الاختلاف بين الناس أمر طبعي جِبلِّي، فمازال الناس يختلفون بسبب اختلاف طبائعهم وتصوراتهم للأمور، لكن هذا الاختلاف لا يصح أن يؤدي بالإخوة إلى التشاحن وفساد ذات البين، فالشقاق والتشاحن الذي يقع بين الناس إنما هو في حقيقته بعضُ كيد إبليس الذي يجعل الخلاف الصغير كبيرًا، وما يزال ينفخ في أوداج الواحد فينا حتى يوغرَ صدره ويوقعَه في إخوانه، وقد نبه إلى ذلك النبي - ﷺ - بقوله: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمُهم فتنة، يجيء أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا. فيقول: ما صنعتَ شيئًا حتى يجيء أحدُهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين امرأته. فيدنيه منه: ويقول: نِعمَ أنت» (١).
ولبيان مدى حرص الشيطان على الإفساد بين المسلمين نستمع إلى النبي - ﷺ - وهو يقول: «إن الشيطان قد أيِس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (٢)، فهذا الحديث من المعجزات النبوية لما فيه من إخبار بالغيب،
_________________
(١) أخرجه مسلم ح (٢٨١٣).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٨١٢).
[ ٢١٦ ]
ومعناه: أن الشيطان " آيس [أي أصابه اليأس] أن يعبده أهل جزيرة العرب، ولكنه يسعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوِها" (١)، فالخصام بين المسلمين بعض كيد الشيطان ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩١).
والتفرق والشحناء بين المسلمين يفسد على المرء دينه، ويكفي أنه مانعٌ مغفرةَ الله لذنوب العباد، قال - ﷺ -: «تفتَح أبواب الجنة يومَ الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئًا؛ إلا رجلًا كانت بينَه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا» (٢).
قال الباجي: " يعني - والله أعلم - أخروا الغفران لهما حتى يصطلحا" (٣).
وفي حديث آخر - وفي إسناده ضعف - أن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ
_________________
(١) نقله عنه المباركفوري في تحفة الأحوذي (٦/ ٥٧).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٥٦٥).
(٣) المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٣٠١).
[ ٢١٧ ]
قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجُها عليها ساخط، وأخَوانِ متصارمان» (١) أي متشاحنان.
وفي مواجهة هذا الخطب الجلل؛ أمر الله بأمرين مهمين أولهما يقطع دابر الخصومة ويسد بابها، وهو حسن الظن بالعباد، والثاني هو الإصلاح بين المتخاصمين.
أولًا: حسن الظن بالآخرين
إن كثيرًا من المشكلات التي تقع بيننا ليس مردها إلى أسباب حقيقية، بل ترجع إلى ظنون يقذفها الشيطان في صدورنا، ننساق إليها، فتكون سببًا في وقوع العداوة وزيادة الشقاق.
والأصل في المسلم السلامة من السوء، والبراءة من التهمة، فقد قال ابن عمر: رأيت النبي - ﷺ - يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خيرًا ً» (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه ح (٩٧١).
(٢) أخرجه ابن ماجه ح (٢٩٣٢).
[ ٢١٨ ]
وقد ذم الله تعالى التعرض للمسلم بما يقدح في سلامته، ولو بالظن، إذا لم يكن لهذا الظن ما يبرره، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢).
ورأى العلماء في الآية ما يشير إلى وجود ظن يأثم فيه المرء، وآخر لا يأثم فيه، فاجتهدوا في بيان الفرق بينهما، فقال عيسى بن دينار في الظن المذموم: "يريد ظن السوء ومعناه أن تعادي أهلك وصديقك على ظن تظنه به دون تحقيق، أو تحدث بأمر على ما تظنه فتنقله على أنك قد علمته" (١).
وهكذا فإن الحكم على الناس بمجرد الظن دون استدلال بدليل هو الظن الآثم، وقد قال ﷿: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء: ٣٦).
ومن الظن المحرم ما يؤدي بصاحبه إلى التجسس والتوثق للظنون، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا» (٢)، فالمراد "ترك تحقيق الظن
_________________
(١) المنتقى شرح الموطأ (٤/ ٢٩٩).
(٢) أخرجه مسلم ح (٢٥٦٣).
[ ٢١٩ ]
الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يُقدر عليه لا يُكلف به، ويؤيده حديث: «تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها» " (١).
قال البيهقي: "أراد أن ظن القبيح بالمسلم كهمزه، ولمزه والسخريةِ والهزء به نُهي عنه، وأخبر أنه إثم، ونهى عنه وعن التجسس، وهو تتبع أحواله في خلواته وجوف داره والتعرف لها، فإن ذلك إذا بلغه ساءه وشق عليه، فكان التعرض له من باب الأذى الذي لا موجب له، ولا مرخص فيه قال سهل بن عبد الله: (من أراد أن يسلم من الغيبة، فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس سلم من الغيبة، ومن سلم من الغيبة سلم من الزور، ومن سلم من الزور سلم من البهتان) (٢).
ومثل هذا المعنى ورد في حديث مرفوع إلى النبي - ﷺ - بإسناد فيه ضعف؛ لكن معناه صحيح، وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال: «في الإنسان ثلاثة: الطيرة، والظن، والحسد، فمخرجه
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٤٨١).
(٢) انظر البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٩٤، ٣١٦).
[ ٢٢٠ ]
من الطيرة أن لا يرجع، ومخرجه من الظن ألا يحقق، ومخرجه من الحسد أن لا يبغي» (١).
ومما ينبغي أيضًا الابتعاد عما يجلب سوء الظن ويؤدي إليه، فليس من الحكمة أن يضع المرء نفسه في مواطن الشبهة ثم ينتظر من الناس أن يتلمسوا له المعاذير، ونبينا - ﷺ - كان أبعد الناس عن مواطن الشبهة وسوء الظن، فهو النبي الذي يؤمن الناس بعصمته وتزكيته من قبل ربه، لكنه ورغم ذلك سعى في إظهار براءة حاله وسلامته، لما أتته زوجته صفية تزوره في معتكفه في المسجد في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت معه ساعة، ثم قامت تريد بيتها، فقام النبي - ﷺ - معها يرافقها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله - ﷺ -، فقال لهما النبي - ﷺ -: «على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي».
فقالا: سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما، فقال النبي - ﷺ -: «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا» (٢)، وفيه "بيان شفقته - ﷺ - على أمته
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٣)، وضعفه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير ح (٨٤٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٥).
[ ٢٢١ ]
وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم. وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن والاحتفاظ من كيد الشيطان والاعتذار، قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكد في حق العلماء ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم وإن كان لهم فيه مَخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم" (١).
أما من قصد مواضع الشبهات فقد أحل عرضه واستحق سوء الظن فيه، كمن دخل إلى مكان يظن بداخله السوء أو صاحَبَ الفساق والفجار أو غاب عن الجمع والجماعات، قال ابن بطال: "سوء الظن جائز عن أهل العلم لمن كان مظهرًا للقبيح ومجانبًا لأهل الصلاح وغير مشاهد في الصلوات في الجماعة، وقد قال ابن عمر: (كنا إذا فقدنا الرجل فى صلاة العشاء والصبح أسأنا الظن به) " (٢).
قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: (من تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا، وأنت
_________________
(١) فتح الباري (٤/ ٢٨٠).
(٢) شرح ابن بطال (٩/ ٢٢٦)، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ح (٣٣٥٣)، والبيهقي في سننه (٣/ ٥٩).
[ ٢٢٢ ]
تجد لها في الخير محملًا، وكن في اكتساب الإخوان فإنهم جنة عند الرخاء وعدة عند البلاء، وآخ الإخوان على قدر التقوى، وشاور في أمرك الذين يخافون الله) (١).
ومما يحسن التنبيه عليه أنه شاع على ألسنة بعض العوام أحاديث منسوبة إلى النبي - ﷺ - وإلى بعض أصحابه تدعو إلى إساءة الظن بالناس طلبًا للسلامة منهم، فهذه الآثار لا تصح، وإن وجهها بعض العلماء وحملها على معاني جميلة.
ومن ذلك ما نسب إليه - ﷺ -: «الحزم سوء الظن»، ومثله: «احترسوا من الناس بسوء الظن»، وهذان الحديثان حكم عليهما العلماء بالضعف الشديد. قال الألباني عن كليهما: "ضعيف جدًا"، ثم قال عن الثاني منهما: "ثم إن الحديث منكر عندي؛ لمخالفته للأحاديث الكثيرة التي يأمر النبي - ﷺ - فيها المسلمين بأن لا يسيئوا الظن بإخوانهم" (٢).
ثانيًا: الإصلاح بين المتخاصمين
وأما إذا وقعت الخصومة وأوقع الشيطان الإخوة في شباكه فإن الله يأمر المجتمع المسلم إلى المسارعة في الإصلاح
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتابه "الزهد" ح (٨٣).
(٢) السلسلة الضعيفة (١/ ٢٨٨).
[ ٢٢٣ ]
بين المتخاصمين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: ١٠)، وقد اعتبره من خير القرب والأفعال: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٤)، وكذا قال رسوله - ﷺ -: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة». قالوا: بلى. قال: «صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، وفي رواية: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (١).
قال الطِّيبي: "في الحديث حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب الإفساد فيها، لأن الإصلاح سببٌ للاعتصام بحبل الله وعدمِ التفرق بين المسلمين، وفسادُ ذات البين ثُلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها؛ نال درجةً فوق ما يناله الصائمُ القائم المشتغل بخاصة نفسه" (٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي ح (٢٥٠٩).
(٢) عون المعبود (١٣/ ١٧٨).
[ ٢٢٤ ]
قال الأوزاعي: "ما خطوةٌ أحبُ إلى الله ﷿ من خطوة في إصلاح ذات البين، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءةً من النار".
وقد سارع النبي - ﷺ - إلى هذه الخصلة الجليلة، لما سمع أن بعض أصحابه من أهل قُباء اقتتلوا حتى ترامَوا بالحجارة فقال - ﷺ -: «اذهبوا بنا نصلحُ بينهم» (١)، فذهب النبي - ﷺ - للإصلاح بينهم مما أخره عن صلاة الجماعة التي ليست بأعظمَ من الإصلاح بين المسلمين.
قال ابن حجر: " في هذا الحديث فضل الإصلاح بين الناس وجمعِ كلمة القبيلة وحسمِ مادة القطيعة وتوجهِ الإمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك، وفيه تقديمُ مثلِ ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه" (٢).
قال ابن بطال: "فيه: ما كان عليه النبي - ﷺ - من التواضع والخضوع والحرص على قطع الخلاف وحسم دواعِي الفُرقة عن أمته كما وصفه الله تعالى" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٢٦٣٩).
(٢) فتح الباري (٢/ ١٦٩).
(٣) شرح ابن بطال (٨/ ٨٤).
[ ٢٢٥ ]
كما صنعه النبي - ﷺ - مرة أخرى حين حاول الإصلاح بين مغيث وزوجته السابقة بَريرة، فقد فارقته، وكان يحبها.
يقول ابن عباس: كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي - ﷺ - للعباس: «يا عباسُ، ألا تعجب من حب مُغيثٍ بريرةَ، ومن بغضِ بريرةَ مُغيثًا؟!».
وقد رفِق النبي - ﷺ - بمغيثٍ، فذهب إلى بريرة يشفع لزوجها عندها، لعلها ترجعُ إليه، فذهب إليها وقال لها: «لو راجعتِه» فقالت بريرة: يا رسول الله تأمرني؟ فأجابها - ﷺ -: «إنما أنا أشفع». فقالت: لا حاجة لي فيه (١).
ولأهمية الإصلاح بين الناس، أجاز النبي - ﷺ - الكذب بين المتخاصمين بقصد الإصلاح، كأن يذكر على لسان أحد المتخاصمَين مدحًا لخصمه وثناء عليه، من غير أن يكون هذا قوله حقيقة، قال - ﷺ -: «ليس بالكاذب من أصلح بين الناس، فقال خيرًا، أو نَمَى خيرًا» (٢).
تقول أم كلثوم بنت عقبة: (ما سمعت رسول الله - ﷺ - رخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٥٢٨٣).
(٢) أخرجه الترمذي ح (١٩٣٨).
[ ٢٢٦ ]
يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها) (١).
قال ابن العربي: الكذب في هذا وأمثاله جائز بالنص رفقًا بالمسلمين لحاجتهم إليه" (٢).
وهكذا يتبين حرص النبي - ﷺ - على سلامة المجتمع المسلم من منغصات الأخوة ومبطلات الاعمال الصالحات، وفي الإذعان لهديه سعادة المسلم في دنياه وأخراه.
_________________
(١) أخرجه أحمد ح (٢٦٧٣١).
(٢) فيض القدير (٥/ ٣٧٧).
[ ٢٢٧ ]
خاتمة
إن نظرة متأملة إلى حياة النبي - ﷺ -، ثم أخرى إلى حياتنا تكشف للبليد قبل الحصيف البون الشاسع الذي يفصلنا عن نبينا - ﷺ -، ولست أبالغ إذا قلت: إنه يصدق فينا ما قاله أبو الدرداء عن زمن التابعين - وهو فينا أبين وأصدق -: (لو خرج رسول الله - ﷺ - اليوم إليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة).
لقد اصطفى الله من قبل بني إسرائيل وآتاهم الكتاب والملك والسؤدد ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ (الجاثية:١٦)، ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ (الأعراف:١٧٣)، فلما خالفوا منهج الله وتنكبوا هدي رسله نزع الله منهم الاصطفاء، وغيَّر حالهم إلى أبأس حال ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: ٦١)، وهكذا فسنن الله لا تتخلف، ولن تحابينا إذا تنكبنا شرع الله وأعرضنا عن هدي
[ ٢٢٩ ]
رسوله - ﷺ - ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (فاطر: ٤٣).
إذا تبين هذا عرفنا سبب تغيير الله حالنا ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٥٣)، فهذا الحال جزاء حيدتنا عن دين الله، وعقوبة الله إنما ترفع بالتوبة «إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، وفي رواية أحمد: «ليلزمنكم الله مذلة فى أعناقكم، ثم لا تنزع منكم حتى ترجعون إلى ما كنتم عليه وتتوبون إلى الله» (١).
واللهَ أسأل أن يرجعنا إلى ديننا، وأن يغفر الذنب الذي لأجله سلط علينا أعداءنا، كما أسأله ﵎ أن يقيمنا على سنته - ﷺ -، وأن يحشرنا تحت لوائه، في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود ح (٣٤٦٢)، وأحمد ح (٢٧٥٧٣).
[ ٢٣٠ ]
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- تاريخ الأمم والملوك، ابن جرير الطبري (ت ٣١١هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط٢، دار المعارف، مصر.
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (ت ٧٧٤هـ)، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٠هـ.
- جامع البيان في تفسير القرآن، ابن جرير الطبري (ت ٣١١هـ)، ط٢، دار المعرفة، بيروت.
- الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، محمد بن سورة الترمذي (ت ٢٧٩هـ)، تحقيق: أحمد شاكر، المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة.
- الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١هـ)، دار الكتب العربية، بيروت، ١٤١٣هـ.
- زاد المسير في علم التفسير، جمال الدين عبد الرحمن بن علي الجوزي (ت ٥٩٧هـ)، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.
- السلسلة الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.
- سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني (ت٢٧٥هـ)
[ ٢٣١ ]
تحقيق وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، ط١، دار إحياء الكتب العربية.
- سنن أبي داود، أبو داود السجستاني (ت ٢٧٥هـ)، دار الحديث، ١٣٩١هـ.
- سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط٢، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ١٤٠٦هـ.
- شرح ابن بطال على صحيح البخاري (ت ٤٤٩هـ)، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، ط٢، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٢٣هـ.
- شرح النووي على صحيح مسلم، يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦هـ)، ط١، عالم الكتب، الرياض، ١٤٢٤هـ.
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، أبو الفضل عياض اليحصبي (ت ٥٤٤هـ)، دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ١٤٠٩هـ.
- صحيح ابن حبان، أبو حاتم البستي، (ت ٣٥٤هـ) ترتيب: علاء الدين بن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وحسين أسد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٤هـ.
- صحيح ابن خزيمة، محمد بن خزيمة (ت٣١١هـ)، تحقيق:
[ ٢٣٢ ]
محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي.
- صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ)، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، في تحقيقه لكتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ط٢، القاهرة، دار الريان للتراث، ١٤٠٧هـ.
- صحيح الترغيب والترهيب، محمد ناصر الدين الألباني، ط٥، الرياض، مكتبة المعارف.
- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري (ت ٢٦١هـ)، ترقيم: محمد فؤاد الباقي، ط١، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٧٥هـ.
- عمدة القاري، بدر الدين العيني (ت ٨٥٥هـ)، دار الفكر.
- عون المعبود شرح سنن أبي داود، أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي (ت ١٣٢٩هـ)، ط٢، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ.
- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط٢، دار الريان للتراث، القاهرة، ١٤٠٧هـ.
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧هـ)، دار الفكر، بيروت، ١٤١٢ هـ.
[ ٢٣٣ ]
- المستدرك على الصحيحين، أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠١هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١١هـ.
- المسند، أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني (ت ٢٤١هـ)، دار إحياء التراث العربي، ١٩٩١م.
- مشكاة المصابيح، محمد الخطيب التبريزي (ت ٧٣٧هـ)، تحقيق: محمد ناصر الألباني، ط٣، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥هـ.
- المصنف، أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ)، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ط٢، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣هـ.
- المعجم الكبير، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني (ت ٣٦٠هـ)، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، ط٢، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، ١٤٠٤هـ.
[ ٢٣٤ ]