صناعة المعروف خَصلة جليلة وخَلَّة كريمة، وهي خدمة الآخرين وقضاء حوائجهم المختلفة ونفعُهم بصور النفع المختلفة، كالإطعامِ وسقاية الماء وسدادِ الديون، أو الإصلاحِ بين المتهاجرين منهم، أو بذلِ الشفاعةِ والجاه، أو سائرِ المصالح التي يحتاجها الناس، وهو ما نسميه صناعة المعروف للآخرين.
وقضاء حوائج الناس خَلّة كريمة صنعها الأنبياء من قبل، وقد دعا الله ﷿ حبيبه - ﷺ - والمؤمنين من بعده إلى الاقتداء بهم ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٩٠).
وهم صلوات الله وسلامه عليهم كانوا أكثر الناس نفعًا للخلق، فهذا موسى ﵇ يسقي للمرأتين المديانيتين ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: ٢٣ - ٢٤).
وأما عيسى ﵇ فيقول عن نفسه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ (مريم: ٣١) أي جعلني نفاعًا للناس أينما اتجهت وحللت.
[ ١٥٤ ]
ونبينا - ﷺ - كان أكثرَ الناس نفعًا للآخرين وأشدَهم حرصًا على قضاء الحوائج، فقد قيل لعائشة ﵂: هل كان النبي - ﷺ - يصلي وهو قاعد؟ قالت: (نعم، بعد ما حطمه الناس) أي أتعبوه بكثرة حوائجهم التي يقضيها لهم - ﷺ - (١).
وتصفه أم المؤمنين خديجة في أول بعثته، فتقول: «والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسِب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (٢).
وهكذا كان - ﷺ - نفاعًا للناس حتى حطمه الناس بقضاء حوائجهم، وكيف لا يكون كذلك، وهو - ﷺ - القائل: «أحب الناس إلى الله ﷿ أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا (في مسجده بالمدينة المنورة) .. ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٧٣٢).
(٢) أخرجه البخاري ح (٤)، ومسلم ح (١٦٠).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وحسّن الألباني إسناده في السلسلة الصحيحة ح (٩٠٦).
[ ١٥٥ ]
ومن قضائه لحوائج الناس ما رواه مسلم من قصة امرأة أتت النبي - ﷺ - وفي عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فلم يضجر النبي - ﷺ - منها لخفة عقلها، بل قال: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها (١).
ويصفه عبد الله بن أبي أوفى بقوله: (كان رسول الله - ﷺ - يكثِر الذكر، ويُقِل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضيَ له الحاجة) (٢).
فضل صناعة المعروف:
وقد رغب النبي - ﷺ - في صناعة المعروف، لأنها عبادة لا غناء لنا عنها، نحتاجها في منافع الدنيا قبل الآخرة، إذ هي سبب في قضاء حاجاتنا وتفريج كروبنا، قال - ﷺ -: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٣٢٦).
(٢) أخرجه النسائي ح (١٤١٤)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (٥٨٣٣).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٤٤٢)، ومسلم ح (٢٥٨٠).
[ ١٥٦ ]
ويخبر الأسوة الحسنة - ﷺ - أن الله يدفع بصناعة المعروف ميتة السوء التي كثرت في هذا الزمان بين موت فجأة وحادث طريق، وغير هذا وذاك: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب» (١).
ويعتبر النبي - ﷺ - صُنَّاع المعروف مفاتيحَ للخير، ويرغب أمته أن تكون على هذا الوصف الجليل بقوله: «إن من الناس مفاتيحَ للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيحَ للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل اللهُ مفاتيحَ الخير على يديه، وويل لمن جعل اللهُ مفاتيح الشر على يديه» (٢).
ويحكي النبي - ﷺ - لأصحابه قصة أقوام عملوا القليل من صناعة المعروف، فكان جزاؤهم كبيرًا عند الله، من هؤلاء رجل أزال الأذى من الطريق «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخذه، فشكر الله له فغفر له» (٣)،
_________________
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (٨٠١٤)، وحسّن الهيثمي إسناده في مجمع الزوائد (٣/ ١١٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه ح (٢٣٧)، وحسنه الألباني بطرقه في السلسلة الصحيحة ح (١٣٢٢).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٤٧١)، ومسلم ح (١٩١٤).
[ ١٥٧ ]
وفي رواية: «لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس» (١).
كما يحكي - ﷺ - قصة رجل آخر صنع معروفًا لحيوان فدخل الجنة: «بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟ فأجابهم - ﷺ -: «في كل ذات كبد رطبة أجر» (٢).
وأما ثالث الناجين بصناعة المعروف فرجل سمح يداين الناس ويصبر عليهم في السداد، ويحكي النبي - ﷺ - قصته فيقول: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، فقال الله ﷿: «تجوزوا عنه»، وفي رواية: «فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (١٩١٤).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٤٦٦)، ومسلم ح (٢٢٤٤).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٠٧٧)، ومسلم ح (١٥٦٠).
[ ١٥٨ ]
قال النووي: "وفي هذه الأحاديث فضل إنظار المعسر، والوضع عنه إما كل الدين، وإما بعضه من كثير أو قليل، وفيه فضل المسامحة في الاقتضاء وفي الاستيفاء؛ سواء استوفي من موسر أو معسر، وفضل الوضع من الدين، وأنه لا يُحتقر شيء من أفعال الخير؛ فلعله سبب السعادة والرحمة" (١).
ويؤكد - ﷺ - على أهمية وفضل صناعة المعروف، فكل عَظْم من عِظام الإنسانِ ينبغي أن يُتصدق عنه، وصناعة المعروف هي صدقة من الإنسان على الآخرين، وفيها أيضًا بعض أداء حق الله المنعِم، قال - ﷺ -: «كلُ سُلامى عليه صدقة، كل يوم يعين الرجل في دابته يُحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة» (٢).
وهكذا فصناعة المعروف للآخرين نوع من الصدقة عليهم وعلى النفس، وهي أيضًا شكر للنعمة التي أسداها الله لصانع المعروف، فعن أبي موسى الأشعري أن النبي - ﷺ - قال:
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٢٢٤).
(٢) أخرجه البخاري ح (٢٨٩١)، ومسلم ح (١٠٠٩).
[ ١٥٩ ]
«على كل مسلم صدقة» فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق».
قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة» (١).
وفي حديث آخر يقول - ﷺ -: «كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تُفرغ من دلوك في إناء أخيك» (٢).
وصناعة المعروف معاملة مع الله قبل أن تكون معاملةً مع الخلق، لذا يبذل المعروف للإنسان ولو كان كافرًا، وقد وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ (الإنسان: ٧ - ١٠).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٤٤٥)، ومسلم ح (١٠٠٨).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٩٧٠).
[ ١٦٠ ]
فقوله: ﴿وَأَسِيرًا﴾ يقصد به الأسير الكافر ولاريب، فالآية توصي بإطعامه الطعام على حبه، قال ابن عباس: "كان أُسراؤهم يومئذ مشركين".
وعقَّب ابن كثير بالقول: "يشهد لهذا أن رسول الله - ﷺ - أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأُسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء" (١).
بل ويبذل المعروف للحيوان أيضًا، فكل ذلك صدقة، يقول - ﷺ -: «ما من مسلم يغرِس غرسًا إلا كان ما أُكِل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة، وما أَكل السبُع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطيرُ فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحدٌ [أي يسأله] إلا كان له صدقة» (٢).
وقد صنع النبي - ﷺ - المعروف للحيوان، ولم يمنعه عن ذلك كثرة أعبائه ومشاغله، فقد دخل حائطًا لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبيَ - ﷺ - حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي - ﷺ - فمسح ذِفراه فسكت فقال: «من ربُ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٨٤).
(٢) أخرجه مسلم ح (١٥٥٢).
[ ١٦١ ]
فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئِبُه» (١).
التقصير في صناعة المعروف:
وصناعة المعروف تتراوح في حكمها بين المندوب والواجب، بحسب المعروف والحاجة إليه، لذا فالبخل بصناعة المعروف أحيانًا والامتناع عن بذله من مهلكات الأمور، لذا ما فتئت آيات القرآن الكريم تحذر منه، فياللعجب كيف يقصر بعض المسلمين في خدمة الآخرين وهو يسمع آيات القرآن تحكي الوعيد لمن صنع ذلك: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ٤ - ٧).
قال الشوكاني: " قال أكثر المفسرين: ﴿الْمَاعُونَ﴾: اسم لما يتعاوزه الناس بينهم: من الدلو والفأس والقِدر، وما لا يمنع كالماء والملح" (٢).
وفي دركات النار وأَتونها يُسأل أصحابها عن سبب دخولهم النار، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ فيجيبون
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٢٥٤٩).
(٢) فتح القدير (٥/ ٧١٢).
[ ١٦٢ ]
بأن سبب ذلك أمور، من بينها أنهم بخلوا بمعروفهم عن المساكين: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (المدثر: ٤١ - ٤٤).
وفي آية أخرى يعدد الله سواءت أهل النار؛ فإذا من بينها ترك صناعة المعروف: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (الحاقة: ٣٤ - ٣٥).
والذين يقصرون في صناعة المعروف يعاتبهم الله يوم القيامة، ففي الحديث القدسي أن: «الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده.
يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي.
[ ١٦٣ ]
يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي» (١).
قال النووي: "قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه ﷾، والمراد العبد تشريفًا للعبد وتقريبًا له. قالوا: ومعنى «وجدتني عنده» أي: وجدت ثوابي وكرامتي، ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث: «لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، لو أسقيته لوجدت ذلك عندي» أي ثوابه" (٢).
وأكد - ﷺ - على خسران وبوار المقصرين في صناعة المعروف في خبر يرويه الصحابي الجليل أنس بنُ مالك - ﵁ - فيقول: استشهد رجل منا يوم أُحد، فوجِد على بطنه صخرةٌ مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئًا لك يا بنيَّ الجنة. فقال رسول الله - ﷺ -: «وما يدريكِ، فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره» (٣)، وكأني به - ﷺ - يقول: إن مما يمنع المرء عن دخول الجنة منع المعروف الذي لا يضره
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٥٦٩).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٢٦).
(٣) أخرجه الترمذي ح (٢٣١٦)، وأبو يعلى ح (٣٩٠٨)، واللفظ له.
[ ١٦٤ ]
بذله، ولم يقصد النبي - ﷺ - في هذا الحديث الشهادة بعدم دخول الجنة لهذا الصحابي الذي استشهد وهو رابطٌ حجرًا على بطنه من شدة الجوع.
لكنه - ﷺ - أراد أن يعلمنا أن مما يحجب المرء عن الجنة خصلتان يقع فيهما كثير من الناس، وهما: الثرثرة والكلام فيما لا فائدة منه، ومنع المعروف عن الآخرين والتقصير في بذله.
ومن الوعيد الذي يتوعد الله به أولئك المقصرين في صناعة المعروف - فيما زاد عن حاجتهم ولا يضرهم نقصه - ما يرويه أبو هريرة - ﵁ - من قول النبي - ﷺ -: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم» فذكر منهم «ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» (١).
قال ابن بطال: "وفيه عقوبة من منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ويدخل في معنى الحديث منع غير الماء وكل ما بالناس الحاجة إليه" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٣٦٩).
(٢) شرح ابن بطال (٨/ ٢٧٩).
[ ١٦٥ ]
ومن الفضل والمعروف ما يكون بين الجيران، كأن يحتاج الجار إلى بعض منافع دار الجار التي لا يضره بذلها، يقول - ﷺ -: «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» (١).
لكن أبا هريرة رأى من بعض التابعين استثقالًا وإعراضًا عن هذا الأمر من صناعة المعروف، فقال: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم).
قال العلماء: "وكل ما طلبه جاره من فتح باب وإرفاق بماء أو مختلف في طريق، أو فتح طريق في غير موضعه وشبهِ ذلك؛ فلا ينبغي في الترغيب أن يمنعه مما لا يضره ولا ينفعه ولا يحكم به عليه" (٢).
وهكذا فالتقصير في صناعة المعروف سبب للملامة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، وبخاصة إذا كان بخلًا بما لا يحتاجه، أو بما تشتد إليه حاجة الآخرين.
آداب صناعة المعروف:
وصناعة المعروف عبادة أحاطها النبي - ﷺ - بآداب تضبطها وتحافظ عليها، وأولها أن يعي المسلمون أن بذل المعروف
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٤٦٣)، ومسلم ح (١٦٠٩).
(٢) المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٤٢).
[ ١٦٦ ]
معاملة مع الله، لا توزن بالقلة والكثرة، بل تحمد عند الله على كل حال، فقليلها عنده كثير، وهين العمل عند الرب الكريم كبير «فاتقوا النار ولو بشق تمرة» (١).
يقول جابر بن سليم الهُجيميّ: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، إنّا قوم من أهل البادية، فعلّمنا شيئًا ينفعنا الله ﵎ به؟ فقال - ﷺ -: «لا تحقرنّ من المعروف شيئًا؛ ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلّم أخاك ووجهك إليه منبسط» (٢).
وبمثل هذا التعليم لأهل البادية علم - ﷺ - أهل الحضر، فقال: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٣).
ويعلمنا النبي - ﷺ - قبول هذا القليل وعدم انتقاصه في حديث آخر، فيقول: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٤١٧)، ومسلم ح (١٠١٦).
(٢) أخرجه أحمد ح (٢٠١١٠).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٥٦٦)، ومسلم ح (١٠٣٠).
(٤) أخرجه البخاري ح (٢٥٦٨).
[ ١٦٧ ]
قال ابن حجر: "وفي الحديث دليل على حسن خلقه - ﷺ - وتواضعه وجبره لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله، ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل" (١).
وأحيانًا يُخذِّل الشيطان الواحد منا عن صنع المعروف، بحجة أن من نصنع له المعروف قد لا يكون محتاجًا، فقد يكون مدعيًا كذابًا اعتاد التسول واحترفه، لكن ينبغي أن لا ننسى أنه قد يكون صادقًا محتاجًا، فلا يصح أن نمتنع عن بذل المعروف، فنعاقب المحتاج بجريرة الكذاب.
وحتى يتجاوز المسلم هذا التخذيل الشيطاني ويستمر في بذل المعروف؛ يسوق - ﷺ - قصة رجل تصدق على غير مستحق للصدقة، وقبِل الله صدقته التي وقعت مرة في يد غني، وأخرى في يد تستحق القطع (سارق)، وثالثة في يد آثمة لامرأة زانية، يقول - ﷺ -: «قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة.
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٢٤٦).
[ ١٦٨ ]
فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، لأتصدقن بصدقة.
فخرج بصدقته فوضعها في يدي غني فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني.
فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله» (١).
قال ابن بطال: "إن الصدقة إذا خرجت من مال المتصدق على نية الصدقة، أنها جازية عنه حيث وقعت ممن بسط إليها إذا كان مسلمًا بدليل هذا الحديث" (٢).
وكما حث النبي على صناعة المعروف، فإنه حذر مما يحبطه ويبطل ثوابه كتلبسه المنَّ والأذى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (البقرة: ٢٦٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (١٤٢١)، ومسلم ح (١٠٢٢).
(٢) شرح ابن بطال (٣/ ٤٢٣).
[ ١٦٩ ]
ولأجل ذلك يحب الله من عباده إخفاء صدقاتهم ومعروفهم قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ (البقرة: ٢٧١)، فالعبد الذي يُسِر بعمله يحبه الله تعالى، قال - ﷺ -: «إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء» (١)، ويوم القيامة يحشرهم في ظلال عرشه، في يوم لا ظل فيه إلا ظله، فقد ورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٢).
بذل الشفاعة باب من صناعة المعروف:
ومن صور صناعة المعروف ما لا يكلف مالًا، ومقصودي بذلُ الشفاعة والجاه بغية كشف كرُبات الناس وحلِّ مشكلاتهم، وقد صنعه - ﷺ - سعيًا في تفريج هموم الناس والتخفيف من معاناتهم، من ذلك شفاعته لعبد يدعى مُغيث عند زوجته السابقة بَريرة، والقصة يرويها البخاري، وفيها أن زوجَ بريرة كان عبدًا يقال له مغيث، وكان يحبها، ففارقته.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٤)، وابن ماجه ح (٣٩٨٩).
(٢) أخرجه البخاري ح (٦٦٠)، ومسلم ح (١٠٣١).
[ ١٧٠ ]
يقول ابن عباس وهو يصور حال هذا الزوج المحب لزوجته السابقة: كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي - ﷺ - للعباس: «يا عباسُ ألا تعجب من حب مغيثٍ بريرةَ، ومن بغضِ بريرةَ مغيثًا؟!».
ثم إن النبي - ﷺ - رفِق بهذا المحب؛ فذهب إلى بريرة يشفع لزوجها عندها، لعلها ترجعُ إليه، فقال لها: «لو راجعتِه» فقالت بريرة: يا رسول الله تأمرني؟ فأجابها - ﷺ -: «إنما أنا أشفع». فقالت: لا حاجة لي فيه (١).
ويعلم النبي - ﷺ - أصحابه ممارسة الشفاعة والتوسط للناس في قضاء الحوائج بطريقة عملية، كان إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجة يقول: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه - ﷺ - ما شاء» (٢)، وفي رواية: «إنَّ الرجل ليسألني الشيء، فأمنعُه حتى تشفعوا فيه؛ فتُؤجروا» (٣).
قال ابن بطال: "الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر، مرغَّب فيها، مندوب إليها، ألا ترى قوله - ﷺ -: «اشفعوا
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٢٨٣).
(٢) أخرجه البخاري ح (١٤٣٢)، ومسلم ح (٢٦٢٧).
(٣) أخرجه النسائي ح (٢٥٥٧)، وأبو داود ح (٥١٣٢).
[ ١٧١ ]
تؤجروا»، فندب أمته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك، ودَلَّ قوله - ﷺ -: «ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» أن الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه ولم تنجح طُلبتُه، وقد قال - ﷺ -: «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» " (١).
لكن الشفاعة لا تمدح مطلقًا، فإن منها ما هو حسن يحبه الله ويثيب عليه ويجعلُ صاحبه شريكًا في الأجر، وإن منها ما يَمقُته الله ويجعل صاحبها شريكًا في الوزر، وهي الشفاعة السيئة، قال الله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ (النساء: ٨٥).
ويشرح الإمام الشوكاني الفرق بين الشفاعتين بقوله: "والشفاعة الحسنة هي: في البرّ والطاعة. والشفاعة السيئة في المعاصي، فمن شفع في الخير لينفع؛ فله نصيب منها، أي: من أجرها، ومن شَفَع في الشر، كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له كفل منها، أي: نصيب من وزرها" (٢).
_________________
(١) شرح ابن بطال (٣/ ٤٣٤)، والحديث أخرجه مسلم ح (٢٦٦٩).
(٢) فتح القدير (١/ ٧٤٣).
[ ١٧٢ ]
فالشفاعة الحسنة هي التوسط والسعي في قضاء حوائج الناس من غير الإضرار بمصالح الآخرين وحاجاتهم، وأما الشفاعة السيئة فهي السعي بتحقيق مصالح البعض على حساب الآخرين، كما لو تقدم بعضهم لوظيفة يتنافسون عليها، فشفَع لأحدهم ليقدم على الآخرين بغير موجب إلا معرفته لوجيه شفع له، فهذه من الشفاعة السيئة، لأنها أضرت بالآخرين.
ومن الشفاعة السيئة ما أدى إلى ضياع حقوق الناس وأكلها، كالتوسط والشفاعة في دفع حدود الله عند الحاكم والقاضي، وقد نبه عليه النبي - ﷺ - حين رفض شفاعة أسامةَ بنِ زيد في المرأة المخزومية التي سرقت، وقال لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله؟!».
ثم قام فخطب الناس وقال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيْمُ الله لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت؛ لقطعتُ يدها» (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٤٧٥)، ومسلم ح (١٦٨٨).
[ ١٧٣ ]
وحين يعلمنا النبي - ﷺ - الشفاعة، فإنه يوصينا بأمر آخر لا غناء لنا عنه، وهو الإخلاص فيها لله ﷿، فحين نشفع لأحدهم ونتوسط له؛ فإنا لا نصنع ذلك ترقبًا لنفع دنيوي، كأن يهدي لنا أو أن يتوسطَ لنا في قابل الأيام، أو أن يذكرَنا الناس بالذكر الحسن، فيصفوننا بالشهامة وكثرة الخير، فطلبُ هذه الأمور مما يحبط العمل ويبطل ثوابه، فالله يريد منا الإخلاص في العمل له ﵎: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (الإنسان: ٩ - ١٢).
وحتى يبقى هذا العمل خالصًا لوجه الله مجردًا من طمع الدنيا؛ فإن النبي - ﷺ - يحذر الشافع من أخذ شيء من الأجرة عليه في الدنيا، فقد قال - ﷺ -: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها؛ فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا» (١).
ومن أراد أن يستوضح منزلة الإخلاص، فليسمع إلى الحوار الذي جرى بين الرسول - ﷺ - وعدي بن حاتمٍ الطائي الذي كان يضرب به المثل في الكرم، فقد جاء عدي بن حاتم
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٣٥٤١).
[ ١٧٤ ]
إلى النبي - ﷺ - فسأله عن المعروف والخير الذي كان يصنعه أبوه في الجاهلية ابتغاء المدح والذكر الحسن، فقال - ﷺ -: «إن أباك أراد شيئًا فأدركه» (١) أي طلب الأجر من الناس بالثناء، فنال أجره، فليس له عند الله شيء.
وهكذا فإن صناعة المعروف خصلة فاضلة نقدم فيها النفع والخير للناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: ٧٧)، وهي خَلة شريفة إيجابية يتصدق بها المرء على نفسه أولًا ثم على أصحاب الحاجات ثانيًا؛ إنها بعض عطاء الإسلام للحضارة الإنسانية، وبعض تنميته للإنسان، فما أحوجنا إلى هدي الإسلام في زمن طغت فيه الأثرة والأنانية وحب الذات.
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٨٨٨).
[ ١٧٥ ]