأة، وإن فعل فقد أحسن" (٣).
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ٢٢١).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٥٨٥).
(٣) شرح ابن بطال (٧/ ٩٥).
[ ١٩٥ ]
ومن هذا النوع من الهدايا ما جاء في قصة أعرابي وهب للنبي - ﷺ - هدية رجاء المكآفأة، فأثابه عليها - ﷺ -، ثم سأله: «رضيتَ؟» قال: لا. فما زال - ﷺ - يزيده في مكافأة هديته حتى رضي، فقال - ﷺ - وقد استثقل هديته: «لقد هممتُ أن لا أتَّهِب هِبة إلا من قُرشي أو أنصاري أو ثقفي» (١)، وقد استدل بعض المالكية بهذا الحديث على "وجوب الثواب على الهدية إذا أَطلق الواهب، وكان ممن يطلُب مثلُه الثواب، كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته - ﷺ -، ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يُعطى أكثرَ مما أهدى، فلا أقلَ أن يعوض بنظير هديته" (٢).
وقد أكد - ﷺ - على مبدأ مكافأة الهدية بقوله: «من سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أهدى لكم فكافئوه؛ فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له» (٣).
ولا ريب أن الهدية المبرورة هي الهدية التي يدفعها المهدي، لا ليقابَل من الناس بمثلِها، بل الهدية التي يرجو ثوابها
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٦٨٢).
(٢) تحفة الأحوذي (٦/ ٧٣).
(٣) أخرجه أحمد ح (٥٣٤٢).
[ ١٩٦ ]
من الله فحسب، أي مِن مثل ما كان يهديه - ﷺ -، يقول جابر: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فاشترى مني بعيرًا، فجعل لي ظهره حتى أقدُم المدينة، فلما قدمت أتيته بالبعير، فدفعته إليه، وأمر لي بالثمن.
ثم انصرفت؛ فإذا رسول الله - ﷺ - قد لحقني فقلت: قد بدا له [أي غير رأيه في مسألة شراء البعير]،قال فلما أتيته دفع إلي البعير وقال: «هو لك».
قال جابر: فمررت برجل من اليهود فأخبرتُه، فجعل يعجب، ويقول: اشترى منك البعير ودفع إليك الثمن ووهبه لك؟! فقلت: نعم (١).
لكن أي عجب، إنها أخلاق نبي أدبه ربه فأحسن تأديبه.
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٣٨٣٩).
[ ١٩٧ ]