الأصل في المسلم أن يكون جادًا، إذ لم يخلقنا في هذه الدنيا للعبث واللعب، لكن الجد لا يدوم إلا إذا خالطه شيء من المزاح، الذي هو بمثابة الملح من الطعام، فبالمزاح والدعابة تزهو علاقات الناس وتزدان مجالسهم، إذا لم يجاوز قدره، فكما يقولون: الشيء إذا جاوز حده انقلب إلى ضده.
وكما نهى - ﷺ - عن الإفراط في كل أمر ولو كان حسنًا؛ فإنه قد نهى عن الإفراط في المزاح، لما يجر إليه من غفلة القلب وقسوته، وشغله عما خلق له من عظائم الأمور «ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» (١)، والمزاح سبب رئيس من أسباب الضحك.
وإذا كان الإكثار من الضحك مذمومًا، فإن أصلَه غيرُ ممنوع، فقد كان النبي - ﷺ - يستمع إلى ضحك أصحابه، ويشاركهم بالتبسم يقول جابر بن سمرة: (كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، وكانوا
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٣٠٥)، وابن ماجه ح (٤١٩٣)، وأحمد ح (٧٧٤٨).
[ ١٠٦ ]
يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويتبسم - ﷺ -) (١).
وحتى يتمكن الصحابة الكرام من التمازح؛ فإن النبي - ﷺ - كان لا يلتفت إذا مشى، وكان ربما تعلق رداؤه بالشجرة أو الشيء، فلا يلتفت حتى يرفعوه، لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون، وكانوا قد أمنوا التفاته - ﷺ - (٢) فالصحابة يعرفون قدر النبي - ﷺ - فيهابون المزاح أمامه، وهو لا يريد أن يضيق عليهم فيما أحله الله لهم.
المزاح المذموم:
والمزاح يصبح حرامًا إذا صاحبه مخالفة شرعية، كالكذب والترويع وغيرها مما بينه رسول الله - ﷺ -، فقد يخرج صاحبه عن الغاية التي شرع لأجلها.
فالبعض يمزح، ويكذب في مزاحه، ويعلله بأنه كذب أبيض، يقصد أن إضحاك الحضور وبعث السرور في نفوسهم، ولم يدر المسكين أن الكذب لون واحد محرم، سواء أكان هذا
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٦٧٠).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ح (٣٢١٦)، قال الهيثمي: إسناده حسن، مجمع الزوائد (٨/ ٣٠٣).
[ ١٠٧ ]
الكذب لإضحاك الناس أم لغيره، فقد قال - ﷺ -: «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له» (١)، وفي رواية لأحمد «إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يريد بها بأسًا إلا ليضحك بها القوم؛ فإنه يقع فيها أبعد ما بين السماء والأرض» (٢).
ويضمن النبي - ﷺ - الجنة لمن فعل ثلاث خصال، ومنها ترك الكذب في المزاح، يقول - ﷺ -: «أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (٣).
وهكذا فالمزاح مباح ما لم يتلبس بالكذب، وقد كان نبينا - ﷺ - يمزح ولا يكذب، قال له أصحابه: يا رسول الله إنك تداعبنا! فقال: «إني لا أقول إلا حقًا» (٤).
ومما يجعل المزاح حرامًا أن يتلبس بترويع الآمنين وتخويفهم، كالاختباء للشخص؛ ثم مفاجأته بقصد تخويفه
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٣١٥)، وأبو داود ح (٤٩٩٠)، الدارمي ح (٢٧٠٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ح (٢٣١٥).
(٢) أخرجه أحمد ح (١٠٩٠٣).
(٣) أخرجه أبو داود ح (٤٨٠٠).
(٤) أخرجه الترمذي ح (١٩٩٠)، وأحمد ح (٨٣٦٦).
[ ١٠٨ ]
للضحك من ذلك، ومثله ترويعه بإخفاء جواله أو مفاتيح سيارته أو غيرها، بقصد الضحك والممازحة.
ولمن أراد أن ينظر هدي محمد - ﷺ - نذكر أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يسيرون مع رسول الله في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال - ﷺ -: «ما يضحككم؟» فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نُبُل هذا ففزع. فقال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا» (١) أي "لا يحل لمسلم أي يفزع مسلمًا؛ وإن كان هازلًا كإشارته بسيف أو حديدة أو أفعى أو أخذ متاعه؛ فيفزع لفقده، لما فيه من إدخال الأذى والضرر عليه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢).
وقال - ﷺ -: «لا يأخذنَّ أحدُكم متاعَ صاحبه جادًا ولا لاعبًا، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه؛ فليردها عليه» (٣).
ومن أعظم الترويع وأمقته إلى الله رفعُ السلاح في وجه المؤمن ولو بالمزاح، فكم من مزاح انقلب إلى مأساة، لعدم
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ح (٢١٩٨٦)، ونحوه أبو داود ح (٥٠٠٤).
(٢) فيض القدير، المناوي (٦/ ٥٧٩).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ح (١٧٢٦١) وأبو داود ح (٢١٩٤).
[ ١٠٩ ]
الوقوف عند حدود الهدي النبوي: «لا يشير أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» (١).
وفي حديث آخر من الوعيد ما فيه مزدجر لكل من ألقى السمع وهو شهيد: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه» (٢).
كما يذم المزاح إذا اقترن بمنكرات يفعلها البعض، فتهدم الأسر أحيانًا وتهدم الدين في أحيانَ أخرى.
وأما ما يهدم الأسر فهو ما دأب عليه بعض الأزواج من جعل الحلف بالطلاق فاكهة لمجالسهم، فإذا أراد من زميله أن يكمل عشاءه حلف عليه بالطلاق؛ فلربما أكل الزميل فسعدت الأسرة، ولربما امتنع فوقعت المصيبة وتشتت الأبناء، وكذلك إذا أراد هذا العابث التأكيد على حضوره لموعد ما أقسم بالطلاق، ولربما أراد ممازحة زميل له، فطلق زوجته هازلًا في ذلك، أو لربما زوج بعضهم ابنته لصديقه وهو يمزح في ذلك
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٦١٦).
(٢) أخرجه البخاري ح (٧٠٧٢)، ومسلم ح (٢٦١٧).
[ ١١٠ ]
كله ولا يقصده، وقد قال النبي - ﷺ -: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» (١).
وأما ما يهدم الدين من المزاح، فهو ما خرج عن دائرة الشرع وضوابطه، وأوقع صاحبه في أبواب الكبائر، ونراه عند كثيرين اليوم، ممن لا يجدون مادة لطرفتهم وظُرْفهم إلا الدين وما يتعلق به من مقدسات، فالبعض يطلق نكاتًا وطُرفًا يتلبسها الاستهزاء ببعض القرآن أو الأنبياء أو الأحكام الفقهية أو العلماء حملة الدين، وهذا باب خطير حذر منه القرآن، واعتبره نوعًا من النفاق.
وقد وقع هذا النوع من المزاح من بعض المنافقين يوم تبوك حين استهزؤوا برسول الله - ﷺ - وأصحابه حين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء.
فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فسألهم، فأقروا واعتذروا إليه بأنهم كانوا يمزحون ويهزلون، وأنهم لم يقولوا هذا جادين، فأنزل الله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (١١٨٤)، وأبو داود ح (٢١٩٤)، وابن ماجه ح (٢٠٣٩).
[ ١١١ ]
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة:٦٤ - ٦٥) (١).
قال القاضي ابن العربي: "لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًا أو هزلًا، وهو - كيفما كان - كفر، فإن الهزْل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل" (٢).
والإمام ابن تيمية ينقل اتفاق المسلمين على أن كفر مرتكب الإساءة إلى النبي - ﷺ - ولو بالهزل: " قد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له [- ﷺ -] كفر مبيح للدم .. ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه .. أو لا يقصد شيئًا من ذلك، بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك، فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سبًا، فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" (٣).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٣٣).
(٢) نقلًا عن الجامع لحكام القرآن (٨/ ١٩٧).
(٣) الصارم المسلول (١/ ٥٢٦).
[ ١١٢ ]
وأما ما نراه من بعض الناس من استخدام آيات القرآن في غير ما نزلت له من المزاح واللغو من غير الوقوع في الاستهزاء، فإن أقل ما يقال في فعل هؤلاء أنه مكروه، قال النووي: "يكره من ذلك ضرب الأمثال في المحاورات والمزح ولغو الحديث، فيكره في كل ذلك تعظيمًا لكتاب الله تعالى" (١).
وقد استقبح القرآن الكريم اتهام اليهود لموسى ﵇ بالهزل والمزاح حين أمرهم بذبح البقرة فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، أي أتمازحنا وتهزل معنا؟ وما درى هؤلاء أن الهزل لا يكون في مثل هذا، فالدين والوحي والبلاغ عن الله هو أبعد ما يكون عن هذا الباب، لذا أجابهم موسى ﵇ بقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: ٦٧).
والبعض يتجنب المزاح الحرام، لكنه لا يمتنع عن مجالسة أهله، ولربما شاركهم بالتبسم والاستماع، وهذا باب من الحرام والمشاركة في الإثم، وقد حذر الله منه في القرآن فقال لنبيه - ﷺ - وللمؤمنين من بعده: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ٨٦)، فالخوض مع هؤلاء
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ١٦٤).
[ ١١٣ ]
يعرضهم لسخط الله ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (المدثر: ٤٢ - ٤٥)، فالجلوس مع هؤلاء الهازلين ومشاركتهم الضحكَ على طرفهم التي جعلت من الدين مادة للسخرية سبب في استجلاب مقت الله، وهو نوع من المشاركة والرضا بما يصدر منهم ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء:١٤٠).
قال الطبري في تفسيره: "وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم مثله، يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلُهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم، وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذًا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه" (١).
_________________
(١) جامع البيان (٩/ ٣٢٠).
[ ١١٤ ]
ولما كان الاستماع إلى المزاح الحرام يشرك السامع في المعصية، فإن النبي - ﷺ - لم يرض به في مجلسه، بل استنكره، فقد صعد ابن مسعود - ﵁ - على شجرة، فنظر أصحابه إلى ساقه وكانت نحيلة جدًا، فضحكوا من ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما تضحكون! لرِجلُ عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد» (١).
وهكذا فالمزاح يحرم ويكره حين تتلبسه المحرمات والمكروهات، ولكنه مباح حين يبرأ من هذه الرزايا وأمثالها، بشرط أن لا يجاوز قدره.
صور من مزاح النبي - ﷺ -:
وقد أجاز العلماء المزاح، ونقل المناوي أنه "قيل لابن عيينة: المزاح سبة؟ فقال: بل سُنَّة، ولكن من يحسنه، وإنما كان [- ﷺ -] يمزح، لأن الناس مأمورون بالتأسي به والاقتداء بهديه، فلو ترك اللطافة والبشاشة، ولزِم العبوس والقطوب لأخذ الناس من أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من الشفقة والعناء، فمزح ليمزحوا، ولا يناقض ذلك خبر «ما أنا من دد،
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٩٢٢)، والبخاري في الأدب المفرد ح (٢٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ح (١٠٥).
[ ١١٥ ]
ولا الدد مني» فإن الدد اللهو والباطل، وهو كان إذا مزح لا يقول إلا حقًا" (١).
وقد مزح النبي - ﷺ - مع أصحابه، فكيف كان - ﷺ - يمزح، ولم كان يمزح، هل لمجرد الضحك والتسلي، أم كان له - ﷺ - في مزاحه مقاصد سامية؟
لا ريب أن مزاح النبي - ﷺ - مبرء عن العبث؛ مشتمل على مقاصد عظيمة ودروس تربوية بليغة، ما أحرانا أن نعمل على تلمسها من خلال تتبع بعض صور مزاحه - ﷺ -.
وأول ما يلوح لنا من هذه المقاصد في تحببه - ﷺ - لأصحابه ومؤانسته لهم، وقد نبه عليه النووي بقوله: "المزاح المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة، فإنه يورث الضحك والقسوة، ويشغل عن الذكر والفكر في مهمات الدين، فيورث الحقد، ويسقط المهابة والوقار.
وما سلم من ذلك هو المباح الذي كان المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعله، فإنه إنما كان يفعله نادرًا
_________________
(١) فيض القدير (٣/ ١٨)، والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد ح (٧٨٥)، والطبراني في الأوسط ح (٤١٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ح (٤٦٧٣).
[ ١١٦ ]
لمصلحة، كمؤانسة وتطييب نفس المخاطب، وهذا لا منع منه قطعًا، بل هو مستحب" (١).
ومن مزاحه - ﷺ - الذي يتحبب به إلى أصحابه أنه قدم إليه صهيب الرومي وهو رمد العين، وبين يدي النبي - ﷺ - تمر وخبز، فقال لصهيب: «أدن فكُل»، فأخذ صهيب يأكل من التمر دون الخبز، فقال له النبي - ﷺ - مازحًا: «تأكل تمرًا وبك رمد؟!» قال: إني أمضغ من ناحية أخرى. فتبسم رسول الله - ﷺ - (٢).
وفي مرة أخرى دخل رجل على النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله احملني، قال النبي - ﷺ - مازحًا: «إنا حاملوك على ولد ناقة»، فظن الرجل أن النبي - ﷺ - يحمله على ابن صغير للناقة فقال: وما أصنع بولد الناقة، فقال - ﷺ -: «وهل تلد الإبل إلا النوق» (٣).
وفي رجوع النبي - ﷺ - من غزوة تبوك جلس في قبة صغيرة، فأتاه عوف بن مالك الأشجعي يستأذن في الدخول عليه، يقول عوف: فسلمتُ، فردَّ وقال: «ادخل».
_________________
(١) الأذكار، ص (٣٢٧).
(٢) أخرجه أحمد ح (١٦١٥٥)، وابن ماجه ح (٣٤٤٣).
(٣) أخرجه أبو داود ح (٤٩٩٨)، والترمذي ح (١٩٩١).
[ ١١٧ ]
فلما رأى عوف صغر القبة قال للنبي - ﷺ - ممازحًا: أكلي يا رسول الله؟ قال: «كلُّك»، فدخل - ﵁ - (١).
وجاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - تقول له: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة. فقال لها: «يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز».
ولم تفطن المرأة لمزاح النبي - ﷺ - معها، فانزعجت، وبكت ظنًا منها أن العجائز من أمثالها لا يدخلون الجنة، فلما رأى ذلك - ﷺ - منها بيَّن أن العجوز لن تدخل الجنة عجوزًا، بل ينشئها الله خلقًا آخر، فتدخلها شابة بكرًا، وتلا عليها قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ (الواقعة: ٣٥ - ٣٧) (٢).
ومن مزاح النبي - ﷺ - بقصد التحبب وتطييب النفس مزاحُه مع أعرابي ذميم الخِلقة، يستنكف الكثيرون عن المزاح مع مثله، أما النبي - ﷺ - الذي يزن الرجال بميزان الله؛ الإيمان
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٥٠٠٠) وأحمد ح (٢٢٨٤٦)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (٤٠٤٢).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط ح (٥٥٤٥)، وهناد بن السري في الزهد ح (٢٤)، والترمذي في الشمائل ح (٢٣٨)، وحسنه الألباني في تحقيقه لشمائل الترمذي ح (٢٠٥).
[ ١١٨ ]
والتقوى، فلا يستنكف عن ممازحة هؤلاء، بل لعلهم أحق به لضعفهم وإعراض الناس عنهم.
والقصة يحكيها أنس بن مالك، فيذكر أن زاهرًا من أهل البادية، كان النبي - ﷺ - يحبه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه النبي - ﷺ - يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وزاهر لا يبصره، فقال الرجل: أرسلني. من هذا؟
فالتفت، فعرف النبي - ﷺ -، فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي - ﷺ - حين عرفه، وجعل النبي - ﷺ - يقول ممازحًا: «من يشتري العبد؟» فقال: يا رسول الله: إذًا والله تجدني كاسدًا. فقال - ﷺ -: «لكن عند الله لست بكاسد» أو قال: «لكن عند الله أنت غالٍ» (١).
ومن مزاحه - ﷺ - مع أصحابه أنه كان يقول لهم: «ارموا، من بلغ العدو بسهم رفعه الله به درجة» [أي في الجنة] فسأله أحد أصحابه: يا رسول الله وما الدرجة؟ فقال - ﷺ - له مداعبًا: «أما إنها ليست بعتَبة أمك، ولكن ما بين الدرجتين مائة عام» (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (١٢١٨٧).
(٢) أخرجه النسائي ح (٣١٤٤)، وأحمد ح (١٧٣٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح (١٢٨٧).
[ ١١٩ ]
ولكن أهم ما يمزح لأجله العقلاء؛ التربية والتنبيه على الخطأ بعيدًا عن أساليب الجفاء والغلظة والمواجهة بالخطأ، وهذا ما صنعه النبي - ﷺ - مع خوات بن جبير الأنصاري حين رآه جالسًا إلى نسوة بطريق مكة فقال له: «يا أبا عبد الله مالك مع النسوة؟»، فتلعثم خوات، وبدلًا من أن يقر بخطئه ويستغفر قال: يفتلن ضفيرًا لجمل لي شرود.
فمضى رسول الله لحاجته، ثم عاد فلقي خوات فقال له: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّراد بعد؟».
قال خوات: فاستحيت وسكت، فكنت بعد ذلك أتفرر منه؛ حتى قدمت المدينة، فرآني في المسجد يومًا أصلي، فجلس إلي، فطوَّلتُ في صلاتي فقال: «لا تطوِّل، فإني أنتظرُك»، فلما سلمت، قال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟».
فسكتُّ واستحيت فقام، وكنت بعد ذلك أتفرر منه، حتى لحقني يومًا، فقال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟».
وهنا آتى المزاح ثماره في التنبيه على الخطأ والإرشاد؛ فقال خوات معترفًا بالحقيقة: والذي بعثك بالحق ما شرد منذ
[ ١٢٠ ]
أسلمت. فقال - ﷺ - وهو مسرور بإنابة خوات: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم اهد أبا عبد الله». فحسن إسلامه وهداه الله (١).
وهكذا فإنه - ﷺ - كان يمزح مع أصحابه من غير أن يكون هذا ديدنه، وكان مزاحه - ﷺ - بقصد الإيناس والتحبب، لا مجرد الهزل واللعب، وكان في مزاحه لا يقول إلا حقًا، وصدق ابن قتيبة بقوله: "وقد درج الصالحون والخيار على أخلاق رسول الله - ﷺ - في التبسم والطلاقة والمزاح بالكلام المجانب للقدح والشتم والكذب " (٢)، فهذا أدب النبي - ﷺ - في المزاح وأدب أصحابه من بعده، فقد وصفهم بكر بن عبد الله فقال: "كان أصحاب النبي - ﷺ - يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال" (٣)، فمزاحهم لا يشغلهم عن الحق، ولا يغيِّب علامات الجد والرجولة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح (٤٠٨٣)، قال الهيثمي: أخرجه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير الجراح بن مخلد، وهو ثقة. مجمع الزوائد (٩/ ٤٠١).
(٢) تأويل مختلف الحديث، ص (٢٩٤).
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ح (٢٦٦)، وصححه الألباني في صحيح الأدب ح (٤١)، المقصود بالبطيخ ذو القشرة الصفراء اللينة، فالبدح رميك بكل شيء فيه رخاوة. انظر فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد للجيلاني (١/ ٣٦٦).
[ ١٢١ ]