وقفنا على صور الحب وحسن العشرة في علاقة النبي - ﷺ - مع زوجاته، ورأينا جملة آداب لم يبخل النبي - ﷺ - بمثلها عن زهرات البيوت وزينة الدنيا وبهجتها، وهم أطفالها شموع الأمل الباسم فيها، فلهؤلاء الحظ الأكبر في الرعاية والعناية، ويستحقون النصيب الأوفى من أوقاتنا وجهدنا.
الطريق الأقصر إلى قلوب الصغار هو حسن رعايتهم وملاطفتهم وممازحتهم ومنحهم المزيد من الحنان والاهتمام، وهو ما صنعه النبي - ﷺ - مع العديد من الأطفال الذين كانوا يتلألؤون من حوله، ومن هؤلاء ابنه إبراهيم، وحفيداه الحسن والحسين عليهما رضوان الله أجمعين.
يحكي لنا أنس بن مالك عن حنو النبي - ﷺ - على ابنه إبراهيم وغيره من الأطفال، فيقول: (ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله - ﷺ -، كان إبراهيم مسترضعًا في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت .. فيأخذه، فيقبِّلُه ثم يرجع) (١)، هذه العاطفة الدفاقة بالحب والحنان لم
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٣١٦).
[ ٢٤ ]
تشغل النبي - ﷺ - عنها زحمة الواجبات وكثرة الأعباء، فلكل وقته، ولكل حقه في وقت النبي - ﷺ - ومستحقه.
ويواصل أنس حكاية حال النبي - ﷺ - مع الأطفال، فيقول: (كان رسول الله - ﷺ - من أفكه الناس مع صبي) (١)، وهذه المعاني أدركها أنس في طفولته التي قضاها في بيت النبي - ﷺ - يخدمه عشر سنين، فهو أعرف الناس بها، وهو أحفظ الناس لها.
إن اللغة التي يفهمها الطفل هي لغة الحب، ومفرداتها القبلة الحانية والحضن الدافئ واللعب البريء، وهذه اللغة الرخيصة في تكاليفها عظيمة في قيمتها، والعجب في بخل بعض الناس بها تكبرًا وغرورًا، بل قسوة وجفاء، من هؤلاء الأقرع بن حابس التميمي، فحين رأى رسول الله - ﷺ - يقبِّل حفيده الحسن بن علي؛ قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا. أي فخر يفتخر به هذا؟ أيفخر المرء بقسوة قلبه وجفاء معاملته؟ هل يخدش مكانته ويحط من منزلته لو كان يحنو على طفله بقبلة أبوية؟
_________________
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط ح (٦٣٦١)، والبيهقي في دلائل النبوة ح (٢٨٣).
[ ٢٥ ]
فنظر إليه رسول الله - ﷺ - ثم قال معقبًا بكلمات موجزة مؤثرة: «من لا يَرحم لا يُرحم» (١).
وفي مرة أخرى قدم ناس من الأعراب على رسول الله - ﷺ - فقالوا: أتقبِّلون صبيانكم؟ فقال - ﷺ -: «نعم». قالوا: لكنا والله ما نقبِّل! فقال رسول الله - ﷺ -: «أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة!» (٢).
ومما يطرب له الطفل ويستأثر بقلبه أن يحمله ذووه، وأن يضموه إلى صدورهم، وهو أمر متعِب أو مضجِر للآباء، لكنه ضروري، ولا غَناء عنه لمن أراد غرس الحب في الطفولة وجني البر في الشباب والرجولة، يقول أبو هريرة: خرج النبي - ﷺ - في طائفة النهار حتى أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء إلى فِناء بيت فاطمة فقال: «أثمَّ لُكع، أثمَّ لُكع» [أي: أين الصغير، ومقصِدُه الحسن] فحَبَسَته أمه شيئًا، فظننتُ أنها تلبسه سِخابًا أو تغسِّلُه، فجاء الحسن يشتد حتى عانقه وقبَّله وقال: «اللهم أحبِبْه، وأحبَّ من يحبُّه» (٣)، نسأل الله أن يجعلنا ممن أحبه وأحب من يحبه.
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٩٩٧)، ومسلم ح (٢٣١٨).
(٢) أخرجه البخاري ح (٥٩٩٨)، ومسلم ح (٢٣١٧).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢١٢٢)، ومسلم ح (٢٤٢١).
[ ٢٦ ]
وأما أسامة بنُ زيدٍ الذي كان يلقب بالحِبِّ ابنِ الحِبِّ فيذكر أن النبي - ﷺ - كان يحمله ويحمل الحسن ويقول: «اللهم أحبَّهما فإني أحبُّهُما» (١).
ولعل من أهم حقوق الطفل ملاعبته وملاطفته، وقد كان لرسول الله - ﷺ - من هذا الأدب الكيل الأوفى، لم يكن - ﷺ - يتحرج من ملاطفة الحسن بإخراج لسانه له، فيراه الصبي، فيهش له ويفرح (٢).
ودخل جابر يومًا على النبي - ﷺ -، فرآه حاملًا الحسن والحسين على ظهره، وهو يمشي بهما. فقال جابر لهما: نِعم الجملُ جملُكما، يقصد رسول الله - ﷺ -، فأجابه النبي - ﷺ -: «ونِعم الراكبان هما» (٣).
ومن ملاعبته للأطفال - ﷺ - أنه كان يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثيرًا بَني العباسِ ثم يقول: «من سبق إليّ فله كذا». فكانوا يستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبِّلُهم ويلتزمهم - ﷺ - (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٣٧٣٦).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه ح (٥٥٩٦).
(٣) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (٢٥٩٥)، قال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه مسروح أبو شهاب وهو ضعيف". مجمع الزوائد (٩/ ١٨٢).
(٤) أخرجه أحمد ح (١٧٣٩).
[ ٢٧ ]
ومما يحسن في معاملة الأبناء إهداؤهم، فالهدية سبب في استجلاب محبة الكبار فضلًا عن الصغار، وقد صنع النبي - ﷺ - ذلك حين أهدى النجاشي إلى رسول الله - ﷺ - حلَقة، فيها خاتم ذهب، فيه فص حبشي، فأخذه رسول الله - ﷺ - بعود وإنه لمعرض عنه، ثم دعا بابنةِ ابنتِه، أمامةَ بنتِ أبي العاص فقال: «تحلَي بهذا يا بنية» (١).
ومن ممازحته - ﷺ - لأنس أنه كان يعدل في ندائه عن اسمه الصريح، فيناديه متحببًا: «يا ذا الأذنين» (٢).
ومازح - ﷺ - أيضًا أخاه، وسأله عن عصفوره الذي كان يلعب به، يقول أنس: إنْ كان رسول الله - ﷺ - ليخالطُنا حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟».
وفي رواية لأحمد أن النبي - ﷺ - كان يدخل على أم سليم [أمِ أنس]، ولها ابن من أبي طلحة يكنى: أبا عمير، وكان يمازحه، فدخل عليه فرآه حزينًا فقال: «مالي أرى أبا عميرٍ حزينًا؟»
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٢٣٥)، وابن ماجه ح (٣٦٤٤)، وأحمد ح (٢٤٣٥٩).
(٢) أخرجه الترمذي ح (٣٨٢٨)، وأبو داود ح (٥٠٠٢).
[ ٢٨ ]
فقالوا: مات نُغَرُه الذي كان يلعب به، قال: فجعل يقول: «أبا عمير، ما فعل النغير» (١).
وفي الحديث فوائد منها: "جواز تكنية من لم يولَد له، وتكنية الطفل، وأنه ليس كذبًا، وجواز المزاح فيما ليس إثمًا .. وملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان النبي - ﷺ - عليه من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل، لأن أم سليم والدة أبي عمير هي من محارمه - ﷺ - " (٢)، أي بالرضاع.
وأما محمود بن الربيع، وهو من صغار الصحابة، فيقول: (عقَلتُ [أي أتذكر] من النبي - ﷺ - مجّةً مجّها في وجهي؛ وأنا ابن خمسِ سنينَ من دلو) (٣)، والمج "طرح الماء من الفم بالتزريق، وفي هذا ملاطفةُ الصبيان وتأنيسُهم وإكرام آبائهم بذلك، وجوازُ المِزاح" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٦١٢٩)، وأحمد ح (١٢٥٤٥).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٢٩)، وانظر الآداب الشرعية (٢/ ٢٢٣).
(٣) أخرجه البخاري ح (٧٧)، ومسلم ح (٣٣).
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ١٦٢).
[ ٢٩ ]
أدب المعاملة مع الأطفال في وقت الجد:
الطفل لا يعرف عادة وقتًا للعب وآخرَ للجد، وهو يفترض أن كل الأوقات مخصصة له، لذا فالواجب على المربي، أبًا كان أو أُمًا، أن يراعي مشاعره وطفولته ولو في أوقات الجد، كحضرة الضيوف أو المشاغل المهمة أو حتى وقت العبادات الشرعية، وقد صنع ذلك النبي - ﷺ -، قال أبو قتادة: (خرج إلينا رسول الله - ﷺ - وأمامة بنت أبي العاص بنتُ ابنته على عنقِه، فقام في مصلاه، وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه.
قال أبو قتادة: فكبر فكبرنا، حتى إذا أراد رسول الله - ﷺ - أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده، ثم قام أخذها، فردها في مكانها، فما زال رسول الله - ﷺ - يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته - ﷺ -) (١).
ولعلي أحاول مع القارئ الكريم تصور الحال لو حدث مثل هذا في بعض مساجدنا اليوم، فحمل الإمام طفله، أو دخل طفل بعض مساجدنا فجال بين الصفوف؛ فضلًا عن أن
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٩٢٠)، وأصله في البخاري ح (٥١٦)، ومسلم ح (٥٤٣).
[ ٣٠ ]
يصل إلى المحراب، فيقف بجوار الإمام، كيف يكون الحال؟ وماذا سنقول عن والده؟ وكيف سنتصرف بعد نهاية الصلاة؟
إجابات تتدافع في ذهني، ولا أجرؤ على البوح بها، لكنها على كل حال ليست كالذي صنعه النبي - ﷺ - مع حفيدته في الصلاة.
ويحكي لنا نحوَه شدادُ - ﵁ - موقفًا مماثلًا: خرج علينا رسول الله - ﷺ - في إحدى صلاتي العشِي الظهر أو العصر، وهو حاملُ حسنٍ أو حسينٍ، فتقدم فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها.
قال شداد: رفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول الله - ﷺ - وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول الله - ﷺ - الصلاة؛ قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهريِّ الصلاة سجدة أطلتَها؛ حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك؟ فقال - ﷺ -: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أُعجِّله حتى يقضيَ حاجَته» (١).
نعم، لقد انتظره حتي يقضي حاجته من اللعب، فالطفل لا يميز بين وقت الهزل والجد، ولا يتصور أن وقتًا ما ينشغل
_________________
(١) أخرجه النسائي ح (١١٤١)، وأحمد ح (١٥٦٠٣).
[ ٣١ ]
جده عنه، فهو يريد نصيبه من الحب واللعب والدلال، إني لأجزم أن أحدًا من الآباء اليوم لا يصنع ما كان محمد - ﷺ - يصنعه، لكنه الرحمة المسداة - ﷺ -.
وذات مرة، بينما النبي - ﷺ - يخطب على المنبر، وألوف المسلمين تشرئب أعناقهم وهي تستمع إليه؛ إذ جاء الحسن بن علي، فصعد إليه المنبر، فلم يعب النبي - ﷺ - صنيعه، ولم ينهره، بل ضمه إليه، ومسح على رأسه وقال: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١).
ومرة أخرى ماذا نصنع مع مثل هذا الطفل لا يعرف حرمة الصلاة ولا المنبر؟ هل ننهره ونجرح شعوره؟ هل نطرده ونرسله إلى أمه مع رسالة تأنيب لتقصيرها في الإمساك به وحجزه عن مواطن الجد؟ كيف ينبغي أن نتعامل مع مثل هذه الحال؟ أوليس هدي محمد - ﷺ - خير الهدي وأحسنه؟ إنه - ﷺ - القائل: «إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله» (٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٦٦٣)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (٦٢٣٣).
(٢) أخرجه الترمذي ح (٢٦١٢)، وأحمد ح (٢٣٦٨٤).
[ ٣٢ ]
الكذب على الأطفال:
ويعلمنا الرسول - ﷺ - أدبًا تحتاجه الكثير من الأمهات اليوم، وهو عدم الكذب على الصبي، ولو في باب المُزاح، فكما حرم الله الكذب في المِزاح مع الكبير، فإنه يحرم مع الصغير بلا تفريق، فعن عبد الله بن عامر أنه دعته أمه يومًا ورسول الله - ﷺ - قاعد في البيت، فقالت: ها، تعال أعطيك، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «وما أردت أن تعطيه؟» قالت: تمرًا، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أما إنك لو لم تعطه شيئًا كُتبتْ عليكِ كذبة»، وفي رواية أنه - ﷺ - قال: «من قال لصبي: تعال هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة» (١).
فالكذب على الصغير في ممازحته كالكذب على الكبير، وقد قال - ﷺ -: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا ليضحك بها القوم، وإنه ليقع بها أبعد من السماء» أي يقع بها في النار أبعد من وقوعه من السماء إلى الأرض".
وهكذا فإن النبي - ﷺ - كان يمازح الأطفال ويمازح أهل بيته، ويتقبل مزاحهم عنده، ولا يستنكف من هذا الخلق الجميل الذي نعجب لاستنكاف كثير من الآباء عنه، ونراه
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٤٩٩٢)، وأحمد ح (٩٥٢٦).
[ ٣٣ ]
نوعًا من الكبر والترفع على أهله، وهو مخالف لهدي النبي - ﷺ - في المعاملة مع أهل البيت والأطفال.
وما رأينا من لطف النبي - ﷺ - بأبنائه وأحفاده وأقرانهم يستوقفنا ويدعونا إلى إعادة بناء علاقاتنا الأسرية على أساس متين من الحب الذي نعبر عنه لأبنائنا بتقبيلهم والحنو عليهم وتملك قلوبهم، وإشباع عواطفهم بضروب الحنان والود الخالص.
[ ٣٤ ]